الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القسم بحر لا يدرك قعره، وقد اعتنى بذكرها عدد كبير من العلماء، كالبيهقى في (دلائل النبوة) وابن كثير في (البداية والنهاية) نذكر من ذلك مثالًا:
عن عوف بن مالك قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم فقال: "اعدد ستًا بين يدي الساعة، موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم ثم استفاضة المال، حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطًا، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر، فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية تحت كل غاية اثنا عشر ألفًا". (1)
الوجه الرابع: المعجزات في الكتاب المقدس
.
نريد أن نعرف هل يعبد الناس المسيح عليه السلام لإتيانه بالمعجزات؟ كإحياء الموتى وشفاء المرضى؟ وحتى نؤمن أولًا بهذه المعجزات لزم ثبوتها بطريقة معتبرة: وهي لا تخرج عن أمور معلومة لا يرقى إليها الشك، وكل ما دونها فهو ظن وتخبط، ولا يغني من الحق شيئًا، فلو قلنا مثلًا أن إثبات هذه المعجزات ونسبتها للمسيح عليه السلام يستلزم عدة أمور يثبت عن طريقها، وإلا فهي منتفية لا أساس لها فمنها:
أولًا: مثلًا هو بقاء المعجزة حاضرة لكل من يطالعها فلا يستطيع إنكارها؛ كأن يكون صرحًا أو بناءً باقيًا لا يستطيع الناس الإتيان بمثله؛ ومشهود أن المسيح عليه السلام هو من بناه، وهذا ممتنع باتفاق، كل الناس إذ أن المسيح عليه السلام لم تكن معجزته في المعمار ولكن معجزته في إحياء الموتى، وشفاء المرضى، فلزم بقاء أحد هؤلاء المرضى الذين شفاهم المسيح عليه السلام أو أحد الموتى الذين أحياهم يسوع؛ حتى يخبرنا عن هذا وهذا أيضًا ممتنع باتفاق جميع الناس، فلا طريق لإثبات معجزاته بالبقاء والخلود كما هو القرآن الكريم مثلًا، وهو معجزة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، فهي معجزة باقية أمام الناس إلى أن يشاء الله.
(1) رواه البخاري (3005)، قال الحافظ ابن حجر (6/ 381): قعاص الغنم هو داء يأخذ الدواب فيسيل من أنوفها شيء فتموت فجأة.
ثانيًا: فما بقى لزوم إثبات المعجزة بالتواتر على لسان الجمع من الناس الثقات بسند متصل معتبر غير مجروح (أي أن يكون الرواة ثقات عدول، مشهود لهم بحسن الدين والحفظ، وعدم التوهم أو الكذب في كل الطبقات)، وهذا كما تعلم وكما أثبتنا في الباب الأول باب التحريف أشد امتناعا من سابقه (أي أولًا) فهو ممتنع باعتراف علماء الكتاب المقدس، فلا سند متصل عندهم لكتابهم كله، ولا حتى لجزء أو سفر أو إصحاح من إصحاحاته، وهذا من أشد الطعونات في دين النصارى واليهود، وقد اعترفوا قاطبة (أي اليهود والنصارى) أنه لا سند متصل لهذه الكتب الموجودة بين أيديهم كما للقرآن مثلًا، أو حتى للأحاديث النبوية الشريفة، وهذا لأسباب كثيرة منها السبي الذي وقع على اليهود، ومنها استمرار تمردهم، وارتدادهم وكفرهم مرة بعد مرة، مما تسبب في ضياع الكتب وتحريفها، ومنها العشرة بلايا والمصائب التي مرت بهم في القرون الميلادية الثلاثة الأولى، مما تسبب في ضياع أي سند لكتبهم جمعاء، ومنها فقدان كتب بكاملها، ومنها الاعتقاد السائد حينذاك، والذي أعتقد أنه مستمر إلى الآن (فهم لا يغيرون عادتهم) أن الكذب من أجل تمجيد الله ليس شيئًا جيدًا فحسب، ولكنه مستحب عند الله، وغير هذا من الأسباب الكثيرة، وإن ركنا إلى الأناجيل لإثبات هذا؛ فإنه لا يثبت أبدًا للتناقض الوارد في كل معجزة فعلها من رواة الأناجيل وغيره كما مر سابقًا، فبهذه أيضًا لا يمكن إثبات معجزات المسيح عليه السلام.
إذًا فهذه المعجزات لا يمكن ثبات نسبتها إلى المسيح أبدًا لا ببقائها؛ حتى تُعجز الخلق ويؤمنوا أنه فعلها ولا بالتواتر كما بينا فيؤمن الناس أن المسيح فعلها فهي في حكم المنتفية عن الحدوث أساسًا، كما هو واضح ولو وافقنا النصارى بغض النظر عن ثبوت وقوع هذه المعجزات (جدلًا) وطلبنا منهم أن يأتوا بمعجزة واحدة فعلها يسوع في كتابهم يتوفر فيها شرطان كما يلي:
الشرط الأول: معجزة فعلها يسوع ونسبها لنفسه وأَقَرَّ أنه فعل تلك المعجزة بقدرته الذاتيه، وأنه لم يعينه غيره على فعلها ولم يطلب عون غيره فيها.
الشرط الثاني: معجزة واحدة فعلها يسوع لم يفعلها غيره من البشر على الإطلاق، فهم عاجزون تمامًا عن الإتيان بذلك، ولو سلمنا لهم أيضًا أن هذا حدث (جدلًا) ومن باب الإلزام للنصارى، لكننا لا نؤمن بأنه عليه السلام قد فعل أي معجزة ونسبها لقدرته حاشاه، لو سلمنا ذلك لوجب على النصارى أن يؤمنوا أن إليشع إله أو موسى إله أو هارون أو إيليا أو غيره من البشر الذين فعلوا معجزات أعظم من معجزات المسيح كما بينا من قبل، ومع أنهم لا يستطيعون أن يُثبتوا لا معجزات المسيح، ولا معجزات من سبقه من الرسل قطعًا، ولكنه مُلزم لهم، لأنه وارد في كتابهم.
ثم إنك لو تدبرت في كتب القوم لوجدت ما ينفي قطعًا أن يكون المسيح قد أقام موتى أو أحياهم بعد الموت، وأن أبلغ معجزاته كانت شفاء بعض المرضى؛ وحتى التناقض في هذه الروايات ينفي ذلك؛ وهذا لأن المسيح بإعتراف كتبهم هو باكورة القائمين من الموت، نعم، إن كتبهم تسجل معجزة إحياء الموتى لسابقين عن المسيح من الأنبياء، ولكن هذا الكلام ينفيه كلام آخر في كتابهم، فمعجزة إحياء الموتى على زعمهم حصلت في ثلاث مرات كما يلي:
الأول: طليثا ابنة رئيس المجمع والأغلب أنها كانت نائمة وليست ميتة باعتراف الإنجيل والمسيح نفسه، وهذا وارد في إنجيل مرقس 5 عدد 42، وفي لوقا 8 عدد 55.
الثاني: ابن المرأة التي من بلدة نايين، والذي انفرد بنقل تلك القصة وحده هو لوقا ولم ينقلها غيره من أصحاب الأناجيل وهو وارد في لوقا 7 عدد 11 - 17. وفي هذه القصة مطاعن كثيرة.
الثالث: هو أليعازر أو لعازار، وهذه القصة انفرد يوحنا فقط بنقلها ولم ينقلها غيره من أصحاب الأناجيل، وهي واردة في إنجيل يوحنا 11 عدد 1 - 44، وفيها اعتراف صريح من المسيح بعبوديته لله وأن هذه المعجزة تمت بدعاء عيسى لله وليس فيها أي قدرة من عيسى عليه السلام.
إذًا في الأولى: باعتراف المسيح كانت نائمة وليست ميتة، كما قال المسيح نفسه وأكتفي بنقل قوله فقط في هذا الأمر من إنجيل مرقس 5 عدد 39 و 41 هكذا: فدخل وقال لهم لماذا تضجون وتبكون، لم تمت الصبية لكنها نائمة .... ، وامسك بيد الصبية، وقال لها طليثا قومي- الذي
تفسيره يا صبية لك أقول قومي- والثانية: انفرد بها لوقا وحده، وقلت سابقًا إن فيها الكثير من المطاعن منها أنه لم ينقلها غيره من الإنجيليين مع قول لوقا في الفقرة 17 هكذا: وخرج هذا الخبر عنه في كل اليهودية وفي جميع الكورة المحيطة) فكيف أمكن أن الخبر خرج عنه في كل البلاد، حتى أنه وصل يوحنا في سجنه، ولم يصل إلى باقي التلاميذ، حتى ينقلوه في أناجيلهم وهو ليس بالأمر البسيط؟ وقد ذكروا ركوب ربهم الحمار، وأمور أقل من أن تذكر ونسوا قصة عظيمة وهي إحياء ميت وهو في النعش فعجبًا لذلك الأمر.
والثالثة: هي قصة إحياء ألعازار وقد انفرد بها يوحنا وحده في إنجيله كما أشرت سابقًا، وكسابق الأمر في إنجيل لوقا، كيف انفرد بها يوحنا وحده، ولم ينقلها غيره من التلاميذ مع أنها من أعظم المعجزات، هذا غير اعتراف المسيح أنها بقدرة الله وحده، وتضرع المسيح لله سبحانه وتعالى حتى يستجيب دعائه لإحياء لعازر، فينفي عن نفسه تلك القدرة بل ينسبها لله وحده.
وبغض النظر عن كل هذا أقول إن هذا من المستحيل أن يكون لو اعتبرنا كلام بولس وغيره في الكتاب صحيحًا فقد جاء في سفر أعمال الرسل الإصحاح 26 عدد 23 هكذا: إن يؤلم المسيح يكن هو أول قيامة الاموات مزمعًا أن ينادي بنور للشعب وللأمم.
وفي الرسالة الأولى إلى أهل كورونثوس 15 عدد 20 - 23 هكذا: وَلكِنِ الآنَ قَدْ قَامَ المسِيحُ مِنَ الأَمْوَاتِ وَصَارَ بَاكُورَةَ الرَّاقِدِينَ. 21 فَإِنَّهُ إِذِ الموْتُ بِإِنْسَانٍ، بِإِنْسَانٍ أَيْضًا قِيَامَة الأَمْوَاتِ. 22 لأَنّهُ كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ الجْمِيعُ، هكَذَا فِي ائسِيحِ سَيُحْيَا الجْمِيعُ. 23 وَلكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ فِي رُتْبَتِهِ: المسِيحُ بَاكُورَةٌ، ثُمَّ الَّذِينَ لِلْمَسِيحِ فِي مجَيئهِ.
وفي الرسالة إلى كولوسي 1 عدد 18 هكذا: وَهُوَ رَأْسُ الجسَدِ: الْكَنِيسَةِ. الَّذِي هُوَ الْبَدَاءَةُ، بِكْرٌ مِنَ الأَمْوَاتِ، لِكَيْ يَكُونَ هُوَ مُتَقَدِّمًا فِي كُلِّ شَيْءٍ.
وفي رؤيا يوحنا 1 عدد 5 هكذا: وَمنْ يَسُوعَ المسِيحِ الشَّاهِدِ الأَمِينِ، الْبِكْرِ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَرَئِيسِ مُلُوكِ الأَرْضِ. الَّذِي أَحَبَّنَا، وَقَدْ غَسَّلَنَا مِنْ خَطَايَانَا بِدَمِهِ.
فيفهم من كل هذه الفقرات السابقة أن المسيح هو أول قيامة الأموات، وأنه صار باكورة الراقدين:(أي أول من يقوم من الموت)، وهو بكر من الأموات وهو الباكورة وأنه ..... الخ، باختصار أن المسيح هو أول قائم من الموت كما يقولون، فكيف يكون هناك من قام قبله من الموت؟ لو كان هناك من عاد من الموت غيره لما سمي المسيح؛ بأنه بكر من الأموات، وباكورة الراقدين وخلافه من الأقوال التي يفهم منها: أن المسيح هو أول عائد من الموت، أو أول من يقوم من الموت؟
ثم أننا لو راجعنا كلام العهد القديم لوجدنا: أنه من المستحيل أن يكون هناك من قام من الموت -أعني غير المسيح على حسب زعمهم- ففي سفر أيوب 7 عدد 9 - 10 هكذا: السحاب يضمحل ويزول، هكذا الذي ينزل إلى الهاوية لا يصعد، لا يرجع بعد إلى بيته، ولا يعرفه مكانه بعد.
وفي سفر أيوب أيضًا 14 عدد 12 و 14 هكذا: والإنسان يضطجع ولا يقوم، لا يستيقظون حتى لا تبقى السماوات ولا ينتبهون من نومهم
…
، أن مات رجل أفيحيا. كل أيام جهادي أصبر إلى أن يأتي بدلي.
فيفهم من هذا قطعًا أنه من المستحيل أن يعود من مات بعد موته بحسب كلام كتابهم، ويفهم أيضًا من هذه الأقوال أن المسيح لم يحيي أي ميت، وإلا كان مخالفًا لهذا الكلام كله، وبحسب كلام أيوب قصة إحياء الموتى هو كلام باطل لا أساس له مجرد تأليفات من كتبة الأناجيل، وقصة موت المسيح عليه السلام وصلبه ثم قيامه من الأموات هي قصة باطلة لا محالة. فنسأل الله الهداية للجميع، وما قلته هنا حول إحياء الموتى ليس إنكارًا لمعجزة المسيح عليه السلام وإلا فهو معروف وثابت عندنا يقينًا بنص القرآن والسنة النبوية الشريفة أنه أحيى الميت بإذن الله؛ ولكن هو من باب الإلزام للنصارى وليس من باب إيماني.
ثم نأتي للعجيب من الأمور والغريب من العقول، وضعاف النقول، وهو أمر مُضحك كما سترى؛ أنه لما عجز النصارى عن إثبات أي من معجزات المسيح عليه السلام من
كتابهم بسند أو بقاء -كما هو موضح أعلاه- لجأوا إلى القرآن الكريم، ولجأوا إلى الإسلام؛ حتى يثبتوا معجزات معبودهم وربهم، فالقرآن منقول بالتواتر، ولا شك في حرف واحد فيه. وعليه فهو يُثبت وقوع معجزات المسيح أو غيره من الأنبياء، وبربي لا أعلم إلى أي مدى وصل ضعف هؤلاء الناس، حتى يلجأوا لكتاب يجحدون به لإثبات ما لا يمكن إثباته من عقيدتهم، ومع أننا الأمة الوحيدة التي تكرم المسيح عليه السلام ولم نلعنه كما فعل النصارى، وفعل كبيرهم الذي علمهم بولس، فهم قد عجزوا عن إثبات ما يريدون إثباته من كتابهم، فاحتاجوا إلي القرآن حينذاك، والمضحك في هذا الأمر أن المُنَصِّر لو أراد أن ينصر أحد المجوس أو البوذيين أو الملاحدة فيكون لسان حاله كالتالي:
أنا لا أستطيع أن أثبت لك معجزات المسيح من الكتاب القدس، ولا بالعقل والمنطق ولا بأي سبيل، ولكن عند المسلمين في القرآن والسنة والنبوية يثبتون تلك المعجزات؛ فإن أردت أن تتأكد من المعجزات عليك أن تؤمن بالإسلام والقرآن! فأي عقل هذا وأي دين يعتنقه النصارى، لا سند له، ولا تواتر فيه، بل هو الظن، وما يغني الظن شيئًا، وكما نقول دائما لا يجوز للنصارى الاحتجاج بالقرآن الكريم: يقول رب العزة جل جلاله في كتابه الكريم: {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} [يونس: 36]، ويقول في القرآن الكريم {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} [النجم: 23]، (1)
* * *
(1) نقلًا بتصرف من كتاب البيان بما في عقيدة النصارى من التحريف والبهتان.