الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بالعبادة، ولكن ذكرناه في هذا القسم استيفاء لما نقل عنه، وجمعاً له في مكان واحد.
القسم الثاني الفعل الذي له علاقة بالعبادة
وهو ما وقع في أثناء العبادة، أو في وسيلتها (1)، أو قبلها قريباً منها، أو بعدها كذلك.
فمما وقع في أثناء العبادة نزوله صلى الله عليه وسلم بالمحصّب ليلة النفر (2)، وقبض الأصابع الثلاث في التشهد، ووضعها على الأرض مضمومة في السجود. وجلسة الاستراحة (3) بعد الركعة الأولى وبعد الثالثة، والتطّيب للإحلال من الإحرام، واتكاؤه صلى الله عليه وسلم أثناء الخطبة على قوس أو عصا، ولبس النعلين في الصلاة، يحتمل أنه فعله لكونه من سنة الصلاة، ويحتمل أنه فعله على سبيل الجواز فقط، كما يلبس في الصلاة قطناً أو صوفاً أو غير ذلك (4).
ومما وقع في وسيلة العبادة دخوله مكة من طريق كُدَيّ، وخروجه من طريق
(1) البناني: حاشية على شرح جمع الجوامع 2/ 97
(2)
المحصب بطحاء مكة.
(3)
قال ابن السبكي: مما دار بين الجبلي والشرعي: جلسة الاستراحة عندما حمل اللحم. فقيل ذلك جبلي فلا يستحب، وقيل شرعي وهو الصحيح. وقيل يستحب للمبدن وفي معناه العاجز الضعيف دون غيرهما (قواعد ابن السبكي ق 115 أ).
وقال ابن دقيق العيد: جلسة الاستراحة قال بها الشافعي في قول، وأصحاب الحديث، وأباها مالك وأبو حنيفة وغيرهما، وعذرهم عن الحديث (يعني حديث مالك بن الحويرث أنه كان يجلس إذا رفع رأسه من السجود قبل أن ينهض) أنه يحمل على أنها بسبب الضعف للكبر، فإن تأيد هذا التأويل، بقرينة، مثل أن يتبين أن أفعاله صلى الله عليه وسلم السابقة على حالة الكبر لم يكن فيها هذه الجلسة فلا بأس بهذا التأويل. فإن قوي ذلك باستمرار عمل السلف على ترك الجلوس كان زيادة في الرجحان. اهـ بتصرف قليل (إحكام الأحكام 1/ 225).
(4)
وانظر فتح الباري 1/ 494
كَدَاء ودخوله المسجد الحرام من باب بني شيبة، وطوافه صلى الله عليه وسلم بالبيت راكباً على بعير، وكذلك في السعي بين الصفا والمروة، ووقوفه في الموقف بعرفات على بعير، وعودته صلى الله عليه وسلم من صلاة العيد من طريق غير طريق الذهاب، وذهابه إلى العيد ورجوعه منه ماشياً (1)، ووقوع صلاته في السفر في مواضع معينة.
ومما وقع قبل العبادة قريباً منها: اضطجاعه صلى الله عليه وسلم قبل صلاة الفجر بعد أن يصلّي النافلة. قالت عائشة رضي الله عنها: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى ركعتي الفجر فإن كنت مستيقظةً حدثني، وإلاّ اضطجع حتى يؤذَن بالصلاة". رواه البخاري ومسلم. وفي رواية للبخاري: اضطجع على شقه الأيمن. وقد أوجب ابن حزم (2) الضجعة بعد ركعتي الفجر.
وقال الشافعية باستحبابها بناء على هذا الحديث. وبوّب عليه البخاري: "باب الضجعة على الشقّ الأيمن بعد ركعتي الفجر". مما يوحي بأنه يرى استحبابه. واستنكره ابن مسعود وابن عمر وإبراهيم النخعي والحسن البصريّ ممن فعله، وقال ابن عمر هو بدعة (3).
ومما وقع بعد انتهاء العبادة انصرافه صلى الله عليه وسلم من الصلاة عن يمينه أو عن يساره.
فهذا القسم الثاني وهو ما له صلة بالعبادة، بأنواعه الأربعة أعلى من القسم الذي قبله. والقول بالندب فيه أظهر من القسم الأول، وهو ما لا صلة له بالعبادة. فإذا انضمّ إلى صلته بالعبادة عنصر التكرار والمواظبة عليه قوي القول بالندب فيه.
وباستقراء الفروع الفقهية يبتيّن أن هذا النوع على درجات (4):
(1) حديث: كان يخرج إلى العيد ماشياً .. : رواه ابن ماجه (المغني لابن قدامة 2/ 374)
(2)
الإحكام ص 432
(3)
حديث اضطجاعه صلى الله عليه وسلم بعد ركعتي الفجر: البخاري 3/ 43 ومسلم. وذكر الشق الأيمن هو عند البخاري خاصة. والنقول عن السلف صلى الله عليه وسلم من كلام ابن حجر في فتح الباري 3/ 43
(4)
وانظر الزركشي: البحر المحيط2/ 248ب.
الدرجة الأولى: أن الفعل الجبلي يُلحظ فيه أحياناً أنه مقصود في العبادة ليكون جزءاً منها. وقد قيل بالوجوب في ذلك أحياناً ولو لم يرد فيه قول آخر. ومن ذلك الجلوس بين الخطبتين، قال الشافعي بوجوبه، وقال غيره من الأئمة بأنه مستحبّ، ونُقِل عن بعض الصحابة أنهم خطبوا فلم يجلسوا حتى الفراغ (1).
وكذلك القيام في الخطبتين، واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم. فقيل بوجوبه. وهو أحد القولين في مذهب أحمد. والقول الآخر أنه لا يجب، وهو مذهب أبي حنيفة (2).
وعندي أن الوجوب هنا ليس متلقّى من مجرد الفعل، بل من كونه فعلاً بيانيّاً في اعتقاد القائل بالوجوب، أي اعتقاد أن الفعل مقصود به بيان صفة خطبة الجمعة المأمور بها في سورة الجمعة، فهذا القصد هو سبب القول بالوجوب. إذ الفعل البياني يمكن أن يُدَلّ به على الوجوب، كما يأتي.
الدرجة الثانية: ما سبيله الاستحباب من ذلك، وهو ما وضح فيه أمر التعبّد، وذلك إن عُلم، أو غَلَب على الظن بأمارة، أن المقصود التعبّد به، كالقيام في الخطبتين والجلوس بينهما كما تقدم، وصلاته صلى الله عليه وسلم داخل الكعبة، وإفطاره على رطباتٍ وتراً، ونحو ذلك.
ومن هذا النوع عند الجمهور تحويل النبي صلى الله عليه وسلم رداءه في دعاء الاستسقاء، لم يقل أبو حنيفة بمشروعيته. وقال من احتج له: إنما قلب صلى الله عليه وسلم رداءه ليكون أثبت على عاتقه عند رفع اليدين لا الدعاء، فهو عنده جبليّ. وأجيب بأن تثبيت الرداء لا يدعو لقلبه، فالظاهر أنه قلبه قصداً تعبّداً (3).
الدرجة الثالثة: ما حصل التردّد فيه بين أن يكون مقصوداً به التعبّد أو لا. فهذا الذي فيه الخلاف.
(1) ابن قدامة: المغني 2/ 306.
(2)
ابن قدامة: المغني 2/ 302، 303
(3)
ابن دقيق العيد. الأحكام 1/ 342
والخلاف فيه ناشئ عن تعارض الأصل والظاهر كما تقدم. إذ الظاهر أن المقصود به التشريع، لصلته بالعبادة، والأصل عدم هذا القصد. والذي نرجحه أنه لا يدل على الاستحباب، وإنما قصاراه أن يدل على الجواز في العبادة، كرفضه صلى الله عليه وسلم التنشيف من الغسل بالمنديل، وجعل ينفض الماء بيده. واستعماله آنية من أنواع معينة في الوضوء، وكالضجعة بعد ركعتي الفجر، وأكله من كبد أضحيته يوم عيد الأضحى، وذهابه إلى عرفة من طريق ضب، ورجوعه من طريق المأزمين، وركوبه أثناء الطواف والسعي والوقوف، وكون الركوب في تلك المواضع على بعير. فكل ذلك دالّ على الإباحة فقط، ولا قدوة فيه.
وهذا يفسّر لنا قلّة عناية الصحابة رضي الله عنهم بنقل أفعاله التي من هذا النوع، حيث إنها على الإباحة، وهي الأصل. والله أعلم.
وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما في المبيت بالمحصَّب بعد النفر: "المحصّب ليس من النسك، إنما هو منزل نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكون أسمح لخروجه".
إلاّ أن احتمالاً يرد هنا، وهو أن يقال: إن احتمال عدم قصد التعبّد بهذا النوع يقتضي عدم اعتباره جزءاً من العبادة. ولكن الاستحباب فيه وارد في جهة أخرى هي موافقة صورة ما عمله النبي صلى الله عليه وسلم، فيثبت الاستحباب. وقد أشار إلى هذا ابن السبكي، قال في مسألة التحصيب:"قال أصحابنا: يستحبّ النزول به، ولو تركه لم يؤثّر في نسكه لأنه ليس من مناسك الحج"(1).
وقد تقدّم القول في هذا عند ذكر متابعات ابن عمر في القسم الأول، وبيّنا ما نعتمده في ذلك. والله ولي التوفيق.
الدرجة الرابعة: ما وضّح فيه أنه ليس مقصوداً به التعبّد، ولكن وقع لغرض جبليّ أو نحوه، فلا إشكال في أن ذلك يدل على الإباحة مطلقاً، أو إذا وجد
(1) القواعد 115 أ.
سببه، ولا يُظَنَّ أن أحداً يقول بالاستحباب فيه. وذلك كالتفاته صلى الله عليه وسلم في الصلاة وقت الخطر، وسيره فيها حتى فتح الباب لعائشة، وأشار بيده ليَرُدّ السلام، واعتماده على عمود في صلاة الليل عندما أسنّ وكبر، وقعوده في موضع القيام كذلك، واختيارِه ما أكله وشربه أثناء حجه، ونزوله في خيمة حينذاك، ونحو ذلك.