الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أو بسبب حادث من الحوادث، كصلاة الكسوف.
أو بسبب مناسب يتضمن تحصيل مصلحة أو درء مفسدة، كصلاة الاستسقاء عند القحط، وقطع يد السارق، وسائر الحدود التي أقامها، وترك الأكل من الميتة، وأكل الميتة للضرورة، وسائر الرخص.
المطلب الثاني طرق معرفة سبب الفعل
ذكر الأصوليون في أبواب القياس طرق استخراج علة الحكم. وكان ما صرفوا إليه جل همهم استخراج علل الأحكام المدْلول عليها بالأدلة القولية. أما الأفعال فقد حظيت من اهتمامهم بحظ بخس. وقد كانت جديرة بمزيد من الاهتمام، لتفتح أمام الفقهاء باب تفهّم النقول الفعلية، ووضعها في مواضعها السليمة.
وإننا نقتفي -هنا في بيان طرق استخراج أسباب أحكام الأفعال- آثارهم في بيانهم لأسباب الأحكام القولية، مسترشدين بما وضحوه. والله الموفق والمعين، فنقول:
إن سبب الفعل يعرف بطرق: إما أن يعرف بالنص القولي الصريح أو غير الصريح، أو بالإجماع، أو الإيماء، أو قول الصحابي، أو الاستنباط، أو المناسبة.
الطريقة الأولى: إثبات العلة بالنص الصريح أو الظاهر، أو بالإيماء بالقول.
والنص إما من كتاب الله تعالى.
وإما من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كقوله بعد أن صلى على المنبر:"إنما فعلت هذا لتأتمّوا بي ولتعلموا صلاتي".
وكقوله، إذ شمّت أحد العاطسين ولم يشمّت الآخر:"إن هذا حمد الله فشمَتُّه، وإنك لم تحمد الله"(1).
ومثال الإيماء بالقول: أنه صلى الله عليه وسلم خلعَ نعليه في الصلاة فخلعوا نعالهم. فلما سلم قال لهم في ذلك، فقالوا: رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا. فقالو: "إن جبريل أخبرني إن فيهما أذى".
وكقوله عندما قام لجنازة يهودي: "أليست نفساً؟ "(2).
وكقوله عندما وضع الحجر على قبر عثمان بن مظعون: "أعلم به قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي".
الطريقة الثانية: الإيماء بالفعل. ومثاله أن يفعل النبي صلى الله عليه وسلم فعلاً بعد أمر طارئ. فيعلم أنه سبب الفعل، ومن ذلك أنه صلى الله عليه وسلم نقص من الصلاة سهواً، وسلّم. فلما قيل له، أتم الصلاة، وسجد سجدتين وسلم. فإن إيقاعه سجدتين في آخر الصلاة لا يعهد في الصلاة، فارتباطهما بالنقص سهواً أمر واضح، وإلا لكانا لغواً لا يليق به صلى الله عليه وسلم (3).
الطريقة الثالثة: إثبات السبب بالإجماع.
فإذا أجمعت الأمة على أن فعلاً من أفعاله صلى الله عليه وسلم كان لسبب كذا، فإنه يتعين.
الطريقة الرابعة: إثبات السببية بقول الصحابي، وذلك أن الصحابيّ يرى الفعل، ويشاهد ما يحتف به من القرائن الدالة على سببه، وهو عدل عارف باللغة. فالظاهر أن ما أخبر بسببيته هو السبب حقاً. بل لا يبعد أن يكون سمع من النبي صلى الله عليه وسلم قولاً يدل على السببية فنقل إلينا السبب ولم ينسبه إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم.
(1) رواه البخاري ومسلم (جامع الأصول 7/ 396)
(2)
رواه البخاري ومسلم (جامع الأصول 1/ 435)
(3)
مثل القاضي الباقلاني في التقريب بسجود السهو للاستدلال على علة الحكم بفعل النبي صلى الله عليه وسلم. فذكر هذا المثال، ونحن بينا أن ذلك من قبيل الإيماء. وانظر الشوكاني: إرشاد الفحول ص 213
وهذا النوع -وهو إثبات السببية بقول الصحابي- هو في الحقيقة- راجع إلى طريقة أو أكثر من الطرق الأخرى المذكورة في هذا المبحث، لأن الصحابي يفهم السببية أولاً، ثم يعبر عنها. وطريقة فهمه لها راجعة إلى طريق من الطرق المذكورة ولا شك.
إلا أن قوله بالنسبة إلينا طريق، من حيث الجملة.
ويحتمل أن الصحابي ظنَّ ما ليس بسبب سبباً. ولكنه احتمال ضئيل لا يصح الذهاب إليه، ما لم يتبيّن أن الصحابي كان في فهمه ذاك مخطئاً (1).
وأمثلة هذا النوع كثيرة، كقول جابر بن عبد الله في ميعاد صلاة العشاء:"كان صلى الله عليه وسلم إذا رآهم اجتمعوا عجّل، وإذا رآهم أبطأوا أخّر"(2) فعُرف بذلك سبب تعجيله صلى الله عليه وسلم العشاء وسبب تأخيرها.
وقول عائشة: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان جنباً وأراد أن يأكل أو ينام توضأ"(3). فبينت أن الأكل والنوم على الجنابة سببان لوضوئه.
وقولها: "كان إذا دخل العشر شدّ مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله"(4). فبيّنت أن سبب الاجتهاد في العبادة عشر رمضان الأخير.
وقول ابن عباس: "ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بالمدينة بين الظهر والعصر، وجمع بين المغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر. (5) فسئل: ما أراد إلى ذلك؟ فقال: "أن لا يحرج أحداً من أمته" (6). فإنه يدل على أن الجمع منوط بالحرج.
الطريقة الخامسة: أن يعرف السبب بالاستنباط. وذلك إما بالسّبْرِ والتقسيم أو بالمناسبة، أو بالدَّوَران.
(1) انظر تيسير التحرير 4/ 40
(2)
متفق عليه (نيل الأوطار 2/ 13)
(3)
رواه أحمد ومسلم (نيل الأوطار) 2/ 235
(4)
رواه مسلم 8/ 70 ورواه البخاري.
(5)
رواه الجماعة (جامع الأصول 6/ 459)
(6)
انظر فتح الباري 2/ 24
فمثال الأول، وهو معرفة السبب بالسبر والتقسيم، أنه صلى الله عليه وسلم صلى يوم عرفة ركعتين وخطب. فقيل كانت خطبته للجمعة لأنه وافق يوم جمعة. وقيل إنها خطبة لعرفة، والركعتان ظهر مقصورة.
فلما علمنا أنه أسرَّ في الركعتين بالقراءة، علمنا أن الخطبة ليست للجمعة، فلا يبقى إلا للوقوف بعرفة. وعليه فيقتدى به صلى الله عليه وسلم، فيثبت للوقوف بعرفة خطبة (1).
ومثال آخر: روت أم هانئ أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوم فتح مكة ثماني ركعات، وذلك وقت الضحى (2). فاختلف في سببه هل هو الوقت، فيدل على استحباب صلاة الضحى، أو الفتح. وقد ذكر ابن القيم أن الأمراء كانوا يصلونها ويسمونها صلاة الفتح (3).
فلما صلى، صلى الله عليه وسلم الضحى في غير هذا الموطن، وعلم من شأنه الترغيب في صلاة الضحى، عرف ارتباطها بهذا السبب. والله أعلم.
ومثال الثاني: وهو المناسبة، أنه صلى الله عليه وسلم حسم يد السارق بعد القطع، والغرض حفظ العضو من التلف.
ومثال إثباته بالدوران: حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: "عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة، فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة فأجازني".
احتج به لمذهب الشافعي وأحمد في أن المدة التي إذا بلغها الإنسان ولم يحتلم
(1) انظر مناظرة طريفة بين القاضي أبي يوسف، وبين مالك، بمحضر هارون الرشيد، في هذه المسألة. ذكرها القرافي في الفروق 2/ 125
(2)
حديث أم هانئ في صلاته الضحى يوم الفتح متفق عليه (نيل الأوطار 3/ 70)
(3)
انظر الشوكاني: نيل الأوطار 3/ 67
حُكِمَ ببلوغه، هي خمس عشرة سنة. فقد أجاز ابنَ عمر في القتال بخمس عشرة سنة، ولم يجزه فيما دونها، فدلّ على ذلك (1).
وأما أبو حنيفة ومالك فلم يأخذا بذلك. وقال أبو حنيفة: يحكم ببلوغ الجارية ببلوغ سبع عشرة، وأما الغلام ففيه روايتان: أحدهما: بسبع عشرة كالجارية، والأخرى بثمان عشرة. وقال مالك: لا حدّ للبلوغ بالسن (2).
وقد اعتذر لمن لم يأخذ بحديث ابن عمر في ذلك: بأن الإجازة في القتال حكمها منوط بإطاقته والقدرة عليه، وأن إجازة النبي صلى الله عليه وسلم لابن عمر في الخمس عشرة: لأنه رآه مطيقاً للقتال ولم يكن مطيقاً له قبلها (3).
(1) ابن دقيق العيد: الأحكام 2/ 335
(2)
ابن قدامة: المغني 4/ 460
(3)
ابن دقيق: الإحكام 2/ 335