الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الخامس هَيئَة الفعل
قد قال البلاقاني في هيئة الفعل كلمة تناقلها من بعده كالغزالي وأبي شامة والزركشي (1). وهي أن ما يقتدى به من الأفعال النبوية تتبع هيئته. يقول الغزالي: "إن قيل: إن فعَلَ (النبي صلى الله عليه وسلم) فعلا، وكان بياناً، ووقع في زمان ومكان وعلى هيئة، فهل يتبع الزمان والمكان والهيئة؟ قيل: أما الهيئة والكيفية فنعم، وأما الزمان والمكان فلا مدخل له إلا أن يكون لائقاً به بدليل".
ولم يبينوا لنا ما الهيئة التي يشيرون إليها. ولا أنها تتبع وجوباً أو استحباباً.
ويظهر أن المقصود بالهيئة أن يتركب الفعل من أجزاء ذات أوضاع خاصة، مع الأخذ في الاعتبار كيفية ترتّب تلك الأجزاء بموقع بعضها من بعض.
فإن كان هذا هو المراد، فأوضح ما يمثل به لذلك هيئة الصلاة من كونها ذات قيام بعده ركوع بعده رفع ثم سجودانِ بينهما جلسة إلى آخر ما يذكر في صفة الصلاة.
ولكن هذا الأمر، وهو اتباع الهيئة، هو في الصلاة واضح لا إشكال فيه، وذلك لأن لها هيئة اجتماعية علمت من قرائن كثيرة، وإشارات في الكتاب والسنة، هي دليل الترتيب.
أما ما لم يكن كذلك من الأفعال فهل تتبع هيئته أيضاً؟.
(1) انظر: المستصفى 2/ 52. المحقق 39 أ. البحر المحيط 2/ 252 أ.
والذي نقوله إن إتباع الهيئة، إذا لم يُدَلّ عليها إلا بالفعل النبويّ المجرد، لا يزيد عن أن يكون مستحباً.
فأما إن كان الفعل بياناً لهيئة مأمور بها فيدل على وجوب تلك الهيئة، وذلك كما أن الله أمر بالسجود، فعلّمنا النبي صلى الله عليه وسلم السجود بهيئته المطلوبة التي يتحقق بها كونه سجوداً. لكن ما خرج عن تبين حقيقة السجود من الهيئات، كالتّخْوِيَة، وضمِّ الأصابع، وتوجيهها إلى القبلة، فيكون مستحبّاً لا غير، أخذ من قاعدة الفعل المجرد الذي ظهر فيه قصد القربة، فهي وإن كانت من أجزاء الصلاة، إلا أنها في ذاتها أفعال يراد بها القربة، إذ إنها تعين على الخشوع واستحضار التوجه إلى الله.
وكذلك هيئة الطواف. فقد تبين بفعله صلى الله عليه وسلم وجوب البدء من عند الحجر الأسود، وجعل البيت عن يساره وهذا ما يتحقق به كون الفعل طوافاً. وأما ما زاد عن ذلك كالرمل بين الركنين والاضطباع، والأذكار، فهي أمور خارجة عن حقيقة الطواف، فتكون من قبيل الأفعال المجردة، ويقتدى بها استحباباً إن وضح أن المراد بها القربة.