الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني الفعل العادي
كثيراً ما يقصد بالأمور (العادية) في كلام الأصولين والفقهاء ما سوى الأمور العبادية. فيدخل فيه المعاملات والآداب والأمور الجبليّة وغيرها.
ونحن نقصد بالفعل (العاديّ) في هذا المبحث أمراً أخص من ذلك، فمقصودنا به ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم جرياً على عادة قومه ومألوفهم. مما يدل دليل على ارتباطه بالشرع، كبعض الأمور التي تتصل بالعناية بالبدن، أو العوائد الجارية بين الأقوام في المناسبات الحيوية، كالزواج والولادة والوفاة.
ومن أمثلتها أنه صلى الله عليه وسلم لبس المِرْط المُرَحّل، والمخَطّط، والجبّة، والعمامة، والقباء. وأطال شعره، واستعمل القرب الجلديّة في خزن الماء، وكان يكتحل، ويستعمل الطيب والعطور.
وأيضاً كانت العروس تزف إليه في بيته، لا في بيت أبيها كما هي عادة بعض البلاد الإسلامية الآن، ودَفَن الموتى في قبور محفورة في التراب دون المبنية بالحجارة أو غيرها.
وحكم هذه الأمور العاديّة وأمثالها، كنظائرها من الأفعال الجبليّة، والأصل فيها جميعاً أنها تدل على الإباحة لا غير، إلا في حالين:
1 -
أن يرد قول يأمر بها أو يرغّب فيها، فيظهر أنها حينئذ تكون شرعية.
2 -
أن يظهر ارتباطها بالشرع بقرينة غير قوليّة. كتوجيه الميت في قبره إلى القبلة، فإن ارتباط ذلك بالشرع لا خفاء به.
ومن هنا يتبيّن أن قول بعض المتأخرين، كالشيخ محمد أبي زهرة (1) رحمه الله، بأن إعفاء النبي صلى الله عليه وسلم لحيته، وتقصير شاربيه، كان أمراً عاديّاً وليس شرعياً، هو قولٌ يخرج عما يقتضيه العمل بالأدلة، وذلك لورود القول الآمر، ولأنه صلى الله عليه وسلم علّقه بأمر شرعي هو مخالفة أعداء الدين. أعني قوله صلى الله عليه وسلم:"خالفوا المشركين، وفّروا اللحى وأحفوا الشوارب"(2). وفي رواية: "خالفوا المجوس".
(1) قال الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه (أصول الفقه ص 109): "كثيرون على أنه -يعني إعفاء اللحية- من السنة المتبعة، وزكوا ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قصوا الشارب، وأعفوا اللحى". فقالوا: إن هذا دليل على أن إبقاء اللحية لم يكن عادة، بل كان من قبيل الحكم الشرعي. والذين قالوا إنه من قبيل العادة قرروا أن النهي الذي [كذا بالأصل] لا يفيد اللزوم بالإجماع، وهو معلل بمنع التشبه باليهود والأعاجم، الذين كانوا يطيلون شواربهم ويحلقون لحاهم. وهذا يزكي أنه من قبيل العادة، وذلك ما نختاره". اهـ.
ونحن نقول إن تعليله صلى الله عليه وسلم بمخالفة اليهود والأعاجم هو الذي يدل على كونه شرعياً، لأن مخالفتهم مقصد شرعي معتبر، كما في القبلة. وانظر:(اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم) لابن تيمية ففيه البيان الشافي.
(2)
متفق عليه (جامع الأصول 5/ 428)