الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
دبرا (1) من ذهب، وأني آذيت رجلا منكم. ردوا عليهم هداياهم، فوالله ما أخذ الله الرشوة مني حين رد علي ملكي، فآخذ الرشوة فيه. وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه.
قالت: فخرجا من عنده مقبوحين، مردودا عليهما ما جاءا به، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار.
مؤامرة جديدة تتحطم:
قالت: فوالله إنا لعلى ذلك، إذ نزل به رجل من الحبشة ينازعه في ملكه، قالت: فوالله ما علمنا حزنا حزنا قط. كان أشد علينا من حزن حزنا عند ذلك. تخوفا أن يظهر ذلك الرجل على النجاشي، فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف منه. قالت: وسار إليه النجاشي، وبينهما عرض النيل. قالت: فقال أصحاب رسول الله (ص): من رجل يخرج حتى يحضر وقيعة القوم ثم يأتينا بالخبر؟ قالت: فقال الزبير بن العوام: أنا. قالوا: فأنت. وكان من أحدث القوم سنا. فنفخوا له قربة فجعلها في صدره.
ثم سبح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التي بها ملتقى القوم، ثم انطلق حتى حضرهم. قالت: فدعونا الله تعالى للنجاشي بالظهور على عدوه، والتمكين له في بلاده. قالت: فوالله إنا لعلى ذلك متوقعون لما هو كائن، إذ طلع الزبير وهو يسعى، فلمع (2) بثوبه وهو يقول: ألا أبشروا فقد ظفر النجاشي، وأهلك الله
(1) دبرا من ذهب: جيلا من ذهب.
(2)
فلمع بثوبه: إذا رفعه وحركه ليراه غيره.
عدوه، ومكن له في بلاده. قالت: فوالله ما علمتنا فرحنا فرحة مثلها. قالت: ورجع النجاشي، وقد أهلك الله عدوه، ومكن له في بلاده، واستوسق عليه أمر الحبشة، فكنا عنده في خير منزل، حتى قدمنا على رسول الله (ص) وهو بمكة) (1).
…
ونقف عند هذا الحدث لنفقه بعض دروسه لأهميته:
1 -
رسول الله هو الذي وجه الأنظار إلى الحبشة، وهو الذي اختار المكان الآمن لجماعته ولدعوته، كي يحميها من الإبادة.
وهذا يقتضي من قيادة الدعوة الإسلامية في كل عصر أن تخطط بحكمة وعمق بالغين لحماية الدعوة والدعاة، وتبحث عن الأرض الآمنة، التي تكون عاصمة احتياطية للدعوة، ومركزا من مراكز انطلاقها فيما لو تعرض المركز الرئيسي للخطر، أو وقع احتمال اجتياحه. فجنود الدعوة هم الثروة الحقيقية، وهم الذين تنصب الجهود كلها لحفظهم وحمايهم،
دون أن يتم أي تفريط بأرواحهم وأمنهم، وداعية واحد يعادل كل كفار الأرض بل يرجح عليهم.
2 -
واختيار النوعيات الجيدة لهذه المهمات، كذلك هو الذي يضمن نجاح مثل هذه المهمة - وهي مهمة شاقة ولا شك أن تفتح أرضا جديدة وتكسب موقعا جديدا - فقرة عين أصحاب محمد (ص) توجهوا لهذه
(1) مجمع الزوائد 6/ 25 - 27 وقال الهيثمي رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح إلا ابن إسحاق وقد صرح بالسماع، فالحديث صحيح. وهو في السيرة النبوية لابن هشام 334/ 1 - 338.
المهمة، وكانت على دفعتين، ومنذ أن تم التأكد من سلامة الموقع الجديد راح أكثر الصحب إليه. وقد أوكل الأمر لجعفر رضي الله عنه بعد عثمان بن مظعون.
3 -
ووجود ابن عم رسول الله وصهر رسول الله، وابنة رسول الله (ص) ذو دلالة عميقة على أن الأخطار لا بد أن يتجشمها المقربون إلى القائد وأهله ورحمه. أما أن يكون خواص القائد في منأى عن الخطر، ويدفع إليه الأبعدون غير ذوي المكانة، فهو خط خارج على منهح سيد الدعاة صلوت الله عليه، لقد كان عثمان ورقية كما قال عليه الصلاة والسلام عنهما:((إن عثمان أول من هاجر بأهله بعد لوط عليه السلام).
4 -
ويجب أن لا يغيب عن الذهن طبيعة المعركة بين الإسلام والكفر وأنها عملية بقاء أو فناء. فلم ترض قريش بخروج أكثر أصحاب محمد عنها، رغم نأي الحبشة وبعدها، ولم تسكت، إنما راحت تلاحقهم إلى هناك، خشية امتدادهم وقوتهم، وتحاول أن تنزع هذا الموقع منهم في تخطيط محكم ذكي. فالهدايا إلى النجاشي، والهدايا إلى بطارقته، ووضع الخطة داخل مكة، كيف توزع الهدايا، وماذا يرافق التوزيع من الكلام، ونوعيات الرسل في ذلك، فعمرو من أصدقاء النجاشي، وهو قادر على تأدية الدور الفعال في هذه المهمة.
وما أحوجنا إلى أن لا نستصغر عدونا، وأن لا ننام عن مخططاته، وأن نعطيه حجمه الحقيقي وندرس كل تحركاته، لنعرف كيف نواجه هذه التحركات.
5 -
وكان وعي القيادة النبوية، وقيادة المسلمين في الحبشة على مستوى الأحداث والمهمات التي انطلقوا من أجلها، وبعثوا لصنعها.
فأبو طالب أسرع برسالته إلى النجاشي منذ اللحظة التي تحرك وفد قريش فيها إليه.
ألا ليت شعري كيف في النأي (1) جعفر
…
وعمرو وأعداء العدو الأقارب
وهل نالت أفعال النجاشي جعفرا
…
وأصحابه أو عاق ذلك شاغب (2)
تعلم - أبيت اللعن - أنك ماجد
…
كريم فلا يشقى لديك المجانب (3)
تعلم بأن الله زادك بسطة
…
وأسباب خير كلها بك لازب (4)
وأنك فيض ذو سجال عزيزة
…
ينال الأعادي نفعها ولأقارب) (5)
والمسلمون على وعي بما يجري، ولعل الأخبار قد وصلت إليهم بتحرك الوفد، لكنهم غير قادرين على الدخول على الملك، أو الوصول إلى حاشيته فلا يملكون الهدايا التي يقدمون، ولا يملكون الصداقة التي تحرك خصومهم من خلالها.
فقد يملك العدو من الوسائل ما يعجز عنه الصف المؤمن في
(1) النأي: البعد.
(2)
عاق ذلك شاعب: منع الخير مشاغب أو مفرق.
(3)
المجانب: الداخل في حمى الإنسان المنضوي إلى جانبه. وأبيت اللعن: تحية يحيا بها الملوك في الجاهلية.
(4)
لازب: لاصق.
(5)
السيرة النبوية لابن هشام 333/ 1، 334.
تحرك هذا العدو لحرب هذا الدين، لكن هذا لا يعذر الصف المؤمن أن يقف مكتوف الأيدي أمام إمكانات خصمه.
6 -
ورغم أن الخطة نفذت بحذافيرها كاملة، غير أنها باءت بالفشل، لأن شخصية النجاشي العظيمة - والتي تم اختيار جوارها - رفضت أن تسلم المسلمين قبل أن تسمع منهم. وبذلك أتاحت الفرصة أمام الدعاة إلى الله ليثبتوا وجودهم. ولعلها تكون فرصة فريدة إن أحسن الدعاة الاستفادة منها، فتحت أمامهم آفاقا جديدة للنصر - وإن ضيعوها كانوا لسوها أضيع - ومن أجل ذلك اجتمع الصحب حين جاءهم رسول النجاشي للحضور، وتدارسوا الموقف من جميع وجوهه، ةاستقر الرأي عندهم أن يعرضوا مبادىء الدين أمام النجاشي، كما علمهم ربهم ونبيهم، والله تعالى حسبهم، فما خرجوا إلا لأجل هذا الدين.
وفي مثل هذه المواقف تنزلق الأقدام، وتزل القلوب، فكثيرا ما يتوهم الدعاة أنهم لو صارحوا بحقيقة مبادئهم لخسروا حياتهم ومركزهم، وتبدأ نقطة الانحراف صغيرة، ثم تنفرج الزاوية، فإذا بالدعاة إلى الله ينسون رسالتهم التي لاقوا ما لاقوا من أجلها، وتصبح القضية عندهم أمنهم وراحتهم، وحياتهم، لا حياة دعوتهم، وانتشار دينهم.
وعصم الله تعالى صحب نبيه من هذه الزلة، ولا غرو، فهم صفوة الصحب الذين تربوا بين يدي رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.
7 -
ولا بد هنا من الوقوف مليا للتفريق بين نقطتين:
النقطة الأولى: الفكرة والمبدأ الذي يجب أن يعرض.
النقطة الثانية: أسلوب عرض المبدأ والفكرة.
وكثيرا ما يختلط الأمر لدى الدعاة إلى الله، فيطيحون بالأسلوب جانبا، ويقدمون ما يحفظون من نص، مهما كان أسلوب عرضه، فيخفقوا لعدم وجود الحكمة التي أمرهم الله تعالى بها {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} (1)، فيعودوا بالإخفاق على الناس وباللوم منهم وسبابهم، دون أن يدركوا أنهم هم الذين نفروا الناس بأسلوبهم الفج، ولم يكونوا دعاة إلى الله ورسوله. ولعل الوقوف أمام الأسلوب الرائع الأخاذ الذي عرض به جعفر رضي الله عنه دين الله تعالى، يبصر دعاة اليوم، بمنهج الدعوة، وطريقها.
8 -
وقبل المضي في الحديث عن الأسلوب يحسن الوقوف أمام شخصية جعفر رضي الله عنه، الذي تم اختياره من المسلمين ليكون خطيبا لله ورسوله بين يدي الملوك، بين يدي النجاشي، وليتمكن من مواجهة داهية العرب عمرو بن العاص، وبليغهم كذلك الذي كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يضرب المثل بفصاحته حين يرى عييا يتكلم فيقول: سبحان الله خالق هذا، وخالق عمرو بن العاص واحد.
(أ) فجعفر بن أبي طالب، ألصق الناس برسول الله (ص)،
(1) النحل 125.
فقد عاش معه في بيت واحد، فهو أخبر الناس بقائد الدعوة وسيد الأمة بين كل المهاجرين إلى الحبشة.
(ب) وهذا الموقف بين يدي النجاشي يحتاج إلى فصاحة وبلاغة، وبنو هاشم قمة قريش نسبا وفضلا وجعفر في الذؤابة من بني هاشم. والله تعالى قد اختار هاشما من بني كنانة، واختار نبيه من بني هاشم، فهم أفصح الناس لسانا وأوسطهم نسبا.
(ج) وجعفر ابن عم رسول الله (ص)، ولا شك حين يتكلم أمام النجاشي ابن عم المبعوث رحمة للعالمين وأقرب الناس إليه، يجعل النجاشي أكثر اطمئنانا وثقة بما يعرض عن ابن عمه.
ولنسمع لجانب من هذه الرواية حول أهمية قرابة جعفر:
قال عمير بن إسحاق: حدثني عمرو بن العاص قال:
لما رأيت جعفرا وأصحابه آمنين بأرض الحبشة حسدته، قلت: لأستقيلن لهذا وأصحابه فأتيت النجاشي فقلت: ائذن لعمرو بن العاص فأذن لي، فدخلت فقلت: إن بأرضنا ابن عم لهذا (يعني جعفرا) يزعم أنه ليس للناس، إلا إله واحد، وإنا والله إن لم ترحنا منه وأصحابه لاقطعت إليك هذه النطفة ولا أحد من أصحابي أبدا.
فقال: وأين هو؟ قلت: إنه يجيء مع رسولك. إنه لا يجيء معي.
فأرسل معي رسولا، فوجدناه قاعدا بين أصحابه فدعاه فجاء، فلما أتيت الباب ناديت ائذن لعمرو بن العاص ونادى خلفي ائذن
لحزب الله عز وجل. فسمع صوته. فأذن له قبلي فدخل ودخلت.
وإذا النجاشي على السرير، قال: فذهبت حتى قعدت بين يديه وجعلته (أي جعفر) خلفي. وجعلت بين كل رجلين من أصحابه رجلا من أصحابي، فقال النجاشي: نجروا (أي تكلموا) قلت: إن بأرضك رجلا ابن عمه في أرضنا، ويزعم أنه ليس للناس إلا إله واحد، وإنك إن لم تقطعه وأصحابه لا أقطع إليك هذه النطفة أنا ولا أحد من أصحابي أبدا.
قال جعفر: صدق ابن عمي، وأنا على دينه.
فصاح صياحا وقال: أوه، حتى قلت: ما لابن الحبشية لا يتكلم.
فقال: أناموس كناموس موسى؟ قال: ما تقولون في عيسى بن مريم.
قال: أقول هو روح الله وكلمته، قال: فتناول شيئا من الأرض. فقال: ما أخطأ في أمره مثل هذا. فوالله لولا ملكي لاتبعتكم. وقال لي: ما كنت أبالي أنك لا تأتيني أنت ولا أحد من أصحابك أبدا.
(وقال لجعفر): أنت آمن في أرضي، من ضربك قتلته، ومن سبك غرمته، وقال لآذنه: متى استأذنك هذا فائذن له إلا أن أكون عند أهل، فإن أتى فأذن له) (1).
(1) مجمع الزوائد 28/ 6 وقال الهيثمي: رواه الطبراني والبزار، وعمير بن إسحاق وثقه ابن حبان وغيره، وفيه كلام لا يضر، وبقية رجاله رجال الصحيح، وروى أبو يعلى بعضه.
(د) ويكفينا عن هذه الأمور جميعا أهم جانبين في جعفر بن أبي طالب، شهد له بهما رسول الله (ص) وهما: خلق جعفر القابس من مشكاة النبوة، وجمال خلقه المنحدر من أصلاب النبوة.
فعن عبد الله بن أسلم مولى رسول الله (ص) أن رسول الله (ص) قال لجعفر: ((أشبهت خلقي وخلقي)) (1).
فالخطيب بين يدي النجاشي عنده سمة النبي (ص) في هيئته، وسمته في خلقه، وكفى بذلك خرا، فطاقات النجاح المهمة إذن متوفرة لديه.
9 -
اختار جعفر رضي الله عنه للإجابة التي وجدها فرصة سانحة بين يدي النجاشي الأسلوب الأمثل في العرض من خلال الخطوات التالية:
(أ) وصف ما كان عليه أهل الجاهلية، وركز على الصفات الذميمة التي لا تنتزع إلا بنبوة.
(ب) عرض شخصية الرسول (ص) في هذا المجتمع الآسن المليىء بالرذائل.
وكيف كان بعيدا عن هذه النقائص كلها، ومعروفا بنسبه وصدقه وأمانته وعفافه. فهو المؤهل للرسالة.
(ج) تحدث عن المبادىء العامة للدعوة أو عرض أخلاقيات هذا الدين التي تلتقي مع كل أخلاقيات دعوات الأنبياء، نبذ عبادة الأوثان، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن
(1) مجمع الزوائد 273/ 9 وقال الهيثمي: رواه أحمد وإسناده حسن.
الجوار، والكف عن المحارم والدماء، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وكون النجاشي وبطارقته موغلون في النصرانية فهم يدركون أن هذه رسالات الأنبياء التي بعثوا بها من لدن موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام.
(د) فضح ما فعلته قريش بهم لأنهم رفضوا عبادة الحجارة وآمنوا بما نزل على محمد وتخلقوا بخلقه.
(ش) أحسن الثناء على الملك بما هو أهله أنه لا يظلم عنده أحد، وأنه يقيم العدل في قومه.
(و) وأوضح أنهم اختاروه كهفا من دون الناس فرارا من ظلم هؤلاء الذين يطالبون بهم. وبهذه الخطوات البينة الواضحة، دحر بلاغة عمرو فصاحته، واستأثر بلب النجاشي وعقله، وكذلك استأثر بلب وعقل البطارقة والقسيسين الحاضرين.
(ز) وعندما طلب الملك النجاشي شيئا مما نزل على محمد، جاء صدر سور مريم في غاية الإحكام والروعة، والتأثير، حتى بكى النجاشي وأساقفته وبلوا لحاهم ومصاحفهم من الدموع.
إن عبقرية جعفر رضي الله عنه في حسن اختيار الموضوع، والزمن المناسب، والقلب المتفتح، والشحنة العاطفية، أدت إلى أن يربح الملك إلى جانبه ليكون جنديا من جنود الدعوة.
10 -
ولا أرى بأسا من عرض رواية ثالثة كذلك تعطينا إضاءات أكثر حول الداعية العظيم جعفر رضي الله عنه. لتكون نبراسا بين يدينا نتأسى بها ونحن على طريق الدعوة.
(فعن عروة بن الزبير رضي الله عنه قال:
(
…
فبعثت قريش في آثارعم عمارة بن الوليد بن المغيرة المخزومي، وعمرو بن العاص السهمي، وأمروهما أن يسرعا السير حتى يسبقاهم إلى النجاشي. ففعلا، فقدما على النجاشي فدخلا عليه، فقالا له:
إن هذا الرجل الذي بين أظهرنا، وأفسد فينا، تناولك ليفسد عليك دينك، وملكك، وأهل سلطانك، ونحن لك ناصحون .. وأنت لنا عيبة صدق، تأتي إلى عشيرتنا بالمعروف، ويأمن تاجرنا عندك، فبعثنا قومنا إليك لننذرك فساد ملكك، وهؤلاء نفر من أصحاب الرجل الذي خرج فينا، ونخبرك بما نعرف من خلافهم الحق، أنهم لا يشهدون أن عيسى بن مريم إلها ولا يسجدون لك إذا دخلوا عليك، فادفعهم إلينا فلنكفيكهم.
فلما قدم جعفر وأصحابه وهم على ذلك من الحديث، وعمر وعمارة عند النجاشي وجعفر وأصحابه على ذلك الحال، قال: فلما رأوا أن الرجلين قد سبقا ودخلا، صاح جعفر على الباب: يستأذن حزب الله.
فسمعها النجاشي، فأذن لهم، فدخلوا عليه، فلما دخلوا وعمرو وعمارة عند النجاشي، قال: أيكم صاح عند الباب؟ فقال جعفر: أنا هو. فأمره، فعاد لها، فلما دخلوا وسلموا تسليم أهل الإيمان، ولم يسجدوا له، فقال عمرو بن العاص، وعمارة بن الوليد: ألم نبين لك خبر القوم؟ فلما سمع النجاشي ذلك أقبل عليهم فقال:
أخبروني أيها الرهط ما جاء بكم؟ وما شأنكم؟ ولستم بتجار، ولا سؤال؟ وما نبيكم هذا الذي خرج؟ وأخبروني ما لكم، لم لا تحيوني كما يحييني من أتاني من أهل بلادكم؟ وأخبروني ماذا تقولون في عيسى بن مريم؟
فقام جعفر بن أبي طالب وكان خطيب القوم، فقال: إنما كلامي ثلاث كلمات، إن صدقت فصدقني، وإن كذبت فكذبني، فأمر أحدا من الرجلين فليتكلم ولينصت الآخر، قال عمرو:
أنا أتكلم. قال النجاشي أنت يا جعفر فتكلم قبله. فقال جعفر: إنما كلامي من ثلاث كلمات، سل هذا الرجل، أعبيد نحن أبقنا من أربابنا؟ فارددنا إلى أربابنا؟ فقال النجاشي: أعبيد هم يا عمرو؟ قال عمرو: بل أحرار كرام.
قال جعفر: سل هذا الرجل هل أهرقنا دما بغير حقه؟ فادفعنا إلى أهل الدم. فقال. هل أهرقوا دما بغير حقه؟ فقال: ولا قطرة واحدة من دم.
ثم قال جعفر: سل هذا الرجل أخذنا أموال الناس بالباطل؟
فعندنا قضاء. فقال النجاشي: يا عمرو إن كانت على هؤلاء قنطار من ذهب فهو علي. قال عمرو: ولا قيراط. فقال النجاشي: ما تطلبونهم به؟
قال عمرو: فكنا نحن على دين واحد، وأمر واحد فتركوه،
ولزمناه. فقال النجاشي: ما هذا الذي كنتم عليه فتركتموه، وتبعهتم غيره؟
فقال جعفر: أما الذي كنا عليه فدين الشيطان وأمر الشيطان، نكفر بالله ونعبد الحجارة، فأما الذي نحن عليه فدين الله عز وجل، نخبرك: أن الله بعث إلينا رسولا كما بعث إلى الذين من قبلنا، فأتانا بالصدق والبر ونهانا عن عبادة الأوثان، فصدقناه، وآمنا به واتبعناه. فلما فعلنا ذلك عادانا قومنا، وأرادوا قتل النبي الصادق، وردنا في عبادة الأوثان، ففررنا إليك بديننا ودمائنا، ولو أقرنا قومنا لاستقررنا، فذلك خبرنا.
وأما شأن التحية، فقد حييناك بتحية رسول الله (ص) والذي يحيي به بعضنا بعضا، أخبرنا رسول الله (ص) أن تحية أهل الجنة السلام، فحييناك بالسلام.
وأما السجود، فمعاذ الله أن نسجد إلا لله، وأن نعدلك به.
وأما في شأن عيسى بن مريم، فإن الله عز وجل أنزل في كتابه على نبينا أنه رسول قد خلت من قبله الرسل، ولدته الصديقة العذراء البتول الحصان، وهو روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم، وهذا شأن عيسى بن مريم.
فلما سمع النجاشي قول جعفر، أخذ بيده عودا ثم قال لمن حوله: صدق هؤلاء النفر، وصدق نبيهم، والله ما يزيد عيسى بن مريم على ما يقول هذا الرجل، ولا وزن هذا العود. فقال لهم النجاشي:
امكثوا فإنكم سيوم - آمنون - قد منعكم الله.
وأمر لهم بما يصلحهم، فقال النجاشي: أيكم أدرس للكتاب الذي نزل على نبيكم؟ قالوا: جعفر، فقرأ عليهم جعفر سورة مريم، فلما سمعها عرف أنه الحق، وقال: صدقتم، وصدق نبيكم (ص)، أنتم والله صديقون، امكثوا على اسم الله وبركته آمنين ممنوعين، وألقى عليكم المحبة من النجاشي) (1).
…
(أ) لقد كان عمرو بن العاص رضي الله عنه وهو يمثل في تلك المرحلة عداوة الله ورسوله - على مستوى نادر من الذكاء والعبقرية، وكان في عرضه لأمر جعفر قد شحن كل ما لديه من حجة، وألقى بها بين يدي النجاشي من خلال النقاط التالية:
(ب) تحدث عن بلبلة جو مكة، وفساد ذات بينها من خلال دعوة محمد (ص)، وهو وافد مكة وممثلها بين يدي النجاشي، فكلامه مصدق لا يعتريه الشك، وهو عند النجاشي موضع ثقته.
(ج) طرق على أخطر وتر يخافه الحاكم وهو خطر زوال السلطة، وأتباع محمد الذين جاؤوا إلى الحبشة سيزلزلون الأض تحت قدمي النجاشي، كما أفسدوا جو مكة، ولولا حب قريش للنجاشي وصداقتها معه، ما تعنوا هذا العناء لنصحه (وأنت لنا عبية صدق، تأتي إلى عشيرتنا بالمعروف
(1) مغازي رسول الله (ص) لعروة بن الزبير / 111 - 113 - وقد رواه عن عروة عمرو بن خالد (ثقة) عن ابن لهيعة (صدوق في حديثه ضعف) عن أبي الأسود (ثقة).
ويأ من تاجرنا عندك) فلا أقل من رد المعروف بمثله. لا أقل من أن نفي حسن الجوار والعلاقة بين مكة والحبشة من تحذيره من هذه الفتنة المخيفة.
(د) وأخطر ما في أمرهم، هو خروجهم على عقيدة النجاشي، وكفرهم بها (فهم لا يشهدون أن عيسى بن مريم إلها، فليسوا على دين قومهم، وليسوا على دينك، وهم مبتدعة دعاة فتنة).
(هـ) ودليل اسصغارهم لشأن الملك، واستخفافهم به، أن كل الناس يسجدون للملك لكنهم لا يفعلون ذلك، فكيف يتم إيواؤهم عندك.
وهو عودة إلى إثار الرعب في نفسه من عدم احترام الدعاة له، حين يستخفون بملكه ولا يسجدون له.
وما فعله عمرو في هذا الموقف يمثل في كل جيل دقة التخطيط في حرب الإسلام ودعاته، وتغذية الحاكمين بهذا السم الزعاف الذي ينفثونه على الدعاة ليقتلوهم به، هو أن الدعوة الإسلامية ورجالاتها خطر على النظام الحاكم، وخارجة عليه، وسوف تبتلع النظام والحاكم، ما لم يبادر إلى وأدها في مهدها.
وتحت هذه الراية أبيد - الذين يأمرون بالقسط من الناس - في كل مكان في الأرض، وعادات الحاكم ويقاليده عرف ودين، ومخالفتها أخطر من مخالفة الدين نفسه.
يساق للسجن إن سب المليك وإن
…
سب الإله فكل الناس أحرار
(و) لم يكن حزب الله غافلا عن المؤمرة، وكان يراقب تحركات العدو، ومن
أجل ذلك أسرع فاسلم زمام المبادرة، ووصل جعفر ووفده، ولم ينتظر حتى تأتي الظروف المواتية لأنها قد لا تأتي، وقد تقع الكارثة، ما لم تتم المبادرة الواعية، ومن أجل ذلك، كان على الباب يستأذن. وبم يستأذن؟ حزب الله يستأذن عليك.
فقد لامس بحكمة ولباقة واعية، الجانب الديني في نفس النجاشي، وأراد مباشرة أن يكسر الطوق الذي أحكمه عمرو، في أن قريشا والنجاشي تحت راية واحدة. لقد حطم تلك الراية، ونفذ إلى أعماق النجاشي ليؤكد له أن جعفر ومن معه هم والنجاشي تحت راية واحدة، راية التوحيد، والوحي من الله، والكتاب المنزل من عنده، بينما تخرج قريش خارج هذه الحظيرة، وهم يعبدون الأوثان والأصنام ويقدسونها من دون الله.
(ز) ومن أجلها لم يتمالك النجاشي نفسه من الإذن بلا وعي، فهل يتأخر عن الإذن لحزب الله؟! ولانسجامه مع هذا النداء الذي لامس أوتار قلبه، طلب ثانية إعادة الاستئذان من الرجل الذي صرخ (حزب الله يستأذن عليك).
(ح) والمعركة على ضراوتها بين عمرو وجعفر، فاهتبل عمرو فرصة عدم سجود جعفر ووفده للملك، وقال مباشرة: ألم نبين لك خبر القوم؟
فقد صدق الواقع قولهم، حين لم يسجدوا للملك، وإذن فكل ما قالوه صحيح، بعد ثبوت جزء من قولهم، وصحته .. وصار
النجاشي في وضع محير، وإن كان لا يزال ألصق بقلبه لعمرو وعمارة.
فكانت الأسئلة، وكأنها تحديد الاتهامات المطروحة، بأسلوب لبق من النجاشي:
ما شأنكم؟ وما نبيكم الذي خرج؟ وأخبروني لم لا تحيوني كما يحييني من جاءني من أهل بلادكم؟ وأخبروني ماذا تقولون في عيسى بن مريم ..
(ط) وبدلا من أن يستسلم جعفر لهذا الهجوم، ويأخذ في الدفاع كان واعيا لكل ما يجري حوله، واستلم ثانية زمام المبادر، ونقل الاتهام إلى عمرو وقومه في كلمات موضحة محددة: إن مطالبة قريش بهم باطلة بشهادة سفير قريش نفسه.
ثلاث كلمات دون أن يضيع الوقت في غيرها .. أعبيد هم؟ هل أهرقوا دما بغير حقه؟ هل أخذوا أموال الناس بالباطل؟
وكان الجواب كله لصالح حزب الله، فما كان الجاهليون ليكذبوا في ذلك الوقت:(بل أحرار كرام .. ولا قطرة واحدة من دم .. ولا قيراط).
وذلك ليأمن ابتداء من سلامة الأرض التي يقف عليها، قبل الخوض في أمر الدين، فذلك له حديث آخر يأتي في موضعه.
(ي) وحين يعرف النجاشي أن القوم أحرار كرام، لم يزهقوا نفسا، ولم يأكلوا
مالا بشهادة أعدائهم أنفسهم، فسيكون سماعه بعدها لعرضهم يختلف عما لو لم تتضح الصورة الآنفة الذكر.
لقد هدم جعفر بناء ضخما أقامه عمرو، حين أكد نظافة حزب الله من كل لوثة بإقرار سفير قريش، وأوجد الجو المناسب للحديث عن العقيدة. فليس هدف جعفر فقط أن يحقق الأمان لحزب الله، ولو كان كذلك لانتهى الأمر عند هذا الحد ..
الهدف هو النجاشي نفسه، قلبه وعقله وعاطفته، أن يدعى إلى الله على بصيرة، وبغاية الحكمة والدقة .. دون أدنى ذرة من التفريط في دين الله، فربح النجاشي على حساب العقيدة هو خسارة لها في حقيقة الأمر، وليكن .. فسلامة الأسلوب وحسنه لا يعني التحريف في العقيدة ليرضى النجاشي، ويأمن القوم.
ونحدد الكلام أكثر، فليس الهدف النجاشي نفسه أن يحمي المؤمنين وينصرهم، بل الهدف أن ينضم النجاشي للدعوة الجديدة .. فما كان الأسلوب إذن انحرافا.
(ك) نعم .. هم لا يؤلهون عيسى بن مريم، لكنهم كذلك لا يخوضون في عرض مريم عليها السلام كما يخوض الأفاكون، بل عيسى بن مريم كلمته وروحه ألقاها إلى مريم البتول العذراء الطاهرة. وليس عند النجاشي زيادة عما قاله جعفر، ولا مقدار هذا العود.
(ل) نعم .. وهم لا يسجدون للنجاشي، فهم معاذ الله أن يعدلونه بالله، ولا
ينبغي السجود إلا لله.
(م) وانتهى الأمر بأن أعلن النجاشي صدق القوم، لكن يود أن يطمئن قلبه، فإذا كان هذا شأن الرسالة، فلا بد من سماع كلام مباشر لوحي الله تعالى. فروح الوحي الرباني يتضح لكل ذي عينين مبصر.
وتلا جعفر صدر سورة مريم .. فكان برد اليقين الذي نزل على قلب النجاشي .. فهؤلاء صديقون، وحواريون كحواي عيسى، وهو المؤمن الصادق الذي يتمنى أن يكون في خدمة رسول الله الذي يأتيه الناموس كناموس موسى، وهو يتقرب إلى الله بحمايتهم، ويؤكد بعدها لعمرو أنه لا يضيره تجارة قريش، ولا مال قريش ولا جاهها، ولو قطعت علاقتها معه، فهو حامي حمى حزب الله عز وجل. إن هذا العرض الحي، لأكبر نجاح حققته الدعوة في ذلك الوقت أن تضم إليها ملكا حاكما، لم يتم عرضا وبسهولة، لقد تم بحركة ووعي، وعبقرية في التخطيط والتنفيذ، وحول الكارثة المتوقعة الوشيكة إلى أكبر غنم ظفر به المؤمنون آنذاك حتى ذلك الحين.
ومن أجل هذا عندما تعرض النجاشي للخطر، قلق المسلمون، وعرفوا أن اسقرارهم مرتبط بمصيره، وبعثوا الزبير فتى القوم، ليشهد نتائج الثورة على النجاشي، فهم يسابقون الأحداث ويعيشونها .. فلم يشهدو غما حضرهم كالغم في ثورة القوم على النجاشي، ولم يشهدوا فرحة نزلت بهم كفرحهم بفوز النجاشي على خصومه ..
هذا وتشير بعض الروايات إلى جانب دقيق في هذا الموضوع، هو أن