الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وليست كل السنة البيانية صادرة عن اجتهاد. بل إن من المتفق عليه أن جزءاً كبيراً منها موحىً به، فيدخل في قسم الوحي السابق الذكر. ومنها تبيين جبريل لمواقيت الصلاة.
الثاني: الاجتهاد القياسي، بقياس غير المنصوص على المنصوص، فيلحق الفروع بالأصول بناء على الاشتراك في العلل.
الثالث: الاجتهاد في الأمر الواقع بما يراه دون الرجوع إلى نص معين. وهي المسماة بمسألة التفويض.
ونحن نعود إلى هذه الأنواع، واحداً واحداً، فنبين مذاهب العلماء فيها، وأدلة المثبتين والنفاة (1).
النوع الأول: الاجتهاد البياني:
ولا يقال هنا أن تفسير النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن هو عمل بالقرآن، فكيف يكون زائداً عنه حتى يقال إنه بالاجتهاد؟.
لأنه لما أمر الله تعالى بالسجود مثلاً، لم يبيّن أن الساجد يسجد على الأعضاء السبعة. فذلك ليس في القرآن، بل هو تفسير له، زائد عليه.
ومن هذا النوع رؤيته صلى الله عليه وسلم تفاصيل كيفيات العمل في كثير ممّا أوحي إليه مجملاً، من الزكاة والصوم والحج وغير ذلك، وأسباب ذلك شروطه، مما لم يفصله الوحي الظاهر.
ومنه رؤيته انطباق العمومات الواردة في القرآن على أشياء معينة، فيحكم عليها بحكم العام الوارد في القرآن. ولعل من ذلك أنه صلى الله عليه وسلم:"نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير"(2). "وعن أكل لحوم الحمر
(1) يراجع لاستيفاء هذا البحث: أبواب الاجتهاد من كتب الأصول المشهورة، وأيضاً: عبد الجليل عيسى: اجتهاد الرسول، نشر بالكويت.
(2)
رواه مسلم وأبو داود والنسائي (جامع الأصول 8/ 288).
الأهليّة (1)، وقال: إنها ركس" (2). وقال في القنفذ: "إنه خبيثٌ من الخبائث" (3). فالظاهر أن ذلك كان باجتهاد منه، ومن الممكن أنه صلى الله عليه وسلم رآها داخلة في قوله تعالى:{ويحرم عليهم الخبائث} (4).
ومنه رؤيته صلى الله عليه وسلم الأمر المسكوت عنه، الدائر بين أصلين، أنه أقرب إلى أحدهما من الآخر، فيعطيه حكمه. كما في ميراث البنتين. قال الله تعالى:{فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك، وإن كانت واحدة فلها النصف} (5) وسكت عن الاثنتين. فألحق صلى الله عليه وسلم الاثنتين بما فوق الاثنتين فجعل لهما الثلثين. كما في قصة ابنتي سعد بن الربيع حين قال لعمهما: "أعط ابنتي سعد الثلثين".
وحرّم الله عز وجل الميتة، وأحلّ المذكاة، فدار جنين المذكاة بين الطرفين، فحكم صلى الله عليه وسلم بأن ذكاة أمه ذكاة له، بقوله:"ذكاة الجنين ذكاة أمّه".
ومنه معرفة أن إحدى الآيتين مخصصة للأخرى دون العكس. كما في حديث البخاري عن أبي سعيد بن المعلَّى أنه قال: "كنت أصلّي في المسجد. فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلم أجبه، فقلت يا رسول الله، كنت أصلي. فقال ألم يقل الله عز وجل: {استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم} قلت: بلى"(6). فيظهر أن أبا سعيد كان يظن آية {وقوموا لله قانتين} مقدمة في موضع التعارض على الآية التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم، فبيّن له النبي صلى الله عليه وسلم أن العكس هو الصواب.
فهذا النوع من الاجتهاد قريب، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أفصح العرب وأعلمهم بكلامهم، وكان نظره ثاقباً، وفكره وقّاداً، وقد أمر باتباع ما أنزل إليه من ربه. ورعاية ربه فوقه، إن أخطأ صوّبه، وإن لم يصحح له يتبين أنه قد عمل بالصواب.
(1) انظر الشاطبي: الموافقات 4/ 33 - حيث ذكر أمثلة لهذا النوع.
(2)
رواه النسائي. وأصل النهي عنها عند البخاري ومسلم (جامع الأصول 8/ 290).
(3)
رواه أبو داود (جامع الأصول 8/ 272) وإسناده ليس بقوي.
(4)
سورة الأعراف: آية 157
(5)
سورة النساء: آية 11
(6)
البخاري 8/ 156 ورواه الترمذي وغيره بسياق آخر.
وبعض المجيزين لاجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم يمنع اجتهاده في هذا، ويرى أن هذا النوع لا يكون إلا بوحي ظاهر، ففي تيسير التحرير (1) ما يلي:
" (وهو) أي الاجتهاد (في حقه) صلى الله عليه وسلم (يخصّ القياس، بخلاف غيره) من المجتهدين
…
أما في القياس فظاهر، وأما في غيره (ففي دلالات الألفاظ) وفي (البحث عن مخصص العام، والمراد من المشترك، وباقيها) أي باقي الأقسام التي في دلالتها خفاء، من المجمل وأخواته، ...... وكل ذلك ظاهر عنده صلى الله عليه وسلم لا يحتاج إلى نظر وفكر" اهـ.
فهو يجيز الاجتهاد القياسي، كما سيأتي في النوع الثاني، وأما في هذا النوع فهو يرى أن ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك هو حكم بالوحي. ولهذا أوجه:
الأول: أن يكون كل ذلك بوحي خاص من الله تعالى.
الثاني: أن يكون إلهاماً منه تعالى، لأجل توضيح مراده بكلامه.
الثالث: أن يقال كان ذلك من أثر نفاذ البصيرة، وسلامة الإدراك. فهو وضاح عنده لأجل ذلك، لا يحتاج إلى اجتهاد.
وظاهر قوله تعالى: {إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه * ثم إن علينا بيانه} (2) يؤيد هذا القول (3)، إذ إن الله تعالى جعل على نفسه أن يبيّنه لنبيه صلى الله عليه وسلم.
(1) 4/ 183
(2)
من سورة القيامة.
(3)
حكى الآمدي (3/ 43، 44) عن بعضهم احتمالاً في آية (ثم إن علينا بيانه) إن المراد ببيان القرآن إظهاره وهو على وفق الظاهر، دون أن يكون المراد بيان المجمل والخصوص والتقييد الخ.
وقد أقر الآمدي هذا الاحتمال، ومنع دلالة الآية على ما ذكرنا.
وعندي أن حمل الآية على ذلك تأويل مردود، لأن الظاهر أن البيان إنما هو لما في المراد به خفاء، ويؤيده أنه عطف البيان بـ (ثم) على الجمع والقرآن، فهو إذن شيء آخر، فيتعين أنه بيان المجمل ونحوه.