الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هذا النوع. وهو واضح من ذكرهم لنظائره في مواضع أخرى. ووجهه أن الصحابيّ قد رأى قرائن الحال، وربما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم ألفاظاً تدل على اعتبار الظرف لم ينقلها إلينا. وهو عدل، فيقتضي أن الأمر كما قال. وخاصة إذا احتج به، أو أمر به.
ومع ذلك فهذه أمارة ضعيفة. ووجه ضعفها احتمال أن مراده بنقل الزمان أو المكان مجرد الإخبار، دون الاحتجاج. ولو وضح أنه يريد الاحتجاج، فذلك رأيه، وليس قوله حجة. وكونه رأى قرائن تدل على ذلك ليس إلا مجرد احتمال.
ثم إذا انضمت هذه الأمارة إلى التكرار قويت الدلالة على ذلك، ومثاله حديث جابر: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة، والعصر والشمس نقية، والمغرب إذا وجبت
…
والصبح كان يصليها بغلس" (1). يدل ذلك على أفضلية إيقاع الصلاة في هذه الأوقات.
ومثاله أيضاً حديث ابن عمر: "أنه صلى الله عليه وسلم كان يأتي مسجد قباء كلَّ سبت فيصلي فيه ركعتين"(2). وقد أيّد مشروعيته قوله تعالى: {لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحقُّ أن تقوم فيه} على القول بأن المراد بالمسجد في الآية مسجد قباء.
ما يعتبر من زمان الفعل النبوي ومكانه:
أما ما دل دليل خاص على اعتباره في التأسّي من الزمان أو المكان، فإنه يعتبر، اتفاقاً.
وما دل الدليل الخاص على إلغاء التأسّي فيه، فهو ملغى اتفاقاً.
وما لم يدل دليل خاص على اعتباره ولا على إلغائه فقد اختلف فيه على مذاهب:
المذهب الأول: أن الأصل عدم اعتبار الزمان ولا المكان. وهذا مذهب
(1) حديث جابر: متفق عليه.
(2)
البخاري 3/ 69
القاضي عبد الجبار الهمداني المعتزلي (1)، وتلميذه أبي الحسن، وابن الهمام الحنفي (2) والقاضي الباقلاني، والغزالي (3) والآمدي (4).
استدل عبد الجبار بأن اعتبارهما يؤدي إلى نقض التأسي وإبطاله، لأنه يقتضي أن المتأسي لا بد أن يفعل الفعل في الوقت نفسه الذي فعل فيه المتأسي به، وقد فات، فيؤدي إلى أن التأسي مستحيل.
وكذلك في المكان، إذ من المستحيل جمع الناس في مكان واحد، هو المكان الذي حصل فيه الفعل المتأسَّى به. فيؤدي ذلك إلى نقض التأسي وإبطاله وقد قال أبو الحسين (5) في إبطال هذا الاستدلال:"هذا إنما يمنع من اعتبار زمان معين، ولا يمنع من اعتبار مثل الزمان كما في صلاة الجمعة، ولا يمنع من اعتبار ذلك المكان في زمان آخر، ولا يمنع من اعتباره إذا كان المكان مستعاً كعرفة".
واحتج عبد الجبار بأن الواجب الاقتصار في صفات الفعل ومتعلقاته على أقل قدر، لأننا لو اعتبرنا الأكثر من الصفات لكان في ذلك التضييق الذي لا يقف عند حد، حتى يؤدي إلى امتناع التأسي، كما تقدم.
يقول عبد الجبار: "يلزم على ذلك أن يعتبر محل الفعل كما اعتبر المكان والوقت. وأن تعتبر الآلة. وأن تعتبر أعيان الأشخاص، حتى إذا أخذ صلى الله عليه وسلم الزكاة من العربيّ يعتبر النسب في ذلك وسائر الصفات. وهذا باطل. فلا بد إذن من اعتبار الأقل في ما يمكن معه التأسي، وإنما يقال بما زاد عليه لأجل الدليل الذي يقتضيه".
المذهب الثاني: أن الأصل اعتبار الزمان والمكان كليهما في التأسي. وإلى هذا ذهب أبو عبد الله البصري (*) كما نقله عنه أبو الحسن في المكان خاصة وسكت
(1) المغني 17/ 269
(2)
التحرير، وعليه التقرير والتحبير 2/ 303
(3)
أبو شامة: المحقق ق 39 أ
(4)
الإحكام 1/ 245
(5)
المعتمد 1/ 372
(*) أبو عبد الله البصري هو الحسين بن علي. أخذ عن ابن خلاد وعن أبي هاشم الجبائي وأبي الحسن الكرخي. له ترجمة في (المنية والأمل) لابن المرتضى اليماني ص 62
عن الزمان (1) ونقله الباقلاني عن قوم لم يسمهم (2).
المذهب الثالث: يعتبر المكان، ولا يعتبر الزمان. نقله أبو نصر القشيري (3) عن (قوم من الأصوليين) لم يسمهم، ولم يبين الوجه في تفريقهم بينهما.
ويمكن الاستدلال لاعتبار المكان بفعل ابن عمر وسالم ابنه، إذ كانا يتحريان الصلاة في المواضع التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم في أسفاره إلى مكة.
ولكن ذلك معارض بما ثبت عن عمر أنه رأى الناس يتبادرون إلى مكان فسأل عن ذلك، فقالوا: قد صلى النبي فيه صلى الله عليه وسلم. فقال: "من عرضت له الصلاة فليصلّ، وإلا فليمض، فإنما هلك أهل الكتاب لأنهم تتبعوا آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبيعاً"(4).
المذهب الرابع: اعتبار الزمان دون المكان. وإليه يميل ابن تيمية. فقد ذكر
عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا في مسجد الفتح ثلاثاً: يوم الاثنين، ويوم الثلاثاء، ويوم الأربعاء، فاستجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين فعرف البشر في وجهه. قال جابر: فلم ينزل بي أمر مهم غليظ إلا توخيت تلك الساعة، فأدعو فيها، فأعرف الإجابة. يقول ابن تيمية:"هذا الحديث يعمل به طائفة من أصحابنا وغيرهم، فيتحرون الدعاء في هذا الوقت، كما نقل عن جابر. ولم ينقل عن جابر أنه تحرى الدعاء في المكان، ولكن تحرى الزمان"(5).
رأينا في ذلك: الذي نراه ترجيح القول الأول، وهو أن الأصل عدم اعتبار الزمان والمكان في التأسّي، ما لم نعلم أنه مقصود ومتحرىًّ شرعاً.
(1) المعتمد 1/ 373
(2)
أبو شامة: المحقق ق 39 أ.
(3)
أبو شامة: المحقق 39 أ
(4)
ابن حجر: فتح الباري 1/ 569 وانظر أيضاً: ابن تيمية اقتضاء الصراط المستقيم ص 386
(5)
ابن تيمية: اقتضاء الصراط المستقيم ص 433
وترجيحه من وجوه:
الأول: ما تقدم عن القاضي عبد الجبار من أن اعتبارهما تضييق وتحجير في التأسّي. فينبغي إلغاؤهما ليتسع الحكم.
الثاني: أن الزمان والكان ظرفان للأفعال، ولا بد لكل فعل مهما كان، من أن يقع في زمان ومكان. ولا شك أن الذي يقصد اعتباره من ذلك هو الأقل، فيجب بيانه. ويبقى الأكثر وهو غير المعتبر.
الثالث: أن يقال: إن تخصيصنا للمكان أو الزمان بناء على أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل فيه، إما أن يكون لخاصية نشأت من إيقاعه صلى الله عليه وسلم العمل فيه وإما لخاصية موجودة فيه قبل أن يفعل فيه صلى الله عليه وسلم فعله.
فأما الاحتمال الأول فقد تقدم إبطاله في المطلب الخاص بسبب الفعل.
وأما الثاني وهو أن يكون في الظرف خاصيّة تقتضي تخصيصه بالعبادة، فلا يصح بناء الأحكام الشرعية عليه، لوجهين:
أولهما: أن احتمال وجود الخاصية المذكورة معارض باحتمال عدم وجود خاصية أصلاً، وأن وقوع الفعل في ذلك الظرف طرديٌّ محْض كتغيُّم السماء وصحوها، وخاصة إذا خلا من المناسبة، كما في عقد النكاح في شوال والدخول فيه.
وثانيهما: أن البناء على مجرد احتمال الخاصيّة لا يصلح ولا بد من بيان ذلك بالقول أو غيره. أما مجرد إيقاع الفعل في الظرف فلا يكفي بياناً، لما تقدم من أن الظرف ضروري للفعل من حيث هو فعل.
ولا تبنى الأحكام الشرعية إلا على علم أو ظن، ناشئ عن دليل.
فالقاعدة إذن عدم اعتبار المكان والزمان في التأسّي، إلا بدليل خاص يدل على ذلك. والله أعلم.