الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويعتمد نظام التدريب الخلقيّ على العناصر الثلاثة المتضمنة فيه، وهي: تعليم المفاهيم الأخلاقية، وعقاب السلوك الخاطئ المتعَمَّد، وإثابة السلوك الصائب، مع شيءٍ من التعديل يلائم الحاجات النمائية لأطفال هذه المرحلة. فالتعليم يجب أن يهتم بشرح الأسباب التي تؤدي إلى الحكم على بعض صور السلوك بأنها مقبولة أو مرفوضة، وطبيعة المكافأة أو الإثابة يجب أن تتفق مع المستوى العمريّ والنمائيّ للطفل، فمكافآت المرحلة السابقة قد لا تصلح مع طفل المدرسة الابتدائية، وتكون الغلبة للمكافآت اللفظية بدلًا من المكافآت المادية التي تصلح لمرحلة الطفولة المبكرة، وينطبق هذا المبدأ على أساليب العقاب، ومع ذلك، فإن من الملاحظ أن العقاب البدنيّ أكثر شيوعًا في المستويات الاقتصادية الاجتماعية الدنيا، وهو أسلوب أقل فعالية في تكوين الضمير أو الضبط الداخلي، أما الأطفال الذين يعاقبون لفظيًّا فإنهم لا يلجأون إلى أسلوب كبش الفداء؛ كالذين يعاقبون بدنيًّا، وقد يعانون من مشاعر الذنب والعار التي تُعَدُّ بداية تكوين الضمير.
نموّ الشخصية:
الأزمة الجوهرية التي يواجها الطفل في طور التمييز "طور المرحلة الابتدائية" هي تلك التي يسميها إريك إريكسون: أزمة الإنجاز والكفاءة في مقابل الشعور بالنقص، ولعلنا نذكِّرُ القارئ بأن هذا الطور هو الذي يقابل ما يسميه فرويد:"مرحلة الكمون"؛ فالطفل في هذا الطور يريد أن ينشغل بأنشطة كثيرة تحظى بانتباهه واهتمامه، كما يريد أن يمارسها مع أقرانه، ويرى إريكسون أن أطفال المدرسة الابتدائية يحتاجون إلى بعض اللعب واللعب الإيهامي، كما أنهم يستمتعون بهذا النشاط، ولكنهم يشعرون بعدم الرضا إذا بُولِغَ في هذا النشاط، ويرغبون في القيام بعمل "مفيد". إنهم يودون الحصول على التقدير من خلال إنتاج شيءٍ ما، وإحراز الرضا من خلال إكمال عملٍ ما بمثابرة واضحة، ومعنى ذلك: أن الطفل يجب أن يصبح قادرًا على القيام بالأعمال وصنع الأشياء بدرجة كافية من الجودة قد تصل إلى حَدِّ الكمال كما يراه، فإذا لم يشعر بالإنجاز فإن ذلك يقوده إلى تنمية مشاعر النقص وعدم الكفاءة، ومسئولية المعلمين في هذه المرحلة هي تهيئة خبرات نجاحٍ لكل طفل، ويَتَطَلَّبُ ذلك معرفة إمكاناته والتحكم في بيئته، إلّا أنّ ما يحذر منه إريكسون أن يصبح الإنجاز غاية في ذاته، إنه حينئذ يصبح معوقًا للنمو اللاحق للفرد.
ولهذا فإنه لو استطاع الكبار أن يقدموا للطفل بعض الأعمال والمهام التي يستطيع إنجازها، والتي يعتبرها جذابة وذات قيمة، ولو استطاع الكبار أن يقدموا له
التوجيه اللازم لإكمال الأعمال وإتقانها، تكون لديه فرصة أفضل للخروج من مرحلة الكمون بشعور صحيٍّ بالكفاءة والمهارة، إلا أن الطفل الذي لم يحل حلًّا مناسبًا الأزمة السابقة، أو الطفل الذي لم تهيؤه أسرته جيدًا لحياة المدرسة، فإن هذه المرحلة تُحْدِثُ فيه شعورًا عكسيًّا، أي: الشعور بالعجز والنقص وعدم الكفاءة. وتنشأ مشاعر النقص أيضًا إذا كان ما تعلمه الطفل وأتقنه يعتبره المعلمون والأقران في الفصل غير ذي أهمية وقيمة.
وعلى الرغم من أن هذا التحدي يُعَدُّ الاهتمام الرئيسي للأطفال خلال هذه المرحلة، فإنه توجد مهام نمائية إضافية تتم فيها أيضًا، وهذه المهام تؤدي إلى استكمال الشعور النامي بالذات، وإنجاز هذه المهام يعين على تنمية مفهومٍ صحيحٍ للذات.
والشعور بالواجب والإنجاز والدأب الذي يتحدث عنه إريكسون، هو نتيجة للخبرات الناجحة التي يمر بها طفل هذه المرحلة، وهذا الاتجاه يمكن وصفه بطرق مختلفة منها ما يلي:
أ- اتجاه موجب نحو العمل.
ب- إتقان المهارات العقلية أو الاجتماعية التي تتوقع الثقافة من الأطفال في هذا السن أن يكتسبوها.
جـ- القدرة النامية على تحمُّل الشخص لمسئوليات أفعاله وسلوكه.
وباتساع العالم الاجتماعي للطفل بدخوله المدرسة، تبدأ عوامل لها أهميتها في التأثير على نموّ شخصيته؛ فمفهومه للذات يصبح في حاجةٍ إلى التعديل، لقد كان الطفل طوال الفترة السابقة من حياته يرى نفسه من خلال والديه فقط، ولهذا فإن مفهومه للذات قد لا يخلو من التحيز، والآن أصبح يرى نفسه من خلال معلميه وزملائه في الفصل والمدرسة وجيرانه، بل إن والديه أصبحا يستجيبان له بطريقة مختلفة أيضًا، ولأن اتجاه الطفل نحو ذاته يتأثر باتجاهات الأشخاص المهمين نحوه، فإن مفهومه لذاته يتكوَّن من تقديراتهم له، وأحكامهم عليه؛ فإذا كانت هذه التقديرات والأحكام إيجابية، يتكون لدى الطفل مفهوم إيجابي للذات لتقديرات الآخرين له مختلفًا عن تقديراتهم الحقيقية، ومع ذلك يقوم مفهومه لذاته على إدراكه هو لهذه التقديرات والأحكام، وليس على أساس حقيقتها، ولعل هذا ما يجعل الذات لها طبيعة فينومينولوجية "أي: على أساس الإدراك الشخصي أو الذاتي، وليس
الواقع الموضوعي"، وطفل هذه المرحلة يميل إلى التفكير في نفسه كفردٍ متميزٍ ومختلف عن الآخرين، ولا تكون لديه أفكار واضحة ومحددة عن قدراته ونواحي قصوره، كما لا يكون متأكدًا من الطريقة التي يتقبله بها الآخرون، وبسبب هذه المشاعر الخاصة بانعدام الأمن يحاول الطفل أن يتَّبِعَ النمط المقبول لدى الجماعة التي ينتمي إليها، ويشكل نفسه في هذا النمط تشكيلًا كبيرًا قدر الإمكان.
وحين تقترب هذه المرحلة من نهايتها، ويبدأ الطفل في تقدير البطولة كما تتمثَّل في الشخصيات التاريخية أو نجوم المسرح أو السينما أو عالم الألعاب الرياضية أو القادة السياسيين، يبدأ في تكوين مفهوم الذات المثالية، أي: نوع الشخص الذي يجب أن يكون عليه، وفي البداية يكون هذا المثل الأعلى منمطًا على أساس ما يوجد في عالمه الواقعي من آباء ومعلمين وغيرهم ممن هم في بيئته المباشرة، ولكن مع اتساع آفاقه تمتد مثله العليا ويصبح بعض الأشخاص الذين لا يعرفهم، ولكن يسمع عنهم أو يقرأ حولهم، هم نواة هذه الذات المثالية.
ولأن الطفل في هذه المرحلة يقضي وقتًا أطول مع الأطفال الآخرين، فإنه يكون أكثر وعيًا بوجود بعض صفات الشخصية التي يقدِّرُها الأطفال الآخرون، ووجود صفات أخرى لا يحبونها. وبالطبع لكلِّ جنسٍ من الجنسين قائمة الصفات التي يقدرها، ويؤدي ذلك إلى تكوين عادات معينة ترتبط بجنس الطفل، وبذلك تلعب ضغوط الجماعة دورًا هامًّا في تشكيل شخصية الطفل، فيسعى إلى بناء شخصيته بالصورة التي تقبلها الجماعة على أمل أن يكسب الاعتراف والتقبل اللذين يسعى إليهما.
وتتغير بالطبع المثل العليا لسمات الشخصية المقبولة بالتقدم في العمر، كما توجد فروقٌ في هذه السمات حسب المستوى الاقتصادي الاجتماعي، ومع ذلك توجد بعض السمات المشتركة؛ ففي جميع الفئات الثقافية نجد أن من المستحب أن يكون الولد أكثر عدوانية من البنت، كما أن الفروق الثقافية تتضح في درجة نمو المسئولية لدى الطفل، ومع التقدُّمِ في العمر، فإن شخصية الطفل تصبح أقل مرونةً وأكثر ثبوتًا في نمط محدد. وفي بداية حياة الطفل داخل المدرسة تظهر أعراض بعض اضطراب الشخصية، وقد تتزايد هذه الأعراض وتزداد سوءًا ما لم تُقَدَّمُ خدماتٌ علاجية، والصور الشائعة لأنماط الشخصية التي تنبئ باضطرابات في المستقبل هي ما يتميز بالانسحاب والاستثارة الشديدة ورفض السلطة ومقاومتها والاكتئاب المزمن والقلق المستمر.