الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نحو محكات أخرى للشيخوخة:
الشيخوخة بالطبع ليست محض بلوغ عمر زمني معين، بل إن بلوغ الإنسان عمرًا زمنيًّا معينًا في أيِّ طورٍ من أطوار الحياة لا يعني بالضرورة حدوث جميع التغيرات البيولوجية والسيكولوجية والاجتماعية المصاحبة التي يفترض حدوثها في هذا الطور عند الجميع وفي وقت واحد، ولهذا كثيرًا ما نقرأ في التراث السيكولوجي المتخصص إشارات متعددة إلى العمر الاجتماعي والعمر السيكولوجي، ناهيك بالطبع عن العمر البيولوجي. وقد أكدت حقائق علم النفس النمو في مختلف أطوار الحياة أن الأفراد في نفس العمر الزمني يختلفون في هذه المحكات الأخرى، وينطبق هذا على الشيخوخة انطباقه على جميع أطوار الحياة الأخرى.
ولعل القارئ يتذكر أننا عند مناقشة مسألة "الرشد الإنساني" أشرنا إلى أن محض بلوغ المرء سن 21 عامًا لا يعني بالضرورة تحقيق الرشد، فقد يكون كلٌّ من المحك الاجتماعي والمحك السيكولوجي لديه متقدمًا أو متخلفًا، على الرغم من توافر المحك البيولوجي "وهو في حالة الرشد البلوغ الجنسي"، فلماذا لا ينطبق على الشيخوخة نفس القول؟ فكما أن الرشد لا تحدده -من الوجهة السيكولوجية- حدود الزمن، ولو كان قانونيًّا، وإنما هو أكثر ارتباطًا بالاستقلال، فإن الشيخوخة لها نفس الطابع، فسن الستين ليس حدًّا فاصلًا بين القوة والضعف، العزيمة والوهن، التطور والتقهقر؛ لأن الشيخوخة السيكولوجية لا تتوازى بالضرورة مع التغيرات الجسمية التي تحدث في هذا السن ومابعده، فقد تحدث مبكرةً في الرشد المتأخر، وقد تتأخر كثيرًا فيه، ويتوقف هذا على مدى استثمار الفرد لإمكاناته السيكولوجية: معرفية ووجدانية واجتماعية، كما يتوقف أيضًا على نجاح الفرد في هذا الاستثمار طوال عمره كله: في شبابه وخلال سنوات نضجه ورشده، مما يؤدي به إلى استمرار الاستقلال، والرغبة المستمرة بل والمتزايدة في التعلُّمِ، وخاصةً التعلُّم الذاتي، واشتقاق الرضا والإشباع من الاستكشاف والاستطلاع والمعالجة والتقصي والبحث، التي ترتبط جميعًا بهذا التعلم، ثم تنوع الاهتمامات والميول، فإذا بدأ ذلك كله في التناقص والهبوط كان علامةً على بداية النهاية من الناحية السيكولوجية، ومعنى ذلك: أن المرء إذا بدأ في افتقاد استقلاله السيكولوجي، وتوجه نموه نحو الانتكاس وإلى الاعتماد من جديد، فهذا هو المؤشر على التحول السيكولوجي نحو الشيخوخة، ومع التقدُّمِ فيها "أي: الشيخوخة"، يزداد الاعتماد الذي يصبح حينئذٍ علامةً بارزةً على التدهور، بل قد يظهر النكوص أو العودة إلى أنماطٍ مبكرة من السلوك، ومستوياتٍ أبسط من النشاط، ووراء ذلك كله عودة إلى الاعتماد الذي هو علامة "الضعف الثاني" الذي يشهده العمر الثالث، كما كان علامة "الضعف الأول" في مرحلة الطفولة والصبا والشباب "العمر الأول للإنسان"، وصدق الله العظيم حين قال في كتابه العزيز:
{وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْق} [يس: 68] .
وهكذا نقول: إنه إذا كان الاستقلال هو المحك السيكولوجي للرشد، فإن فقدان هذا الاستقلال والعودة إلى الاعتماد هو المحك السيكولوجي للهرم والعجز senility، ويصاحب هذا الاعتماد توقف عن التعلُّم -التعلم الذاتي بالطبع- مما يؤدي بالمرء
إلى اتجاهات سالبة نحو الذات والآخرين والعمل والحياة عامة، وهذا في ذاته يؤدي إلى الهرم بمقدار يفوق ما تفعله التغيرات في أنسجة المخ.
ويُعَدُّ التقاعد retirement من العمل -أي: التحول من الشخص العامل المنتج الكاسب للقمة العيش بجهده وكَدِّه، إلى شخص عاطل معتمد على الآخرين في معاشه- هو أشد صور التحول من الاستقلال إلى الاعتماد، وخاصة من الوجهة الاجتماعية، وتُعَدُّ خبرة التقاعد من أشد الخبرات إحباطًا في حياة الإنسان، ومع ذلك فإن من الممكن أن تمر هذه الخبرة بسلام في حياة الراشدين إذا أُحْسِنَ التخطيط لها. ونذكر هنا أن من الاتجاهات الحديثة في علوم الإدارة والتنظيم الصناعي زيادة مسئولية المنظمات في مساعدة الأفراد الذين هم في مرحلة منتصف العمر على التوافق لمشكلات التقاعد، وأولها التركيز على أهمية الادّخار والاستثمار في صناديق التأمين والمعاشات، بما يضمن دخلًا ثابتًا بعد التقاعد، ولكن سرعان ما ظهر أن هناك مشكلات أشد تعقدًا من المشكلات المالية، يجب الاهتمام بها عند الإعداد للشيخوخة، ونتيجةً لذلك نجد المؤسسات الصناعية الكبرى في الغرب تُعِدُّ برامج للإرشاد الجماعي والفردي لأولئك الذين يقتربون من الشيخوخة، وقد أدى هذا إلى أن يتنبه الإنسان العادي إلى ما ظلّ يركز عليه علماء النفس لسنوات طويلة، وهو أن التوافق لأيّ مشكلة يتم بسرعة وبأقل قدر من التوتر الانفعالي إذا كان الفرد مُعَدًّا لها، وكلما طالت فترة الإعداد وزادت جوانب الموقف التي تتطلّب الاستكشاف والفهم وضوحًا، كان التوافق للمشكلات أفضل، حتى ولو اختلفت جوانبها الخاصة عما كان يتوقعه المرء خلال فترة الإعداد.
وبالطبع لا ينكر أحد أن أهم خصائص الشيخوخة التدهور العام الذي تتعرض له جميع الجوانب الجسمية والنفسية والاجتماعية للإنسان، إلّا أن الملاحظ أن هناك دائمًا إمكانية تعويض هذا التدهور؛ فالهبوط في القدرات العقلية والجسمية يُعَوّضُ بالاستفادة من خبرات المسنين السابقة، ونقصان القوة العضلية وبطء الاستجابة وزيادة زمن الرجع يُعَوّضُ بزيادة المهارة، وهذه المرحلة التي يمكن تعويض النقائص فيها هي المرحلة المبكرة للشيخوخة، أما في المرحلة المتأخرة، والتي يسميها القرآن الكريم "أرذل العمر"، فإن التدهور فيها يصبح كاملًا ويستحيل فيها التعويض.
إلّا أن من المهم أن ننبه إلى أن ما يمكن أن نسميه "الشيخوخة السيكولوجية"، لا يتوازى بالضرورة مع الشيخوخة الجسمية، أي: مع التغيرات الجسمية والفسيولوجية التي تحدث للمعمرين، ويتوقف هذ النوع من الشيخوخة مرة أخرى
على مدى استفادة الإنسان من قدراته العقلية، واستثماره لسماته النفسية.
فإذا كَوَّنَ الإنسانُ اتجاهاتٍ سلبيةً نحو ذاته والآخرين والعمل والحياة بصفة عامة، فإن ذلك يقوده إلى الشيخوخة، وربما قبل الأوان، كما يفعل تمامًا التدهورفي أنسجة المخ؛ فالذين لا يواصلون ميولهم الاجتماعية والشخصية ولا يتوافقون مع أدوارهم الجديدة بعد التقاعد، سرعان ما يتحوّلون إلى الاكتئاب والعجز، ثم يتدهورون جسميًّا وعقليًّا، وتذكر هيرلوك "Hurlock، 1980" أن حوالي نصف المرضى العقليين في سن الشيخوخة، يعانون من الاضطرابات الوظيفية لا العضوية، والتي ترجع في جوهرها إلى عوامل نفسية أكثر منها عوامل فسيولوجية ونيرولوجية، وبالطبع حين تتآزر العوامل النفسية المدمرة مع العوامل الجسمية المتدهورة يسرع ذلك بالانهيار، وتلعب الدافعية دورًا هامًّا في هذا الانهيار والتدهور، وخاصة الدافعية للتعلم؛ فحين يفقد المرء الرغبة في التعلم أو القدرة عليه، يكون هذا كما قلنا هو محك الشيخوخة الحقيقي، ولعل هذا التعلم المستمر -والله أعلم- هو مصدر الحكمة والخبرة الذي أشار إليه القرآن الكريم حين يصف العمر الثالث للإنسان بأن مرحلة "ضعف وشيبة"، بمقارنته بالعمر الأول للإنسان بأنه "محض ضعف"؛ لأن ضعف الصبا صيرورة مستمرة إلى هذه الحكمة التي تتوافر للإنسان أثناء مرحلة الرشد.
يقول الله تعالى:
{ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً} [الروم: 54] .
أما إذا افتقد الإنسان القدرة على التعلم فإنه يكون قد وصل إلى أرذل العمر، وهي مرحلة يصفها القرآن الكريم بأن من سماتها الرئيسية أن المرء فيها "لا يعلم من بعد علم شيئا".
يقول الله تعالى: {وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا} [الروم: 54] .
وحينئذ يفتقد الحكمة والخبرة، وينتكس إلى نوعٍ من الضعف أشبه بمرحلة الضعف الأول الذي كان عليه قبل الرشد.
التعلم -إذن- هو جوهر قوة الإنسان، والعجز عنه علامة الضعف الإنساني، وفقدانه هو مؤشر الانحدار والنهاية.
وهذا التقسيم يتضمَّن بالضرورة وجود طورين في العمر الثالث للإنسان هما