الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال ابن الهمام: "ومحاسن الكفالة جليلة، وهي تفريج كرب الطالب الخائف على ماله، والمطلوب الخائف على نفسه، حيث كفيا مؤنة ما أهمهما وقر جأشهما، وذلك نعمة كبيرة عليهما، ولذا كانت الكفالة من الأفعال العالية
…
(1).
من هنا فإن الكفالة المالية، قد جمعت كثيًرا من الخصال والمنافع والمقاصد الشرعية الجليلة ممّا يجعلها محض إرفاق وتبرع وإحسان لا مطمع فيها لمكتسب، وإنّما هي وظيفة المحتسب.
ولما كان الضمان عقد تبرع وإحسان، وإن الأصل فيه الغرم لا الغنم، يؤيد هذا ما رواه أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته عام حجة الوداع: (العارية مؤداة، والزعيم غارم، والدين مقضي)(2).
والزعيم: هو الكفيل والضامن، قال الإمام الخطابي:"الزعيم الكفيل، والزعامة الكفالة، ومنه قيل لرئيس القوم: الزعيم؛ لأنّه هو المتكفل بأمورهم"(3).
أمّا ما يتعلّق بأخذ المال على الضمان المالي فيتضح من خلال المسائل التالية.
المسألة الأولى: أخذ العوض على الضمان
اتفق الفقهاء رحمهم الله تعالى على أنّه لا يجوز مطلقًا أخذ الجعل أو الأجرة
(1) شرح فتح القدير لابن الهمام 5/ 389.
(2)
أخرجه أبو داود في البيوع، باب في تضمين العارية 3/ 396 (3565) والترمذي، في البيوع، باب ما جاء في أن العارية مؤداة 3/ 565 (1265) وفي الوصايا، باب ما جاء لا وصية لوارث 4/ 376 (2121)، وقال: حديث حسن غريب، وأخرجه ابن ماجه في الصدقات، باب الكفالة 2/ 804 (2405)، قال الألباني:"صحيح" كما في صحيح سنن التّرمذيّ 2/ 20 (1016).
(3)
معالم السنن للخطابي مع سنن أبي داود 3/ 825.
ونحوهما من الأعواض على الضمان، لا خلاف بينهم في ذلك (1).
قال ابن الهمام: "إذا كفل بمال على أن يجعل له الطالب جعلًا فإن لم يكن مشروطًا في الكفالة، فالشرط باطل، وإن كان مشروطًا فيها فالكفالة باطلة"(2).
وقال: "والكفالة عقد تبرع كالنذر لا يقصد به سوى ثواب الله أو رفع الضيق عن الحبيب فلا يبالي بما التزم في ذلك"(3).
وقال المواق (4): "لا يجوز ضمان بجعل؛ لأنَّ الضمان معروف، ولا يجوز أن يؤخذ عوض على معروف، وفعل خير، كما لا يجوز على صوم ولا صلاة؛ لأنَّ طريقها ليس لكسب الدنيا"(5).
وقال الرملي: "الضمان محض التزام لا معاوضة فيه"(6). وقال ابن قدامة: "ولو قال اكفل عني ولك ألف لم يجز"، وعلل ذلك بقوله: "وأمّا الكفالة فإن الكفيل
(1) شرح فتح القدير لابن الهمام 5/ 406، الفتاوى البزازية 6/ 18، مجمع الضمانات للبغدادي ص: 282، منحة الخالق لابن عابدين 6/ 242، التاج والإكليل للمواق 5/ 111، مواهب الجليل للحطاب 5/ 112، الزرقاني على خليل 6/ 32، 33، حاشية البناني على الزرقاني 6/ 32، 33، منح الجليل لعلّيش 6/ 228، الأم للشافعي 3/ 230، روضة الطالبين للنووي 4/ 241، 242، نهاية المحتاج للرملي 4/ 438، المغني لابن قدامة 6/ 441، المبدع لابن مفلح 4/ 212، كشاف القناع للبهوتي 3/ 319، المحلى لابن حزم 8/ 110 وما بعدها.
(2)
شرح فتح القدير لابن الهمام 5/ 406.
(3)
المرجع السابق 5/ 403.
(4)
هو: محمَّد بن يوسف العبدري أبو عبد الله الشهير بالمواق، أحد فقهاء المالكية، له شرحان على مختصر خليل، أحدهما: التاج والإكليل، توفي سنة 863 هـ.
نيل الابتهاج، ص: 324 - 325، شجرة النور الزكية 1/ 262.
(5)
التاج والإكليل للمواق 5/ 111، وقد نصّ الإمام مالك على ذلك، فقال:"والحمالة بالجعل حرام". البيان والتحصيل لابن رشد 11/ 289.
(6)
نهاية المحتاج للرملي 4/ 438. وما ذكره الرملي هو معنى كلام الشّافعيّ في الأم حيث قال: "الكفالة استهلاك مال لا كسب مال": 3/ 230.
يلزمه الدِّين، فإن أداه وجب له على المكفول عنه، فصار كالقرض، فإذا أخذ عوضًا صار القرض جارًا للمنفعة فلم يجز" (1).
فهذه أقوال المذاهب الأربعة تدل على أن الجعل أو الأجرة على الضمان لا تجوز، وأمّا الظاهرية ومن وافقهم فلا نحتاج إلى ذكر قولهم في ذلك؛ لأنَّ الدِّين عندهم ينتقل إلى ذمة الضامن ويسقط عن المدين الأصلّي، ولا يحل حينئذ الرجوع على المدين بشيء ولا على ورثته، سواء أكان الرجوع من صاحب الدِّين أم من الضامن الّذي أدى الدِّين عنه، إِلَّا إذا قال المدين للضامن: اضمن عني ما لهذا عليّ، فإذا أديت عني فهو دين لك عليّ، فههنا يرجع عليه بما أدى عنه فقط؛ لأنّه استقرضه ما أدى عنه فهو قرض صحيح (2).
يتضح ممّا سبق أن الفقهاء رحمهم الله تعالى متفقون على المنع من أخذ الأجرة على الضمان.
وقد حكى ابن المنذر الإجماع على ذلك، إِلَّا أنّه قد ورد في معرض كلامه ما قد يشوش على هذا الإجماع، قال ابن المنذر: "أجمع من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الحمالة بجعل يأخذه الحميل لا تحل ولا تجوز، واختلفوا في ثبوت الضمان على هذا الشرط، فكان الثّوريّ يقول: إذا قال الرَّجل للرجل: اكفل عني ولك ألف درهم فإن الكفالة جائزة وترد إليه الألف درهم.
وإذا قال استقرض لي من فلان ألف درهم ولك عشرة دراهم، قال: هذا الأخير فيه؛ لأنّه قرض جر منفعة.
وقال أحمد في مسألة الكفالة: ما أرى هذا يأخذ شيئًا بحق.
(1) المغني لابن قدامة 6/ 441.
(2)
المحلى لابن حزم 8/ 111.