الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أنه أثَّر فيه عليه السلام ليس فيما يتعلق فقط في بشريته وإنما أيضًا فيما يتعلق بنبوته ورسالة بقول: حاش ليس في هذا الحديث ما يدل على ذلك كل ما في الحديث إنما هو في رواية أنه سُحر حتى كان يظن أنه يأتي الشيء ولا يأتيه فتشبث بهذه الرواية بعض ذوي الأهواء الذين يحلو لهم الخروج عن جماعة المسلمين بأشياء يتوهمون أنهم يظهرون أمام الناس بأنهم من المتحققين وأنهم سبقوا الناس أجمعين إلى فكرة ما خطرت لهم في بال فيقولون هذا ينافي عصمته صلى الله عليه وسلم من ناحية التبليغ ويبنون على ذلك كما يقال علالية وقصورًا.
فنقول: ليس في هذه الجملة المتعلقة بهذا الحديث يأتي الشيء ولا يأتيه لأن المقصود به أن النبي صلى الله عليه وسلم أثَّر فيه السحر في بدنه بحيث كان يريد أن يأتي زوجته كما يأتي الرجل أهله فلا يجد فيه قوة هذا يسمى في بعض البلاد العربية مربوط يعني انحصرت قوة الرسول صلى الله عليه وسلم وهو بلا شك كان أقوى الرجال والدليل على ذلك: أولًا: مصارعته ركانة بن يزيد في المرة الأولى والثانية والثالثة ما جاء في صحيح البخاري بهذه المناسبة عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: "كنا نتحدث بأن النبي صلى الله عليه وسلم أُوتي قوة ثلاثين رجلًا".
هذا المصطفى القوي أثَّر فيه السحر فكان يريد أن يأتي أهله فهو مربوط لا يستطيع أن يأتي أهله. هذا كل ما وقع للرسول صلى الله عليه وسلم فهو تأثير بدني وليس تأثيرًا عقليًا بحيث أنه يتصور الشيء على غير حقيقته.
الوجه الخامس: الرد على قولهم أن حديث السحر يقدح في مقام النبوة
.
فقد أجاب عنها العلماء وبينوا زيفها وبطلانها:
أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث وزعموا أنه يحط من منصب النبوة ويشكك فيها قالوا: كل ما أدي إلى ذلك فهو باطل، وزعموا أن تجويز ذلك يعدم الثقة بما شرعوه من الشرائع إذا يحتمل هذا أنه يخيل إليه أنه يرى جبريل وليس هو ثمّ، وأنه يوحى إليه بشيء ولم يوحى إليه بشيء وهذا كله مردود بالدليل.
والجواب على ذلك كما يلي:
قد قام على صدق النبي صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن الله تعالى وعلى عصمته في التبليغ والمعجزات شاهدات بتصديقه، فتجويز ما قام الدليل بخلافه باطل. فأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث لأجلها، ولا كانت الرسالة من أجلها، فهو في ذلك عرضة لما يتعرض البشر إليه فغير بعيد أن يخيل إليه من أمور الدنيا ما لا حقيقة له مع عصمته عن مثل ذلك في أمور الدين.
وقد قال بعض الناس إن المراد بالحديث أنه صلى الله عليه وسلم يتخيل إليه أنه وطئ زوجاته ولم يكن يطأهن وهذا كثيرًا ما يقع تخيله للإنسان في المنام، فلا يبعد أن يخيل إليه في اليقظة.
قلت: وهذا قد ورد صريحًا في رواية ابن عيينة ولفظه (حتى كان يرى أنه أتى النساء ولا يأتيهن) وفي رواية الحميدي (أنه يأتي أهله ولا يأتيهن) وقيل: أنه يخيل إليه أنه فعله وما فعله ولكن لا يعتقد صحة ما تخيله فتكون اعتقاداته على السداد. (1)
فأما المتحقق من معنى الحديث كما قدمنا في المقام الأول فليس فيه ما يصح أن يعبر عنه بقولك: (خولط في عقله) وإنما ذاك خاطر عابر، لو فرض أنه بلغ الظن فهو في أمر خاص من أمور الدنيا لم يتعده إلى سائر أمور الدنيا فضلًا عن أمور الدين، ولا يلزم من حدوثه في ذاك الأمر جوازه في ما يتعلق بالتبليغ بل سبيله سبيل ظنه أن النخل لا يحتاج إلى التأبير، وظنه بعد أن صلى ركعتين أنه صلى أربعًا وغير ذلك من قضايا السهو في الصلاة.
وفي القرآن ذكر غضب موسى على أخيه هارون وأخذ برأسه لظنه أنه قصر مع أنه لم يقصر،
وفيه قول يعقوب لبنيه لما ذكروا له ما جرى لابنه الثاني {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا} يتهمهم.
بتدبير مكيدة مع أنهم حينئذ أبرياء صادقين. وقد يكون من هذا بض كلمات موسى للخضر. (2)
وصون النبي صلى الله عليه وسلم من الشياطين لا يمنع إرادتهم كيده فقد مضى في الصحيح أن شيطانًا أراد أن يفسد عليه صلاته فأمكنه الله منه فكذلك السحر ما ناله من ضرره ما يدخل نقصًا
(1) صحيح مسلم بشرح النووي (7/ 431).
(2)
الأنوار الكاشفة (صـ 249).
على ما يتعلق بالتبليغ، بل هو من جنس ما كان يناله من ضرر سائر الأمراض من ضعف عن الكلام أو العجز عن بعض الفعل أو حدوث تخيل لا يستمر بل يزول ويبطل الله كيد الشياطين.
والسحر مرض من الأمراض وعارض من العلل يجوز عليه صلى الله عليه وسلم كأنواع الأمراض مما لا ينكر ولا يقدح في نبوته وأما كونه يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله فليس في هذا ما يدخل عليه داخلة في شيء من صدقه لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا وإنما هذا فيما يجوز طروه عليه في أمر دنياه التي لم يبعث لسببها ولا فضل من أجلها وهو فيها عرضة للآفات كسائر البشر فغير بعيد أنه يخيل إليه من أمورها ما لا حقيقة له ثم ينجلي عنه كما كان. (1)
والمرض الذي لا نقص فيه في الدنيا يقع للأنبياء ويزيد في درجاتهم في الآخرة عليهم الصلاة والسلام وحينئذ فإذا خيل له بسبب مرض السحر أنه يفعل شيئًا من أمور الدنيا وهو لم يفعله ثم زال ذلك عنه بالكلية بسبب اطلاع الله تعالى له على مكان السحر وإخراجه إياه من محله ودفنه فلا نقص يلتحق الرسالة من هذا كله لأنه كسائر الأمراض، لا تسلط له على عقله بل هو خاص بظاهر جسده كبصره حيث صار يخيل إليه تارة فعل الشيء من ملامسة بعض أزواجه وهو لم يفعله وهذا في زمن المرض لا يضر. (2)
وليس هذا مما يجتر الناس به إلى أنفسهم نفعًا ولا يصرفون عنها ضرًا ولا يكسبون به رسول الله صلى الله عليه وسلم ثناء ومدحًا ولا حملة هذا الحديث كذابين ولا متهمين ولا معادين لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وما ينكر أن يكون لبيد بن الأعصم هذا اليهودي سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قتلت اليهود قبله زكريا بن آذن في جوف شجرة قطعته قطعًا بالمناشير.
وذكر وهب بن منبه أو غيره أنه صلى الله عليه وسلم لما وصل المنشار إلى أضلاعه أن فأوحى الله تعالى إليه إما أن تكف عن أنينك، وإما أن أهلك الأرض ومن عليها وقتلت بعده ابنه يحيى
(1) زاد المعاد (جـ 4 صـ 124).
(2)
زاد المسلم (4/ 22).
بقول بغي واحتيالها في ذلك. ولو لم يقل الله تعالى: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} لم نعلم نحن أن ذلك شبهه لأن اليهود أعداؤه وهم يدعون ذلك والنصارى أولياؤه وهم يقرون لهم به وقتلت الأنبياء وطبختهم وعذبتهم أنواع العذاب ولو شاء الله جل وعز لعصمهم منهم وقد سم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذراع شاة مشوية سمته يهودية فلم يزل السم يعاده حتى مات وقال صلى الله عليه وسلم: ما زالت أكلة خيبر تعادني فهذا أوان انقطاع أبهري فجعل الله تعالى لليهودية عليه السبيل حتى قتلته ومن قبل ذلك ما جعل الله لهم السبيل على النبيين والسحر أيسر خطبًا من القتل والطبخ والتعذيب. (1)
وقد ثبت في "الصحيحين" عن عائشة رضي الله عنه أنها قالت: سُحِرَ صلى الله عليه وسلم حتى إن كان ليخيل إليه أنه يأتي نساءه ولم يأتهن". (2)
فالعجب ممن يظن هذا الذي وقع من المرض بسبب السحر لرسول الله صلى الله عليه وسلم قادحًا في رسالته مع ما هو صريح في القرآن في قصة موسى مع سحرة فرعون حيث صار يخيل إليه من سحرهم أن عصيهم تسعى فثبته الله كما دل عليه قوله تعالى {قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (68) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (69) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى} [طه: 68 - 70].
ولم يقل أحد من أهل العلم ولا من أهل الذكاء أن ما خيل لموسى عليه السلام أولًا من سعى عصى السحرة قادح في رسالته بل وقوع مثل هذا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام يزيد قوة الإيمان بهم لكون الله تعالى ينصرهم على أعدائهم ويخرق لهم العادة بالمعجزات الباهرة ويخذل السحرة والكفرة ويجعل العاقبة للمتقين كما هو مبين في آيات الكتاب المبين. (3)
(1) انظر تأويل مختلف الحديث (1/ 179 - 182).
(2)
زاد المعاد (4/ 124).
(3)
زاد المسلم (4/ 22).