الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الرابع الأفعال الخارقة للعادة (المعجزات والكرامات)
أجرى الله تعالى هذا الكون على سنن ثابتة وعوائد مطردة. وربط الأشياء بأسبابها، وجعل علاقة السببية هذه وسيلة إلى توليد أشياء جديدة، ذات صفات موافقة أو مخالفة لأصولها. وبها تتطور الكائنات وتتغير الموجودات، وتتجدد الحوادث.
ومعنى اطّراد السنن الكونية، أنه إذا أثّر شيء في شيء تحت ظروف معينة، فأنتج شيئاً آخر، فإنه لو أعيد تسليط المؤثر، أو مثيل له، على المؤثر فيه أو على مثيل له، مع وجود ظروف مماثلة تماماً، فلا بدّ أن تحصل نتيجة مماثلة تماماً لما نتج في الحالة الأولى.
ومثاله أننا لو أخذنا قضيباً من الحديد، في درجة حرارة فعينة، وقسنا طوله، ثم سخنّاه مئة درجة مئوية، فإنه سيتمدد بالحرارة. فلو قسنا الزيادة في الطول وأثبتناها، ثم أخذنا قضيباً آخر، أيضاً من الحديد، مساوياً في الطول للأول، وفي نفس درجة الحرارة، ورفعنا حرارته مئة درجة مئوية، فلا بدّ أن يتمدد، وأن تكون زيادته مساوية تماماً للزيادة في حالة القضيب الأول. فإن اختلف مقدار الزيادة بين الحالتين، فلا بد أن عاملًا آخر مخالفاً لما كان في الحالة الأولى هو سبب الاختلاف، بأن كان الحديد مختلف النوعية مثلاً.
وهذا الاطّراد في سنن الكائنات، سبب من أسباب التقدم البشري، وسيطرة البشر على الأرض، وذلك لأن العقل الذي أكرم الله به الإنسان يستطيع
إدراك الصلات السببية بين الأشياء بإدراكه خواصها، فيستطيع الإنسان بذلك أن يهيّئ الظروف المختلفة التي تؤدّي إلى نتيجة معينة. فإذا كملت تلك الظروف، تولّدت عنها النتيجة ولا بدّ. وذلك حسب قاعدة اطّراد السنن.
واطّراد السنن كما هو في العناصر البسيطة للكون وفي مركباته، وفي صفاتها العامة من الجاذبية والحرارة والرطوبة واللون والصلابة والمرونة وغير ذلك، هو أيضاً في الأحياء من النبات والحيوان، وفي النفوس الإنسانية، وفي المجتمعات البشرية، كذلك، وقد قال الله تعالى:{فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً} (1) وقد ذكر الله تعالى أنه لا تبديل لسنته في ثلاثة مواضع أخرى غير هذه الآية (2).
إلاّ أن قوانين السببية في الأحياء أكثر تعقيداً، وأبعد تصوراً، وأصعب منالاً.
وليست العلوم الكونية، الكيميائية، والطبيعية، والحيوية، والنفسية، إلاّ نتائج المساعي لاستكشاف القوانين المشار إليها، وإلاّ تطبيقاً لتلك القوانين، واستفادة منها فيما ينفع الناس أو يضرهم.
وقد جاءت الديانات السماوية حرباً على دعاوى السببية الكاذبة. فمن ذلك إبطال التطيّر، وإبطال الزجر والعرافة والمخرقة، وإبطال دعاوى عبدة الأصنام بأنها تنفع أو تضر، ودعاوى المنجّمين بأن حركات النجوم أسباب لعلم الغيب، أو أنها تؤثّر على الحوادث الأرضية، أو نحو ذلك، مما لا يخفى على المطّلع على حقائق ما جاء عن الأنبياء.
وأتمُّ ما ورد من ذلك وأوضحه ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم.
إلا أن الإسلام جاء بأمرين عظيمين يتعلقان بقانون السببية.
(1) سورة فاطر: آية 62
(2)
سورة الإسراء: آية 77، سورة الأحزاب: آية 62، سورة الفتح: آية 23