الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثامن الفعل المتعدي
المراد بالفعل المتعدّي ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم مما له علاقة بالغير، من العقوبات والمعاملات والقضاء بين الناس ونحو ذلك.
وقد أفرده بعض الأصوليين نوعاً خاصاً من الأفعال، منهم أبو الحسين البصري (1)، والزركشي (2)، والشوكاني (3)، وغيرهم.
وهو بالنسبة إلى صدوره عن النبي صلى الله عليه وسلم وبالنسبة إليه خاصة، لا يعدو أن يكون واحداً من الأنواع الأخرى، لأنه إما جبلّي أو خاص أو بيان أو امتثال، أو ليس كذلك فيكون من الفعل المجرّد. فحكم الاقتداء به صلى الله عليه وسلم في ذلك يعلم في موضعه من المباحث المشار إليها.
أما بالنظر إلى الغير، أعني الشخص الذي تعلّق به الفعل، فللفعل صور:
الأول: ما يوقعه النبي صلى الله عليه وسلم بشخص من العقوبة حدّاً أو تعزيراً أو غرامة يدل على أن ما نسب إلى ذلك الشخص وكان سبباً فيها هو معصية. فيفهم منه حكم الفعل الذي فعله المعاقَب.
ويفهم منه استحقاق من فعل ذلك الفعل لمثل تلك العقوبة.
وقال القاضي الباقلاني: "لا يكون الأمر كذلك إلّا بتنبيه منه صلى الله عليه وسلم على أن من فعل مثل ذلك استحقّ مثل تلك العقوبة. وقال: لأنه، وإن تقدّم ذلك الفعل،
(1) المعتمد 1/ 387
(2)
البحر المحيط 2/ 249 أ.
(3)
الإرشاد ص 36
فإنه لا يتعيّن لكونه موجِب أخذِ المال وإيقاع العقوبة، فإنه لا يمتنع وجود فعل آخر هو المقتضي للمال والعقوبة" (1). اهـ.
أقول: وحصول التنبيه يعيّن السببيّة، وأيضاً لو قامت قرائن الحال على ذلك كانت كافية. والله أعلم.
الصورة الثانية: قد يكون الفعل المتعدّي (آمراً) أو (ناهياً)، بمنزلة الخطاب، فيدل كدلالة الأمر والنهي. ومثاله أن ابن عباس ائتم وحده بالنبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الليل، فقام عن يساره، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيده فأقامه عن يمينه (2). قال ابن حزم:"هو على الوجوب، لأنه وإن كان فعلاً فهو أمر لابن عباس بالوقوف عن يمينه ونهي له عن الوقوف عن يساره"(3).
وقال أبو شامة: "ذلك على الندب"(4) ولعلّه بَنى ذلك على قاعدته في أن الوجوب والتحريم لا يمكن استفادته من مجرّد الفعل.
والصواب عندي جعله بمنزلة الأمر، إذ إن هذا ليس فعلاً مجرداً، بل تدلّ طبيعته المتعدية الآمرة، على المراد به، ويرد عليه الخلاف في مؤداه كما ترد على الأمر القوليّ. وقد قال بالوجوب في هذا الفرع الحنابلة والظاهرية، وقال مالك والشافعي والحنفية بصحة صلاة المنفرد عن يسار الإمام. ومأخذهم القرينة الدالة على أن الأمر ليس للوجوب، هي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُبْطِل تحريمته. فدلّ على الجواب (5).
ومثال آخر: أن عبد الله بن مسعود كان يصلي وقد وضع يسراه على يمناه، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يمناه على يسراه (6). فذلك يدل على استحباب وضع اليمنى على اليسرى وكراهية العكس.
(1) أبو شامة: المحقق ق 38 أ.
(2)
مسلم 6/ 50
(3)
الإحكام 1/ 429
(4)
المحقق ص 23
(5)
ابن قدامة: المغني 2/ 213
(6)
رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه. وقال ابن حجر: إسناده حسن (نيل الأوطار 2/ 194).
الصورة الثالثة: قضاؤه صلى الله عليه وسلم بين اثنين (1) له ثلاث جهات:
الأولى: الإثبات بالبيّنات والشهود والقرائن. وهو من هذه الناحية فعل كسائر الأفعال، يقتدى به فيها حسبما تقدم.
الثانية: تقديره لثبوت الواقعة. هو مبني على الظاهر، وليس يدلّ على أن المحكوم عليه هو في الباطن ظالم، ولا أن المحكوم له محق. ومجب على المحكوم عليه التسليم والرضا بحكمه صلى الله عليه وسلم.
الثالثة: ما حكم به على تقدير ثبوت الواقعة، فهو شرع، فإن ثبت لدى القضاء مثل ما ثبت لديه صلى الله عليه وسلم، تعيّن الحكم بما حكم به.
الصورة الرابعة: لو باع أو اشترى من شخص لم يدلّ ذلك على أن المال كان ملكه في الباطن إذ إنّ هذا تعامل على أساس الظاهر.
(1) انظر في هذا البحث: الزركشي: البحر المحيط 20/ 249 أ. الشوكاني: الإرشاد ص 36 عبد الوهاب خلاف: علم أصول الفقه ص 44. أبو شامة: المحقق ق 38 أ.