الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تركه قصداً فيدل على عدم وجوبه، ويحتمل أنه تركه نسياناً فلا يدلّ على ذلك. وقد بُيّن هذا الإجمال بفعل آخر، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد للسهو في آخر صلاته. فدلّ على أن تركه كان عن نسيان.
ويمكن حصر وجوه الإجمال في دلالة الفعل فيما يلي:
أولاً: أنه قد يدور حكمه بين الاختصاص بفاعله، كما في الخصائص النبويّة، وبيّن أن يكون عامّاً له وللأمة. وكذا الاختصاص بالمكان والزمان والحال التي فعل فيها وبين سائر الأمكنة والأزمنة والأحوال.
ثانياً: أنه قد يدور حكمه بين الوجوب والندب والإباحة كما سيأتي في الفصل التالي إن شاء الله.
ثالثاً: أنه قد يدور بين أن يكون مقصوداً به التعبّد والتشريع، وبين أن يفعل على حد الإباحة العقلية.
رابعاً: أنه حتى لو كان مقصوداً به التشريع، يدور بين أن يكون بياناً لمجمل معين أو لا يكون بياناً له.
خامساً: أنه قد يدور بين الارتباط بسبب معين وبين عدم الارتباط به، كالخروج في صلاة العيد إلى المصلى في الصحراء، هل كان لعذر ضيق المسجد فلا يسنّ إلا عند الضيق، أو لم يكن لذلك فيسن مطلقاً.
وظائف البيان:
قسّم الأصوليون البيان من حيث الوظيفة التي يمكن أن يؤديها أربعة أقسام، التقرير، والتفسير، والتغيير، والتبديل (1).
(1) يقسم الحنفية البيان إلى خمسة أقسام: هذه الأربعة، وبيان الضرورة. ونحن لم نذكر بيان الضرورة، لأنه لا يخرج في وظيفته عن الأربعة، وإنما سمي بيان الضرورة بالنظر إلى سببه لا وإلى وظيفته فلم نتعرض لذكره.
النوع الأول: بيان التقرير، ومعناه تأكيد الكلام بما يقطع احتمال المجاز، إن كان المراد بالكلام المؤكَّد حقيقته، وبما يقطع احتمال الخصوص إن كان المؤكّد عاماً. فمن الأول قوله تعالى:{ولا طائر يطير بجناحيه} (1) فقوله: {بجناحيه} بيان يقرر أن المراد بالطائر حقيقته، وهي الطائر المعروف كالحمام والعصافير مثلاً، لا مجازه كالبريد مثلاً.
ومن الثاني: {فسجد الملائكة كلهم أجمعون} (2) فقوله: {كلهم أجمعون} بيان يقرر ويؤكد أن المراد بلفظ: {الملائكة} عمومه، وأن الخصوص ليس هو المراد.
النوع الثاني: بيان التفسير. وهو بيان ما كان غير واضح الدلالة، سواء أكان خفاء الدلالة فيه راجعاً إلى الجهل بأصل الوضع وهو الغريب، أو إلى تعدد الوضع وهو المشترك، أو إلى أمر عرض عند استعمال اللفظ وارتباطه بغيره من أجزاء الكلام، أو عند تطبيقه على بعض الصور.
فمن بيان التفسير قوله تعالى: {إن الإنسان خُلِق هلوعاً * إذا مسّه الشر جزوعاً * وإذا مسّه الخير منوعاً} فإن الهلوع لفظ غريب، وقد فسرته الآيتان بعده.
ومنه قوله تعالى: {والمطلقات يتربّصن بأنفسهن ثلاثة قروء} فإن القرء دائر بين الطهر والحيضة، وقد بُيِّن بقول النبي صلى الله عليه وسلم:"طلاق الأمة طلقتان، وعدتها حيضتان"(3) فبيّن أن القرء الحيضة.
ومنه قوله تعالى: {إلاّ أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} فإن الموصول {الذي} يحتمل أن المراد به الزوج أو الولي. وورد في حديث الدارقطني: "وليّ عقدة النكاح الزوج"(4).
(1) سورة الأنعام: آية 38
(2)
سورة الحجر: آية 30
(3)
رواه أبو داود والترمذي والحاكم (الفتح الكبير).
(4)
انظر تفسير القرطبي 3/ 206