الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أنه تعالى جعل الاقتداء والمتابعة لرسوله صلى الله عليه وسلم لازمة من محبته عز وجل الواجبة، ولازمة للهداية والفلاح في الدنيا والآخرة، وما تلك الملازمة وسابقتها إلا شهادة من رب العزة لرسوله صلى الله عليه وسلم على عصمته من الصغائر في كل أقواله وأفعاله.
أما السنة العطرة:
وهي تنضح وتشهد بعصمة النبي صلى الله عليه وسلم من الصغائر في أحواله كلها حيث لم يعلم عنه الوقوع في صغيرة ولا الدنو من شيء منها.
فقول النبي صلى الله عليه وسلم: "نضر الله امرءًا سمع منا حديثًا، فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه"(1)، فلو رأى الصحابة رضي الله عنهم أو سمعوا منه شيئًا مما أجازه عليه بعض أهل العلم من قربه الصغائر - وحاشاه من ذلك - لما فاتهم نقل ذلك منه ضمن ما نقلوه من أقواله، وأفعاله، وتقريراته، وصفاته.
ولا يكون لأقواله وأفعاله ذلك الوصف التشريعي إلا بالقول بوجوب العصمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصغائر خلافًا عن لمن أجازها من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين تمسكًا بظواهر القرآن وبعض الأحاديث الصحاح التي تدل على عصمته من الصغائر.
واما إجماع الأمة على عصمته صلى الله عليه وسلم من الصغائر:
حكى القاضي عياض اتفاق السلف وإجماعهم على أنه لا يصدر عنه صلى الله عليه وسلم خبر بخلاف إخباره عنه فقال: أما ما ليس سبيله سبيل البلاغ من الأخبار التي لا مستند لها إلى الأحكام، ولا أخبار المعاد، ولا تضاف إلى وحي، بل في أمور الدنيا، وأحوال نفسه
(1) صحيح. عن (عبد الله بن مسعود) أخرجه أحمد (1/ 437)، وابن ماجة (232)، والترمذي (2657)، وأبو يعلى (5296، 5126)، وابن حبان (68، 66)، وعن (أنس بن مالك) أخرجه ابن ماجة (1236)، ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (1/ 42)، وعن (جبير بن مطعم) أخرجه ابن ماجة (231)، الدارمي (1/ 74)، الطحاوي في مشكل الآثار (2/ 232)، أبو يعلى (7413)، الخطيب في شرف أصحاب الحديث (25)، الطبراني في الكبير (1541)، الحاكم (1/ 87)، وعن (زيد بن ثابت) أخرجه أبو داود (1/ 76، 75)، وعن (أبي سعيد الخدري) أخرجه البزار (141)، الرامهرمزي في الحدث الفاصل (5)، أبو نعيم في الحلية (5/ 105)، وعن (النعمان بن بشير) أخرجه الحاكم (1/ 88)، وعن (عمير بن قتادة) أخرجه الطبراني في الكبير (17/ 106).
الشريفة؛ فالذي يجب اعتقاده تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يقع خبره في شيء من ذلك بخلاف مخبره لا عمدًا، ولا سهوًا، ولا غلطًا، وأنه معصوم من ذلك في حال رضاه، وحال سخطه، وجده ومزحه، وصحته ومرضه، ودليل ذلك اتفاق السلف وإجماعهم عليه، وذلك أَنَّا نعلم من دين الصحابة وعادتهم مبادرتهم إلى تصديق جميع أحواله، والثقة بجميع أخباره في أي باب كانت، وعن أي شيء وقعت، وأنه لم يكن لهم توقف ولا تردد في شيء منها ولا استثبات عن حاله عند ذلك هل وقع فيها سهو أم لا (1).
واستدل على ذلك بما جرى لسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع ابن أبي الحقيق اليهودي حين أجلاهم من خيبر حيث احتج عليه عمر رضي الله عنه بقوله صلى الله عليه وسلم: "كيف بك إذا أخرجت من خيبر تعدو بك قلوصك ليلة بعد ليلة؟ ! (2)، فقال اليهودي: كانت هزيلة من أبي القاسم صلى الله عليه وسلم فقال له عمر: كذبت يا عدو الله! فأجلاهم عمر وأعطاهم قيمة ما كان لهم من الثمر مالا وإبلا وعروضا من أقتاب وحبال وغير ذلك (3).
قال القاضي عياض: وأيضًا فإن أخباره وآثاره وسيره وشمائله معتنى بها مستقصى تفاصيلها، ولم يرد في شيء منها استدراكه صلى الله عليه وسلم لغلط في قول قاله، أو اعترافه بوهم في شيء أخبر به.
قال: ولو كان ذلك لنقل كما نقل من قصته في رجوعه صلى الله عليه وسلم عما أشار به على الأنصار في تلقيح النخل (4)، وكان ذلك رأيًا لا خبرًا (يعني يدخله الصدق والكذب) إلى أن قال: فلنقطع عن يقين بأنه لا يجوز على الأنبياء خلف في قول أو فعل في وجه من الوجوه لا بقصد، ولا بغير قصد، ولا تسامح في تجويز ذلك عليهم حال السهو مما ليس طريقه البلاغ (5).
وقد كانت جميع أقواله وأفعاله المتعلقة بأمور الدنيا، وأحوال نفسه الشريفة تشريعًا
(1) الشفا للقاضي عياض (151).
(2)
البخاري (2730).
(3)
رد شبهات حول عصمة النبي صلى الله عليه وسلم في ضوء السنة النبوية الشريفة د. عماد السيد الشربيني (40).
(4)
مسلم (2362).
(5)
الشفا (153، 152) بتصرف.
تقتضي المتابعة والاقتداء، وعلى ذلك سلفنا الصالح من الإيمان بعصمته في أحواله كلها، ولهذا كانوا يسارعون إلى التأسي به.
والأمثلة على ذلك كثيرة ومعلومة منها ما يلي:
1 -
حرصهم على مضاهاته صلى الله عليه وسلم في العبادة، كما في قصة وصاله صلى الله عليه وسلم ورغبة بعض الصحابة الوصال نحوه، على ما بين وصاله ووصالهم من الفرق، حيث إنه إذا واصل يطعمه ربه ويسقيه بخلافهم، ومع ذلك فحرصوا على التأسي به فيه.
فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال رحمة لهم فقالوا: إنك تواصل، فقال صلى الله عليه وسلم:"إني لست كهيئتكم، إني يطعمني ربي ويسقيني"(1).
2 -
ومنها قصة اتخاذه صلى الله عليه وسلم خاتمًا من ذهب حيث اتخذ الناس خواتيم كذلك، فطرحه النبي صلى الله عليه وسلم فطرح الناس خواتيمهم.
فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتمًا من ذهب، فاتخذ الناس خواتيم من ذهب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم إني اتخذت خاتمًا من ذهب، فنبذه، وقال: إني لن ألبسه أبدًا فنبذ الناس خواتيمهم (2).
3 -
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم القوا نعالهم، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته، قال: ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا، فقال: إن جبريل عليه السلام أتاني فأخبرني أن فيهما قذرًا، وقال: إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر: فإن رأى في نعليه قذرًا أو أذى فليمسحه وليصل فيهما"(3).
(1) البخاري (1964)، مسلم (1105).
(2)
البخاري مع الفتح (7298)، مسلم (2091).
(3)
أخرجه أبو داود (651، 650)، والدارمي (1378)، وأحمد (3/ 20)، وابن خزيمة (1071)، والحاكم في المستدرك 1/ 293 وقال: صحيح على شرط مسلم.
ويلاحظ هنا في الحديث مسارعة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى متابعته في خلع نعليه، وهو فعل من أفعال العادة، وفي ذلك أقوى دليل على فهمهم واعتقادهم بعصمة النبي صلى الله عليه وسلم من الصغائر حتى في أفعاله الجبلية.
4 -
ولقد كان من كمال تأسي الصحابة رضي الله عنهم برسول الله صلى الله عليه وسلم واعتقادهم بعصمته من الصغائر في كل أحواله شدة حرصهم على تأسيهم به حتى في أمور بيته، وذلك كاختلافهم في جواز القبلة للصائم (1)، وفي طلوع الفجر على الجنب وهو صائم (2)، فسألوا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فأخبرتهم أن ذلك وقع من النبي صلى الله عليه وسلم فرجعوا إلى ذلك وعلموا أنه لا حرج على فاعله لعصمته.
5 -
وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال لست تاركا شيئًا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل به إلا عملت به فإني أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ. (3)
6 -
ولما وقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمام الحجر الأسود يقبله خاطبه بقوله: لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك (4).
7 -
ولقد بلغ من كمال امتثال عمر رضي الله عنه لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يتأسى به حتى في حركاته وسكناته العادية التي هي من أفعال الجبلة، حيث كان يتبع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل مكان حتى أنه كان يأتي شجرة بين مكة والمدينة فيقيل تحتها ويخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك (5).
وكل الذي سقناه إن دل فإنما يدل على عصمته صلى الله عليه وسلم من الصغائر، ومن ثَمّ، فإن العصمة
(1) البخاري مع الفتح (1927)، مسلم (1106).
(2)
البخاري مع الفتح (1926، 1925)، مسلم (1109).
(3)
البخاري مع الفتح (3093).
(4)
البخاري مع الفتح (1610)، مسلم (1270).
(5)
البخاري مع الفتح (1611).