الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
واجتمعت كلمة أهل مكة على الإسلام، لم يترك المسلمون الرَّمَل ولم يُعْلم خلاف بين أهل العلم في سنيته (1). والاضطباع سنّة كذلك عند الجمهور، وخالف فيه الإمام مالك. وعندما حجّ عمر بن الخطاب، وأتى المطاف، قال:"ما لنا وللرمل، إنما كنّا راعينا به المشركين"(2) ثم قال: "شيء فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا نحبّ أن نتركه". وفي رواية أبي داود: قال عمر بن الخطاب: "فيم الرَّمَلان والكشف عن المناكب وقد أطّأ الله الإسلام، ونفى الكفر وأهله؟ مع ذلك لا ندع شيئاً كنا نفعله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم". وذلك يدل على المطلوب.
وقد نقل السبكي في قواعده (3) القولين، ومثّل للمسألة برجوعه صلى الله عليه وسلم في صلاة العيد في طريقٍ آخر. ثم ذكر المعاني المحتملة لذلك، ثم قال:"إن رجح معنىً مما ذكر، فمن وجد فيه ذلك المعنى كان مستحبّاً في حقه، ومن لم يوجد فيه فوجهان، والأصح الاستحباب".
وهذا من السبكي يقتضي ترجيح القول الثاني، وهو قول ابن أبي هريرة أن الفعل النبوي يقتدى به، ولا يعتبر السبب.
رأينا في هذه المسألة:
الذي نراه ترجيح القول الأول، وهو أن الفعل إذا زال سببه، فلا يتّبع، لأن الفعل الذي فُعِل لغرض، إنما يكون اتباعه لتحصيل ذلك الغرض. فإن علم أنه لا يحصل، فإن فعل مثله لا يكون اتباعاً وتأسيِّاً، وإنما يكون غفلة ومخالفة.
وأيضاً فإن السببية حكم شرعي، فإن كان الشيء مما لا يفعل إلا عند السبب لم يجز فعله بعد زوال السبب.
ونستدل لذلك أيضاً بأن النبي صلى الله عليه وسلم خلع نعليه في الصلاة فخلعوا نعالهم. فلما سلم قال لهم: "لم خلعتم نعالكم؟ " قالوا: رأيناك خلعت نعليك فخلعنا
(1) ابن قدامة: المغني 3/ 373
(2)
جامع الأصول 4/ 12
(3)
قواعد السبكي ق 115، أ، ب.
نعالنا. قال: "إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما أذىً. فإذا جاء أحدكم المسجد فلينظر في نعليه، فإن وجد فيهما أذىً أو قذراً فليمسحه، وليصلِّ فيهما". فلم يصرْ خلع النعال في الصلاة سنة بخلع النبي صلى الله عليه وسلم لنعليه، إلا أن يكون عند وجود الأذى فيهما. أما إذا زال ذلك المعنى فلا، كما يشير إليه الحديث.
فإن قيل: فما وجه استمرار الرمل والاضطباع سنة، حتى بعد أن انقضى السبب؟.
فالجواب: أن هذا نوع من الأفعال غير ما تقدم ذكره. وذلك أن الشرع دل على أنه يراد لهذا الفعل أن يكون صفة من صفات الطواف، مشروعة فيه.
وإيضاح ذلك، أن أفعال الحج مثلاً، كثير منها اتُّخذت فيه أفعال وأحوال متقدمة، من أيام إبرا هيم عليه الصلاة والسلام وأسرته، وقعت منهم، فاتُّخذت نموذجاً وضعت على مثاله أفعال الحج.
ولنعتبر ذلك بالسّعْيِ بين الصفا والمروة. فأصله سعي أم إسماعيل بينهما، لتطلب الماء لابنها الذي تركته يضغُو عند زمزم. فعلت ذلك سبعاً، وقد هرولت في المنخفَض الذي هو بطن الوادي. فوُضِع السعي على مثال ذلك، وجعل جزءاً من أجزاء الحج. يقول ابن عباس مشيراً إلى هذه القصة، كما روى عنه البخاري، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"فذلك سعي الناس بينهما"(1).
وكذلك تضحية إبراهيم بالكبش اتخذت أساساً لمشروعية الهدي. وقد أمرنا باتخاذ مقامه مصلى.
وهذه الأفعال أبقيت في العبادات مستمرة دائمة، كما تبقى الأمم بعض الآثار الحسية المشاهدة، لتدلها على عظمة أسلافها السابقين، ولتكون ذكراها ماثلة أمام الأبناء، تثيرهم نحو التضحية والفداء، والاقتداء بسابقيهم من المعظّمين. فهذه آثار من الحجارة والطين، وتلك آثار من التفاني في طاعة الله.
(1) البخاري بشرحه فتح الباري ط الحلبي 7/ 209
يقول ابن دقيق العيد في شأن بقاء الرمل والاضطباع ونحوهما مما بقي من الأحكام بعد زوال سببه:
في ذلك من الحكمة تذكر الوقائع الماضية للسلف الكرام. وفي طيّ تذكرها مصالح دينية. إذ يتبين في أثناء كثير منها ما كانوا عليه من امتثال أمر الله، والمبادرة إليه، وبذل الأنفس في ذلك. وبهذه النكتة يظهر لنا أن كثيراً من الأعمال التي وقعت في الحجّ، ويقال بأنها (تعبد)، ليست كما قيل. ألا ترى أنّا إذا فعلناها وتذكّرنا أسبابها، حصل لنا من ذلك تعظيم الأولين، وما كانوا عليه من احتمال المشاق في امتثال أمر الله، فكان هذا التذكّر باعثاً لنا على مثل ذلك، ومقرِّراً في أنفسنا تعظيم الأولين. وذلك معنى معقول" (1). اهـ.
ثم ذكر أن السعي بين الصفا والمروة اقتداء "بفعل هاجر، وأن رمي الجمار سببه فعلُ إبراهيم، إذ رمى إبليس بالجمار في هذا الموضع". اهـ.
فالذي نقوله إذن في فعله صلى الله عليه وسلم الرمَل والاضطباع، إنه اتخذ أساساً، وضعت العبادة على مثاله.
فإن قيل: هذا يدل على أن أفعاله صلى الله عليه وسلم يقتدي بها حتى بعد زوال السبب.
فالجواب: إن ما جعل منها مثالاً هو الذي يتبع. كالرمل والاضطباع، دون ما لم يجعل مثالاً، كحمل السيوف مثلاً، أو قعقعة السلاح، أو غير ذلك. والفرق بين النوعين أن الأول وضعته الشريعة أسلوباً للعبادة، ولم تضع الثاني. وإن كان هذا الثاني مستحبّاً عند وجود سببه وهو إخافة المشركين. لكن لم تجعله الشريعة جزءاً من عبادة الحج. ولو جعلته لصار منها.
والحاصل، أن الفعل النبوي إذا فعل لسبب، ثم زال السبب، فإنه لا يقتدى به إلا بدليل يدل على ذلك، وهو قول أبي إسحاق المروزيّ المتقدم ذكره. والله أعلى وأعلم.
(1) الإحكام 2/ 75