الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يتصدق. وكذلك التسوية بين أهل الطريقين، فقد يكون أحد الطريقين لا ساكن به. وأما إذا قلنا: سببه تحصيل الفضيلة بأبعد الطريقين، فذلك يقتضي أن لو رجع أيضاً في الطريق الأبعد لحصل الاقتداء. وإن قلنا: المعنى أن يشهد له الطريقان، فذلك باقٍ لا يتصور زواله.
ولكن إذا دار الفعل بين احتمالات كلها باقية فذلك يتأسّى به قطعاً ولا مجال للتردد، لحصول المصلحة قطعاً.
وكذلك إن دار بين احتمالات كلها زائلة بالنسبة إلى المقتدي، فلا يكون الفعل بالنسبة إليه من هذا القسم، بل من القسم السابق وهو ما زال حكمه. والله أعلم.
استدراك آخر:
ما تقدم اختياره في أفعال هذا القسم هو ما كان الأصل في الفعل الإباحة، والسبب يقتضي فيه الاستحباب أو الوجوب، لولا ذلك السبب لكان من المباح. فيصح أن يقال حينئذٍ: يقتدى بفعله صلى الله عليه وسلم وإن جهل السبب.
أما إن كان أصل الفعل التحريم أو الكراهة والسبب يقتضي الإباحة أو غيرها، فإنه إن جهل السبب لم يصح الاقتداء. ومثال ذلك الرخصة التي تبيح المحرّم. فلو أنه صلى الله عليه وسلم أفطر في رمضان لسبب لا ندري ما هو، لم يصح الاقتداء به، وكذلك لو عاقب إنساناً لسبب لم ندره.
وحاصل هذه القاعدة، أن ما كان الأصل فيه المنع، فلا ننتقل عن هذا الأصل إذا صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم فعل خارج عن ذلك لسبب لم يعلم.
وشبيه بذلك في الاستدلال بالأقوال، أن بَرِيرَةَ كانت أَمَةً مملوكة كاتَبَها أهلها، فأرادت عائشة أن تشتريها لتعتقها، وأراد أهلها أن يشترطوا أن يكون لهم ولاؤها بعد عتقها. وذكرت عائشة ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال:"اشتريها وأعتقيها واشترطي لهم الولاء، فإن الولاء لمن أعتق"(1).
(1) رواه مسلم 10/ 144 والبخاري ومالك في الموطأ.
فليس لغيره صلى الله عليه وسلم أن يشترط للبائعين شرطاً لهم فيه مصلحة وهو يعلم أنه لا يلزمه شرعاً، ويزعم أنه فعله بناء على إذنه صلى الله عليه وسلم في ذلك، لما في ذلك من المخادعة الممنوعة شرعاً.
فإن علم السبب جاز. والسبب على ما ذكره الشافعي في الأم (1) وما رجحه ابن القيم (2): استحقاقهم للعقوبة، جزاء على إقدامهم على مخالفة الشريعة، وهم يعلمون حكمها القاضي بأن "الولاء لمن أعتق" فمن اقتدى به عند حصول مثل هذا السبب جاز. والله أعلم.
(1) فتح الباري 5/ 191
(2)
إعلام الموقعين 4/ 338