الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومنها في الجائزات: خُمس خُمسِ الغنيمة، وخمس الفيء، والوصال، والزيادة على أربع نسوة، وسقوط القسم بين زوجاته، والقتال بمكة.
الاستدلال بأفعاله صلى الله عليه وسلم الخاصة به في الأحكام المماثلة:
إذا ثبتت الخصوصية في فعل من أفعال النبي صلى الله عليه وسلم فإنها تقتضي أن حكم غيره ليس كحكمه وذلك إجماع (1)، إذ لو كان حكمه حكم غيره لما كان للاختصاص معنى.
ومن أجل ذلك كانت فائدة معرفة الخصائص معرفة أن حكم غيره صلى الله عليه وسلم ليس كحكمه فيها، ولئلا يقتدي بها جاهل إذا سمع الحديث مثلاً أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل كذا. هذا ما يذكره الفقهاء من فائدة معرفتها (2).
إلاّ أن المهم ثبوت الخصوصية بدليل صحيح، أعني بصحته صحة الثبوت، بالإضافة إلى صحة الدلالة على الخصوصية. وليس كل ما ذكره المؤلفون من الخصوصيات صحيحاً، كما تقدم. وقد تتبّع ابن حجر في (تلخيص الحبير)(3) ما ذكره الرافعي في شرح الوجيز من الخصائص، وهي التي يتناقلها الفقهاء، فزيّف أدلة بعضها كوجوب ركعتي الفجر، وبين عدم صحة دعوى الخصوص في بعض آخر، وأثبت أن الاشتراك أصحّ.
ثم إنه وإن امتنعت مشاركتنا للنبي صلى الله عليه وسلم في خصوصياته، فإن للاقتداء به فيها وجهاً واضحاً، فإنه إذا امتنع من أكل الثوم والبصل لكونهما محرمين عليه خاصة، فيتّجه أن يقال: إن من اقتدى به في الامتناع من ذلك يؤجر، ويكون في حقه مكروهاً، وإذا وجب عليه تخيير نسائه إذا بدا منهن الضيق، استُحِبَّ ذلك لغيره.
(1) انظر التقرير والتحبير 2/ 302، الآمدي: الأحكام 1/ 247
(2)
الرملي: نهاية المحتاج 6/ 174
(3)
تلخيص الحبير 3/ 117 وما بعدها.
وفي هذه المسألة للعلماء قولان:
القول الأول: ما قاله الشوكاني: "توقف إمام الحرمين (1) في أنه هل يمتنع التأسي به صلى الله عليه وسلم في ذلك أم لا. وقال: ليس عندنا نقل لفظي أو معنوي في أن الصحابة كانوا يقتدون في هذا النوع، ولم يتحقق عندنا ما يقتضي ذلك. فهذا محل التوقف"(2).
وقال أبو شامة: تابع القشيريّ والمازريّ إمامَ الحرمين على ذلك.
وقال الغزالي: ما عرف أنه خاصيته فلا يكون دليلاً في حق غيره (3).
أقول: وابن السبكي في جمع الجوامع وشارحه، وافقا الجويني على ما ذهب إليه، فقد ذكر ابن السبكي أن حكم الفعل المخصّص (واضح) وفسره المحلي بأننا (لسنا متعبدين به) وذكر البناني عن (شيخ الإسلام)(4) أن مرادهما أن الفعل الخاصّ لا يكون دليلَاً في حقنا، ولا يمتنع أن يكون الدليل شيئاً آخر كالقول مثلاً (5).
هذا وإن أكثر ما نُقِل من خصائصه صلى الله عليه وسلم بُيِّن الحكم فيه في حقنا بأدلة مستقلة، كاستحباب الضّحى والأضحى والوتر والتهجد في حقنا للأدلة القولية الواردة في ذلك. وتخيير المرأة الكارهة نوع من الإحسان، والإحسان مطلوب شرعاً.
وككراهية أخذ الزكاة والصدقة في حقنا، وكراهة أكل ما له ريح كريهة كالبصل والثوم.
ولعل الجويني ومن وافقه ذهبوا إلى ما ذهبوا إليه لهذا المعنى، فإن معرفتنا بكون هذه الأمور وأشباهها مستحبة لنا أو مكروهة إنما منشؤه الأدلة الخاصة الواردة
(1) يعني الجويني.
(2)
إرشاد الفحول ص 35
(3)
المستصفى 2/ 49
(4)
يعني الشيخ زكريا الأنصاري.
(5)
جمع الجوامع وشرحه وحاشية البناني 2/ 97
بذلك، وإنما الدليل الذي يدل على صحة القاعدة قول الشارع، أو الإقرار، أو عمل الصحابة، ولم يتحقق شيء من ذلك عند الجويني ومن تبعه.
والقول الثاني: ما قاله أبو شامة (1) فإنه يرى أن الاقتداء به صلى الله عليه وسلم ممنوع في ما أبيح له خاصة، لدلالة الخصوصية على امتناع ذلك في حق غيره.
وأن الاقتداء به صلى الله عليه وسلم على سبيل الاستحباب ثابت فيما فعله على سبيل الوجوب، وفي ترك ما تركه على سبيل الحرمة.
فيندب لنا على هذا القول: فعل ما فعله صلى الله عليه وسلم مما اختصّ به من الواجبات، ويندب لنا التنزه عما تركه مما اختصّ به من المحرمات.
فخصوصيته صلى الله عليه وسلم، على هذا القول، إنما هي في تحتم الفعل أو الترك بالنسبة إليه، والمشاركة بيننا وبينه هي في أصل مطلوبية الفعل أو الترك المقتضية للاستحباب أو الكراهة، وتمتنع المشاركة في ما زاد على ذلك وهو تحتّم الفعل أو الترك، لدلالة الخصوصية على هذا الامتناع.
وقال أبو شامة: إن ما ذكره "لا نزاع فيه لمن فهم الفقه وقواعده، ومارس أدلة الشرع ومعاقده ومعانيه".
وقد نقل الشوكاني بعض كلام أبي شامة، ووافقه على ما ذهب إليه (2). ونقله قبله الزركشي في البحر وأقرَّه.
إلاّ أن الشوكاني قيّد هذه المسألة بأنه إذا علم بدليل قوي الحكم في حقنا فهو المعتمد، فإن عارض القول ما يستفاد من هذه القاعدة يقدَّم الدليل القولي.
ويفهم من كلام أبي شامة أنه يدلل لقوله بوجهين:
الأول: البناء على القواعد الشرعية. ولم يبيّن القاعدة التي يشير إليها. ولعله يعني أن ما أمر به صلى الله عليه وسلم لا بد أن يكون مصلحة، وذلك يعني أنه في حقّنا كذلك
(1) انظر كتابه (المحقق) ق 5 أ
(2)
إرشاد الفحول ص 35، 36 وفي كلام الشوكاني هنا خفاء، ومآله إلى ما ذكرنا.
مصلحة، فيكون مستحباً. وإن ما نهى عنه لا بد أن يكون مفسدة، فيكون في حقنا مكروهاً. وامتنع التحتّم الذي هو الإيجاب والتحريم بدليل الخصوصية.
فإن كان هذا مقصوده، فلا يسلّم له، إذ قد يكون الشيء مصلحة لشخص ولا يكون مصلحة لآخر، كالصوم، هو مصلحة للطاهر، وليس مصلحة للحائض، وكالقصر هو مصلحة للمسافر، وليس مصلحة للمقيم. وهكذا يقال في جانب المفسدة.
الثاني: أنه قد ورد عن الصحابة الاقتداء به صلى الله عليه وسلم في الفعل الخاص. ومن ذلك أن ابن عباس ائتم بالنبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الليل. وقد امتنع النبي صلى الله عليه وسلم من أكل طعام في منزل أبي أيوب الأنصاري، كان فيه ثوم، فقال أبو أيوب:"إني أكره ما تكره" ولم ينكر ذلك عليه، صلى الله عليه وسلم (1).
وهذا أيضاً غير مسلّم، أما ائتمام ابن عباس بالنبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الليل، فإن استحباب صلاة الليل معلوم بدلالة الكتاب والسنة القولية كما لا يخفى، فلا يكون دليلاً في المسألة.
وأما قول أبي أيوب: "فإني أكره ما تكره". فهو محمول على أنه للكراهة الطبيعية، لا للكراهة الشرعية.
وبذلك لا يثبت دليل القاعدة، الذي أراد أبو شامة رحمه الله إثباتها له.
إلاّ أننا نرى أن استقراء الخصائص الواجبة والمحرمة (وعددها ما بين خمس وثلاثين عند السيوطي إلى تسع عشرة كما عدَّها الرملي والقرطبي) يُظهر أن هذه القاعدة صادقة على جميع هذه الجزئيات. ما عدا تحريم الكتابة والشعر (2) عليه صلى الله عليه وسلم
(1) رواه مسلم (جامع الأصول 8/ 283)
(2)
من عدهما كذلك السيوطي (الخصائص 3/ 271) ونقله عن النووي في الروضة. وقد أغفلهما الرملي.