الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من تفسير وفقه وحديث ودعوة وغيرها من علوم الشّريعة المطهرة.
والتأليف في مجال العلوم الشرعية هو من أهم الوسائل لتقييد العلم وتداوله ونشره بين النَّاس في كلّ عصر وفي كلّ مصر وما زال النَّاس ينتفعون بذلك، وإلى ما شاء الله تعالى، ولولا ذلك ما وصل إلينا ما وصل من علوم الشّريعة.
والتأليف بهذه المثابة من أجل القرب وأفضل الطاعات، وهو من العلم الّذي ينتفع به صاحبه في حياته وبعد مماته ففي الدنيا برفع ذكره وثناء النَّاس عليه ودعائهم له، وفي الآخرة بالجزاء الأوفى من الله تعالى، وهو من عمل المرء الصالح الّذي ينتفع به في حياته ولا ينقطع بوفاته.
ويدلُّ لذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إِلَّا من ثلاث: صدقة جارية وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له)(1).
والعلّم الّذي ينفع صاحبه في حياته وبعد موته يحصل بأمرين أو بأحدهما:
الأمر الأوّل: جلوسه للتعليم مشافهة
وهذا شأن العلماء في كلّ عصر وفي كلّ مصر من لدن النّبيّ صلى الله عليه وسلم وإلى عصرنا هذا، يجلسون لتعليم العلم في كلّ فن ويحمله عنهم طلابهم، ثمّ يقومون بدورهم بنشر هذا العلم ونقله إلى بعدهم، وهكذا. فيلحق العالم ثواب ذلك كله إلى ما شاء الله أن يكون.
الأمر الثّاني: التأليف والتصنيف
وهذه الطريقة من أجل الطرق لحفظ العلم وبقائه، فينتفع النَّاس بذلك في حياة المؤلِّف وبعد وفاته، وإلى أجيال كثيرة، وما نراه اليوم من كثرة المؤلِّفات ووفرة الأمهات في كلّ فن من فنون الشّريعة ما هو إِلَّا ثمرة من ثمرات التأليف وكتابة العلم وتحريره.
(1) سبق تخريجه، راجع ص 166 مبحث أخذ المال على الصّلاة.
أمّا ما يتعلّق بالأمر الأوّل وهو الجلوس للتعليم فقد سبق الكلام عليه من حيث جواز أخذ الرزق على التعليم وكذلك جواز أخذ الأجرة عليه على الراجح من أقوال العلماء.
وأمّا ما يتعلّق بالأمر الثّاني وهو التأليف والتصنيف في مجال العلوم الشرعية فلا خلاف في أن من ألف كتابًا أو حقق كتابًا في علوم الشّريعة الّتي يحتاج إليها المسلمون واحتسب ذلك فلم يأخذ عليه عوضًا أن ذلك من أفضل القرب وأحبها إلى الله تعالى، وذلك أن الأصل هو نشر العلم احتسابًا، وهذا كان شأن علماء الأُمَّة منذ البعثة المحمدية وإلى يومنا هذا، فقد كان الصّحابة رضي الله عنهم، والتابعون وتابعوهم بإحسان، وغيرهم من الأئمة الأعلام، في الفقه والحديث والقرآن وغيرها من العلوم، يقومون بالتعليم ونشر العلم بين عامة النَّاس وفي كافة الأمصار احتسابًا لوجه الله تعالى، سواء أكان ذلك بالمشافهة أم بالكتابة (1). ولم تعرف هذه النازلة وهي أخذ الحقوق المالية على التأليف ونشر العلم إِلَّا في هذا العصر، وهذه النازلة تسمى (حق التأليف)، وهي أحد مفردات ما يسمى بالحقوق المعنوية.
وقد برزت هذه النازلة في هذا العصر، في أعقاب التطور الهائل والسريع في وسائل الطباعة ونشر الكتب والأبحاث، وكان ذلك على إثر التوجه الكبير والعناية الفائقة، بالعلّم الشرعي والتأليف فيه (2).
والذي يعنينا هنا من هذه الحقوق، هو العوض المالي على حق التأليف والتحقيق، وقد انبرى العلماء من أهل العصر لدراسة هذه النازلة وبيان حكمها الشرعي، والذي يهمنا هنا هو: حق التأليف في مجال العلوم الشرعية باعتباره قربة إلى الله تعالى.
(1) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية 30/ 204 - 205، أضواء البيان للشيخ الشنقيطي 3/ 18.
(2)
فقه النوازل لبكر أبو زيد 2/ 77.