الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من فقه الغزوة:
1 -
كان سبب الفتح كما تقدم هو نقض قريش لعهدها، وعونها لبكر بن وائل على الاعتداء على خزاعة حليفة رسول الله (ص)، وقد حرص الرسول عليه الصلاة والسلام على الوفاء بالعهد في أشد الظروف حراجة وصعوبة، وأعاد أبا بصير إلى قريش، وأعاد أبا جندل إلى قريش، فالغدر ليس من صفات النبيين وأتباعهم. لكن عندما ينقض العدو العهد، ويستبيح حمى النبي (ص)، ويعتدي على حلفائه، فلا مجال إلا للعقوبة الرادعة.
ولن ينتهي الباغي عن بغيه ويرتدع، ما لم يجد القوة المرهبة التي تكفه.
وحين يعرف أعداء الله أن الجماعة المسلمة لن تقبل بضيم، ولن تركن لاعتداء، يمكن أن يتوقفوا عن عدوانهم، وحين يعرف عامة الناس أن الجماعة المسلمة قادرة على حماية أبنائها وأصدقائها وحلفائها
(1) التوبة 12 - 15.
فسيكونون معها، ويفدونها بالمهح والأرواح.
لقد كانت استجابة رسول الله (ص) لنصرة بنى كعب، والرد على عدوان قريش من السرعة والحزم بحيث لا يقبل المناقشة والجدل، ((نصرت يا عمرو بن سالم، إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب)).
2 -
وجاء الأمر النبوي بالتهيؤ للغزو دون تحديد جهته في المراحل الأولى، حتى لتكتم عائشة رضوان الله عليها عن أبيها جهة الغزو، ثم كانت المرحلة الثانية أن أعلم رسول الله (ص) خاصته بذلك. وكانت التربية النبوية من السمو والعلو بحيث تكتم عائشة رضي الله عنها ابنة السادسة عشرة الأمر عن أبيها، كما صدرت الأوامر بذلك، (فدخل أبو بكر على عائشة فوجد عندها حنطة تنسف وتنفى. فقال لها: يا بنية! لم تصنعين هذا الطعام؟ فسكتت. فقال: أيريد رسول الله أن يغزو؟ فصمتت، فقال: يريد بني الأصفر - وهم الروم - فصمتت، قال: فلعله يريد أهل نجد؟ صمتت. قال: فلعله يريد قريشا؟ فصمتت ..) (1) وكانت الخطة النبوية كما دعا عليه الصلاة والسلام: ((اللهم خذ على أسماعهم وأبصارهم فلا يرونا إلا بغتة، ولا يسمعون بنا إلا فجأة)).
3 -
وشذ عن هذا الكتمان زلة حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه الذي كتب إلى قريش كتابا يخبرهم فيه بتحرك محمد نحوهم .. وعولج الأمر ابتداء
(1) البداية والنهاية لابن كثير 4/ 315.
بأخذ الكتاب، ثم كانت محاسبة حاطب، ولقد تدخل الوحي لتحقيق الرجاء النبوي، فأعلم محمدا (ص) بالأمر حتى أخذ الكتاب وحيل بينه وبين وصوله إلى قريش. وأكد حاطب عذره، بأن الذي دفعه لذلك، حرصه على ماله وولده، وليس كفرا أو ارتدادا أو شكا بنصر الله، فهو واثق من انتصار رسول الله (ص)، ولئن كان حضوره بدرا قد شفع له أن لا يعاقب، لكن الحكم في القضية لا بد أن يعمم لجميع المسلمين في كل عصر ومصر، فهو ضلال عن سبيل الله، ولو لم يكن يدفع له إلا الحفاظ على المال والولد:
4 -
واصطدام أبي سفيان بالصف الداخلي الإسلامي الملتحم أذهله وأفقده صوابه، ولقد توك لأبي سفيان حرية التحرك في داخل هذا الصف، حتى ليدخل على بيت رسول الله (ص) ويخلو بأم حبيبة رضي الله عنها زوج النبي (ص) وابنة أبي سفيان، دون أن يكون رقيب واحد على هذه الخلوة.
ترى كم عظمة ثقة النبي (ص) بزوجه وجنده وصفه؟؟ فهو لا
(1) الممتحنة 1
يرى داعيا، حتى لمراقبة هذا اللقاء، وكانت أم حبيبة محل ثقة رسول الله (ص) بل بلغ بها الأمر أن تطوي فراش رسول الله (ص) وتحول بينه وبين الجلوس عليه، لأن أباها مشرك نجس، ولا يمس فراش رسول الله (ص) إلا طاهر.
وكانت محاولات أبي سفيان المضنية ليس مع ابنته فقط، بل مع ابنة محمد (ص) فاطمة، وابنيها الحسن والحسين، وصهري رسول الله (ص) علي وعثمان، ووزيري رسول الله أبي بكر وعمر ..
لقد كان يلقى جوابا واحدا لا يتغير مع الصغير والكبير والذكر والأنثى (ما كنت لأفتات على رسول الله (ص) بأمر) وعاد مخفقا من مهمته أن يتمكن من تجديد العهد وزيادة المدة. وكما تجاهل عذر قريش، تجاهله عليه الصلاة والسلام ليحقق الهدف الذي يريد في غزو مكة دون علم أهل مكة، الذين غدروا بالعهد ونقضوه، ولعل الجدال مع أبي سفيان يثير انتباهه إلى احتمال الغزو.
وبرزت عظمة الصف الإسلامي الملتحم مرة ثانية، وأبو سفيان رهينة بيد المسلمين (فما كان عند صلاة الصبح وأذن المؤذن، تحرك الناس فظن (أبو سفيان) أنهم يريدونه. قال: يا عباس ما شأن الناس؟ قال: تحركوا للمنادي للصلاة، قال: فكل هؤلاء، إنما تحركوا لمنادي محمد (ص)؟ قال: نعم. فقام العباس للصلاة وقام معه. فلما (فرغوا قال: يا عباس: ما يصنع محمد شيئا إلا صنعوا مثله؟ قال: نعم، ولو أمرهم أن يتركوا الطعام والشراب حتى يموتوا جوعا لفعلوا.
وإني لأراهم سيهلكون قومك غدا) (1).
وهو الذي وصفهم بقوله: (جئتكم من عند قوم قلوبهم على قلب واحد، والله ما تركت منهم صغيرا ولا كبيرا ولا أنثى ولا ذكرا إلا كلمته، فلم أنجح منهم شيئا).
وبمثل هذا الصف تفتح الأرض كلها، لا مكة وحدها، وهذا الجيل وهذا الصف هو الذي حمل الراية بعد، وسار بالإسلام إلى أقصى الأرض مشرق ومغربا، فصبيه ووليده يدرك مهمته، فيقول الحسن والحسين، ابنا الأربع سنين: نقول ما قالت أمنا. وابنة قائد الشرك تطوي الفراش عن أبيها، فهل سمعت الدنيا بمثل هذا الجيل؟!
5 -
لا بد من الوقوف بأناة عند أبي سفيان الذي مر بمراحل حتى وصل إلى الإسلام.
فلقد غزي وهو في غزة عندما قابل هرقل، وقال له:(فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين. وقد كنت أعلم أنه خارج لم أكن أظنه منكم فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت عند قدميه) فكان جواب أبي سفيان وموقفه المعلن: (لقد أمر أمر ابن أبي كبشة إنه يخافه ملوك بني الأصفر)(2).
أما الجواب والموقف الخفي فكان: (فما زلت موقنا أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام (3).
(1) المغازي النبوية 88 وهي رواية عبد الرزاق بن معمر عن عثمان الجزري من مقسم مولى ابن عباس، ورجاله رجال الصحيح.
(2)
و (3) البخاري ك. 1 ب. 6 ج 1 ص 4.
لقد جاء أبو سفيان ابتداء ليواجه الموقف بعد قدومه من الشام، وهو مهزوم نفسيا، وهو يعرف يقينا أن أمر محمد سيظهر.
وكانت المرحلة الثانية: يوم فشل في مهمته وعجز أن ينفذ من ثغرة واحدة في الصف الداخلي المسلم يحول دون المواجهة، وعرف أن خصمه محمدا وحزبه على قلب رجل واحد: كناطح صخرة يوما ليوهنها
…
فأعيا وأوهى قرنه الوعل وأنهم قلعة حصينة يرتد عنها كل من أرادها بسوء.
وكانت المرحلة الثالثة: حين صار رهينة بيد المسلمين، وأصبح رهن إشارة النبي (ص) بقتله، وهم به عمر والمسلمون واستغاث بالعباس، فأجار العباس، ثم أتى في صبيحة اليوم الثاني ليمثل بين يدي رسول الله عليه الصلاة والسلام .. وكانت المفاجأة الصاعقة له بدل التوبيخ له والإذلال له وتهديده بالقتل أن يدعى إلى الإسلام.
لقد غدا خلقا آخر بهذا الموقف، فهو ليس أمام قائد خصم يريد إبادته وإبادة قومه، إنما هو أمام سيد أهل الأرض يدعوه إلى الإسلام، لقد اهتز كيانه كله في الدور الثالثة لتربيته، فلم يتمالك أن يقول: بأبي أنت وأمي يا محمد، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك. إنه يفدي أعدى العدو بأبيه وأمه، ويثني عليه الخير كله: ما أحلمك وأكرمك وأوصلك.
وكانت المرحلة الرابعة: أن يحبس حتى يرى جنود الله، كلها
بإمرة محمد (ص)، لقد كانوا قبل سنتين جميعا معه في الأحزاب، وها هم اليوم مع رسول الله (ص)، حتى رفيق دربه خالد بن الوليد هو اليوم قائد من قادة جيش محمد (ص). ولكن أكثر ما هاله وأفظعه كتيبة الأنصار.
(قال: من هؤلاء يا عباس الذين كأنهم حرة سوداء؟ قال: هذه الأنصار عندها الموت الأحمر. فقال أبو سفيان: سر يا عباس، فلم أر كاليوم صباح قوم في ديارهم)(1).
ولا غرابة بعد هذه المراحل الأربعة التي مر بها أن يمضي إلى مكة، لا ليجهز جيشا يواجه محمدا به، بل ليدعو قومه إلى الدخول إلى بيوتهم، إن كانوا حريصين عى حياتهم، ويسفه كل من يفكر بالمواجهة، وهو الذي أمضى عمره في حرب النبي صلوات الله وسلامه عليه:
(ثم انطلق فلما أشرف على مكة نادى - وكان شعار قرش - يا آل غالب: أسلموا تسلموا. فلقيته امرأته هند، فأخذت بلحيته، وقالت: يا آل غالب، اقتلوا الشيخ الأحمق، فإنه صبأ. فقال: والذي نفسي بيده لتسلمن أو ليضربن عنقك)(2).
أو قوله: (ويحكم لا تغرنكم هذه عن أنفسكم، فإنه قد جاءكم
(1) المغازي النبوية 89 بالسند السابق نفسه.
(2)
الطبقات الكبرى لابن سعد 8/ 172.
ما لا قبل لكم به، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن).
وصحيح أن أبا سفيان فرد بفخر من قومه أن اعتبرت داره من دون الدور جميعا مكان آمن، لكن الصحيح كذلك، أن تغدو الدار التي كانت تجهز الجيوش لحرب محمد (ص) دار الإسلام لمحمد عليه الصلاة والسلام.
وكانت هذه الدورات الأربع كفيلة بتغيير البناء النفسي لقائد جيش العدو أبي سفيان، والانتقال به من ظلمة الكفر إلى واحة الإسلام وكانت هي صمام الأمان في تحطيم أية مواجهة للجيش الإسلامي المظفر.
فهل يدرك الدعاة إلى الله مدى الجهد العنيف الدؤوب المخطط الذي بذل مع أعدى العدو حتى غدا الولي الحميم، والداعية إلى الله ورسوله في قومه؟؟؟
6 -
ومن القائد العام لقريش إلى قيادات الدرجة الثانية، التي انضمت تباعا إلى الإسلام، ولم تحتج إلى كل تلك المراحل التي مر بها أبو سفيان، فهي لا تملك العقد التي لديه، وكثيرها سارع إلى الانضمام للإسلام من أول هزة إيمانية اجتاحها، فعكرمة رضوان الله عليه، يغدو إنسانا آخر منذ أن قيل له وهو مقدم على ركب البحر (لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص، ما ينجيني في البر إلا غيره، اللهم لك علي عهدا إن عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمدا فأضع يده في يدي فلأجدنه عفوا
كريما فجاء فأسلم).
وذلك أبو سفيان بن الحارث شاعر مكة وقريش الذي سخر شعره لهجو المسلمين، ومعه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، الذي مثل أعتى صور الكفر المعاندة، يقدمان فيعلنان إسلامهما بدافع ذاتي عميق، ولم يتأخر من القيادات إلا صفوان بن أمية الذي كانت الهزة الوجدانية عنده من غنائم حنين:
(ما كان أحد على ظهر الأرض أبغض إلي من محمد، فما زال يعطيني من غنائم حنين حتى لم يعد أحد على ظهر الأرض أحب إلي من محمد).
وهند بن عتبة التي دعت إلى قتل زوجها، وألبت الجيش، وكتبت الكتاب ضد محمد (ص) .. تتعرض للهزة الوجدانية المطلوبة ويبهرها تكبير المسلمين وتهليلهم، فتقول: ما رأيت الله عبد حق عبادته إلا هذا اليوم.
ومضت لتكون على رأس المبايعات قائلة: (يا رسول الله، الحمد لله الذي أظهر الدين الذي اختاره لنفسه، لتنفعني رحمك، يا محمد إني امرأة مؤمنة بالله مصدقة برسوله ثم كشفت عن نقابها وقالت: أنا هند بنت عتبة. فقال رسول الله (ص): ((مرحبا بك)) فقالت: والله ما كان على الأرض أهل خباء أحب إلي من أن يذلوا من خبائك، ولقد أصبحت وما على ظهر الأرض أهل خباء أحب إلي من أن يعزوا من أهل خبائك. فقال رسول الله (ص)((وزيادة)) (1).
(1) البخاري ك. 64 ب. 51 ج 5 ص 191.
7 -
وإذا كانت كل غزوة تمثل مرحلة من مراحل الدعوة، فلقد كان فتح مكة إيذانا بدخول الناس أفواجا في دين الله (وكانت العرب تلوم بإسلامهم الفتح، فيقولون: اتركوه وقومه، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فلما كانت وقعة أهل الفتح، بادر كل قوم بإسلامهم)(1).
وإذا كانت الحديبية هي الفتح المبين الذي رفع عدد المسلمين من ألف وخمسمائة إلى عشرة آلاف يوم فتح مكة، فإن الفتح نفسه، قد رفع العدد إلى مائة ألف وزيادة يوم الحج الأكبر في حجة الوداع.
وكان فقه ابن عباس رضي الله عنهما للسورة الكريمة، إيذانا بأجل رسول الله (ص) حيث حقق موعود الله تعالى في الأرض، وسقطت الأصنام الثلاثمائة والستون المنتصبة في الكعبة، وأخرجت الأزلام وكسر هبل، وارتفعت راية التوحيد، وسقطت معظم المعسكرات المعادية للإسلام في الأرض، بعد النصر الذي تم على اليهودية في خيبر، والنصرانية في مؤتة، والمشركين في الفتح. يقول ابن عباس رضي الله عنهما:(.. قلت هو أجل رسول الله (ص) أعلمه الله له {إذا جاء نصر الله والفتح} ، فتح مكة، فذلك علامة أجلك {فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا} ، قال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم) (2).
8 -
والطلقاء الذين عفا عنهم رسول الله (ص)، وهم مسلمة الفتح، مثلوا
(1) البخاري ك. 64 ب. 51 ج 5 ص 191.
(2)
المصدر نفسه 190.
تصفية آخر الجيوب الوثنية في مكة: ((يا معشر قريش: ما ترون أني فاعل بكم؟) قالوا: خير، أخ كريم وابن أخ كريم. قال:((اذهبوا فأنتم الطلقاء)) وأعلن في سماء مكة لأول مرة دون منازع: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده ..)) (1).
وانقلب الثأر لخزاعة المنكوبة إلى فتح جلجلت به الآفاق، ورفرفت راية التوحيد على ربوع مكة التي حاربت الدعوة عشرين عاما أو تزيد.
…
(1) السيرة النبوية لابن هشام 412/ 2.