الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
و - أخذ العوض على خطاب الضمان:
أوَّلًا: ذهب الفقهاء والباحثون المعاصرون إلى أن المصروفات الإدارية الّتي يأخذها البنك من العميل، لا حرج فيها شرعًا، وذلك نظير ما يقوم به البنك من أعمال إدارية وعلمية وعملية ونحو ذلك من الخدمات.
وقد اشترطوا في ذلك أن لا تزيد هذه المصروفات عن أجرة المثل، حتّى لا يكون ذلك ذريعة للبنك لإدخال عمولة الضمان تحت هذا المسمى (1).
ووجه ما ذهبوا إليه:
1 -
أن هذه المصروفات، إنّما هي في مقابل ما يقوم به البنك من أعمال إدارية ونحوها، فلا تعلّق لها بالضمان أصلًا (2).
2 -
أن هذه الأعمال مباحة في أصلها، ولم يلحق بها أي وصف يخرجها عن اللإباحة إلى الحرمة.
وقد أيّد هذا مجمع الفقه الإِسلامي، وجاءت كلمة الباحثين والفقهاء الذين بحثوا خطاب الضمان متفقة على جواز ذلك.
ومما جاء في قرار المجمع ما يلي: "أمّا المصاريف الإدارية لإصدار خطاب الضمان بنوعيه فجائزة شرعًا مع مراعاة عدم الزيادة على أجر المثل"(3).
ثانيًا: إذا سدد البنك عن عملية للجهة المستفيدة، فإنّه يرجع على العميل، فإن كان لخطاب الضمان غطاء أخذ منه وإلا رجع على العميل، فإذا تأخر العميل عن التسديد في الموعد المحدد بينهما فإن البنك في هذه الحالة يجعل نسبة معينة من الفائدةُ
(1) مجلة مجمع الفقه الإِسلامي بجدة، العدد الثّاني: 2/ 1210، وقد ضمت بحوثًا كثيرة لعدد من الفقهاء والباحثين المعاصرين حول خطاب الضمان، عقد الضمان المالي للأطرم، ص:117.
(2)
عقد الضمان المالي، للدكتور عبد الرّحمن الأطرم، ص: 107 - 108.
(3)
مجلة المجمع الفقهي، العدد الثّاني: 2/ 1210.
مقابل التأخير (1)، وفي هذه الحالة يكون البنك مقرضًا للعميل وقد أخذ فائدة على هذا القرض، ومن المتفق عليه بين الفقهاء أن الفائدةُ على القرض ربا، قال ابن قدامة:"وكل قرض شرط فيه أن يزيده فهو حرام بغير خلاف، قال ابن المنذر: أجمعوا على أن السلف إذا شرط على المتسلف زيادة أو هدية فأسلف على ذلك، أن أخذ الزيادة على ذلك ربا"(2).
ثالثًا: إذا أصدر البنك خطاب الضمان فإنّه يأخذ عوضًا عليها من العميل وهذا العوض يسميه البنك (عمولة)، وهذه العمولة لها نسب محددة تزيد وتقل حسب المبالغ المضمونة.
وهذه العمولة تناولها الفقهاء المعاصرون بالبحث والدراسة وبنوا حكمهم عليها تبعًا للتكييف الشرعي لها كما سبق.
فمن ذهب إلى أن خطاب الضمان ما هو إِلَّا عقد ضمان من المصرف لعميله في مقابل فائدة قالوا: لا يجوز مطلقًا أخذ عمولة أو فائدة على خطاب الضمان. ولم يفرق هؤلاء بين ما كان منه مغطى أوغير مغطى.
وممن ذهب إلى هذا مجمع الفقه الإِسلامي بجدة، وكذلك اللجنة الدائمة للإفتاء (المنبثقة عن هيئة كبار العلماء)، وبعض الباحثين، وقد جاء نصّ قرار مجمع الفقه الإِسلامي بجدة على النحو التالي:
أوَّلًا: أن خطاب الضمان لا يجوز أخذ الأجر عليه لقاء عملية الضمان (والتي يراعى فيها عادة مبلغ الضمان ومدته) سواء أكان بغطاء أم بدونه.
ثانيًا: أمّا المصاريف الإدارية لإصدار خطاب الضمان بنوعيه فجائزة شرعًا مع مراعاة عدم الزيادة على أجر المثل، وفي حالة تقديم غطاء كلي أو جزئي يجوز أن
(1) مجلة البحوث الإِسلامية، العدد: 8، ص 114، عقد الضمان المالي، ص:101.
(2)
المغني لابن قدامة 6/ 436.
يراعى في تقدير المصاريف لإصدار خطاب الضمان ما قد تتطلبه المهمة الفعلية لأداء ذلك الغطاء، والله أعلم (1). أهـ
أمّا اللجنة الدائمة فقد رأوا أنّه لا يجوز أخذ عمولة وفائدة في مقابلة الضمان من قبل البنك وذلك لأمور:
1 -
أخذ المصرف مالًا في مقابلة الضمان، والضمان من باب المعروف الّذي يبذل ابتغاء الثّواب من الله.
2 -
أخذ فائدة في مقابلة ما دفعه من المال عن عميله فإنّه يعتبر قرضًا جرّ نفعًا.
3 -
ما قد ينتفع به من استغلال للغطاء والغطاء هنا من باب الرَّهْن، فكان انتفاع الضامن به محرمًا حيث لم يكن ظهرًا يركب بنفقته أو ذا در يحلب بنفقته (2). أهـ.
ويلاحظ عدم تعرض اللجنة إلى المصروفات الإدارية للبنك وإنّما تركز كلامها على العمولة على خطاب الضمان فقط، والذي يظهر أنّها لا تندرج تحت كلامهم السابق لعدم شمول التعليل السابق لها (3).
وذهب البعض إلى التفريق بين ما كان له غطاء وبين ما ليس له غطاء.
ففي حالة الغطاء الكلي لخطاب الضمان فإن العلّاقة حينئذ بين البنك والعميل علاقة وكالة، والوكالة تجوز بأجرة، فيجوز للبنك حينئذ أخذ الأجرة على خطاب الضمان.
وإذا كان الغطاء جزئيا فإن العلّاقة حينئذ تكون وكالة في الجزء المغطى وكفالة في الجزء غير المغطى فيجوز أخذ الأجرة حينئذ على الجزء المغطى دون غيره.
أمّا إذا لم يكن خطاب الضمان مغطى فالعلّاقة حينئذ هي كفالة مالية فلا يجوز
(1) مجلة المجمع الفقهي، العدد الثّاني 2/ 1210.
(2)
مجلة البحوث الإِسلامية 8/ 114.
(3)
عقد الضمان المالي، ص:115.
أخذ العوض عليها (1).
وقد نوقش هذا التفصيل بما يأتي:
1 -
إنَّ الغطاء قد يكون نقدًا، وقد يكون غير نقد من الأشياء العينية فإذا كان عينا فإن المقصود في هذه الحالة هو توثيق البنك تجاه العميل، فالبنك في هذه الحالة ضامن مرتهن، وليس وكيلًا.
2 -
إنَّ كان الغطاء نقدًا فثمة عدد من الملاحظات:
الأولى: أن هذا الغطاء ليس أمانة عند البنك؛ لأنّه لا يحفظه بعينه.
الثّانية: أنّه يضمنه للعميل.
الثّالثة: أن البنك يستفيد منه مدة بقائه عنده ويتاجر به ضمن أمواله، ومن المعلوم أن الوكيل أمين، وإذا تلف ما بيده، فإنّه لا يضمنه إِلَّا بتعد أو تفريط، وأنّه لا يتاجر بما في يده لمصلحة نفسه
…
ثمّ إنَّ الضمان عقد لازم وأمّا الوكالة فعقد جائز
…
، ولهذه الاعتبارات فإن الأظهر والأقرب في هذا الغطاء أنّه ليس أمانة وكل عليها البنك، بل هو إمّا رهن عنده أو قرض له من العميل.
وعليه فلا يصلح أن تفسر العلّاقة بين العميل والبنك على أنّها وكالة (2).
والذي يظهر ترجيحه ممّا سبق هو ما ذهب إليه القائلون بعدم التفريق بين ما كان مغطى وغير مغطى، باعتبار أن خطاب الضمان سورة حقيقية تطبيقية لعقد الضمان، وقد تقدّم ذكر الإجماع على أنّه لا يجوز أخذ العوض على عقد الضمان المالي، فكذلك هنا لا يجوز أخذ العوض على خطاب الضمان، وقد تقدّمت الأدلة على ذلك مفصلة.
(1) فقه النوازل لبكر أبو زيد 1/ 210، مجلة مجمع الفقه الإِسلامي، العدد الثّاني 2/ 1209، الكفالة للسالوس ص:134.
(2)
عقد الضمان المالي ص: 98 - 99.