الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والسؤال الأخير الآن: هل التقاعد خبرة محبطة ضاغطة حقًّا كما يشيع عنها؟ الإجابة هنا تتوقف على نجاح المرء في التوافق مع هذه الخبرة، وعمومًا فإن نتائج البحث تؤكد لنا "Troll، 1982" أن كثيرًا من الناس تتحسن صحتهم، ولا تتدهوركما يشيع، خلال السنوات التالية مباشرة للتقاعد، وباستثناء الذين يجبرون على التقاعد المبكر، فإن هذه الخبرة يبدو أنها لا ترتبط بانخفاض الروح المعنوية عند معظم الناس، كما أنها لا تؤدي إلى الاضطراب النفسي، بل إنه بعد التقاعد يبدأ التفاعل أقوى بين أعضاء الأسرة من مختلف الأجيال.
وخبرة التقاعد، مثلها في ذلك خبرة "العش الخالي" وغيرها من حالات التغير المرتبطة بالعمر قد تبدو "مهولة" لدى أولئك الذين لم يخبروها بعد، أو الذين يقتربون منها، بينما هي ليست كذلك لدى الذين يعيشون الخبرة أنفسهم؛ فاتجاهات الراشدين في منتصف العمر نحو التقاعد أكثر سلبية من اتجاهات المسنين المتقاعدين أنفسهم، يصدق ذلك على الرجال والنساء، ولو أن موضوع تقاعد المرأة العاملة لم يحظ بعد باهتمامٍ يذكر من الباحثين.
الحياة الأسرية:
في مرحلة الشيخوخة يدخل الإنسان في المرحلة الأخيرة من دورة الحياة الأسرية، وفي نموذج "Duvall 1977" الذي عرضناه في الباب السابق، نجد أن معظم الراشدين يقضون ما بين 10، 15 سنة في هذه المرحلة، منذ التقاعد حتى وفاة أحد الزوجين، وبالطبع توجد فروق واسعة بين الناس في عدد السنوات التي يعيشونها بعد التقاعد، وبصفة عامة فإنه ما دامت المرأة تعيش أطول من الرجل فمن المتوقع أنها تشعر بهذا المظهر من مظاهر الحياة لفترة أطول.
ويمكن القول أن هذه الفترة من الحياة الأسرية جديدة من الوجهة التاريخية، فمع الرعاية الطبية المتطورة، والتغذية الجيدة، وزيادة الخدمات الاجتماعية وتحسين نوعيتها، سهل على المسنين تحمُّل أعباء الشيخوخة، وبالتالي امتداد مدى الحياة لفترة أطول، وفي الماضي كان من النادر أن يعيش المرء حتى أواخر السبعينات أو الثمانينات أو التسعينات، إلّا أن ذلك أصبح الآن أكثر شيوعًا، وبالإضافة إلى ذلك فإن الزوجين يصلان إلى هذه السنوات المتأخرة معًا، والسؤال الآن: ما هي خصائص هذا المظهر الأخير من مظاهر الحياة الأسرية؟ وما هي المهام النمائية الخاصة التي يجب مواجهتها داخل سياق الأسرة في هذه المرحلة؟ وكيف يتعامل المسنون معها؟
إن الصورة النمطية للحياة الزوجية للزوجين المسنين أنها بصفة عامة "كئيبة"؛ فمعظم الناس يدركونها غير سعداء ومنعزلين ووحيدين ومرفوضين من أحبائهم -وخاصة الأبناء والأقارب، وعلى الرغم من أن هذا صحيح إلى حَدٍّ ما لدى بعض الناس، إلّا أنه الاستثناء وليس القاعدة؛ فمعظم البحوث توحي بأن نوعية الحياة الزوجية في الشيخوخة جيدة على وجه العموم، وحينما يصل إليها الزوجان معًا يكونان سعيدى الحظ، وفي إحدى الدراسات الهامة وصف معظم المسنين هذه المرحلة على أنها أسعد مراحل زواجهم Stinnett، 1972".
ما هي العوامل التي تحدد الحب والرضا الزواجي في مرحلة الشيخوخة؟ وهل هي نفس العوامل التي تلعب دورها في مراحل العمر الأسبق؟ يجيب على هذه الأسئلة وغيرها ريدى وزملاؤه "Ready، et al.، 1981" الذين قارنوا بين عيناتٍ من الراشدين من مختلف مراحل الرشد "المبكر، الأوسط، المتأخر". لقد سأل الباحثون مفحوصيهم تقدير مدى دقة عبارات معينة في وصف علاقة المحبة الراهنة بينهم كأزواج، وبينت النتائج أن المسنين قدروا العبارات الدالة على الأمن الانفعالي العاطفي والولاء على أنها أكثر ما يميز علاقة الحب عندهم، ويعلق الباحثون على هذه النتائج بأن علاقة الحب بين الزوجين تصبح مع مرور الزمن أقل اعتمادًا على محض الصحبة والتواصل وأكثر اعتمادًا على تاريخ العلاقة والتقاليد والالتزام والولاء، وذلك على عكس من هم أصغر سنًّا، وبصرف النظر عن هذه الفروق بين الأجيال، فقد أوضحت الدراسة وجود تشابه كبير بين هذه الأجيال الثلاثة حول ما يعتبره الزوجان إيجابيًّا داخل علاقة الحب، فكلهم قدَّروا الأمن الانفعالي الوجداني على أنه الأكثر أهمية، يليه الاحترام والتواصل وسلوك المساعدة والمعاونة والعلاقات الجنسية والولاء على التوالي، ويعلق الباحثون على ذلك بقولهم:"إن الحب أوسع نطاقًا من الجنس، وفي أيِّ عمرٍ يوجد دائمًا ما هو أكثر أهمية منه في علاقة الحب بين الزوجين، وخاصةً الأمن الانفعالي العاطفي الذي يعني مشاعر الاهتمام والرعاية والثقة والراحة، واعتماد كلٍّ من الزوجين على الآخر".
وتوافق المسنين زواجيًّا هو بالطبع خلاصة سنوات عديدة من العيش معًا، ومعرفة كلٍّ منهما بالآخر معرفةً وثيقة، فبعد حوالي أربعين عامًا من الزواج -في المتوسط- يكون كلٌّ منهما تعلم أن يتجاهل المضايقات الصغيرة التي تصدر عن رفيقه، ويقبل منه ما استعصى على التعديل والتغيير من سلوكه. ويعين ذلك
الزوجين مع التقدم في السن على أن يصبحا أقل اندماجًا في المواقف والأحداث من الناحية الانفعالية، بالإضافة إلى ميلهم إلى تجنب مواقف الصراع وغيره من المواقف الضاغطة المجهدة.
ويرى "Adams، 1975" أن المتغيرين اللذين يخلعان على زواج المسنين خاصيته المميزة هما: التحول التدريجي عن التركيز على الأبناء من ناحية، وتقاعد الزوج "وكذلك الزوجة العاملة" من العمل، وكِلَا الحدثين يهيئ للزوجين تحررًا أكبر من المسئوليات والالتزامات الخارجية، فلم يعد يتوقع منهما إلّا أن يدعم كلٌّ منهما الآخر ويسنده ويؤازره، ويتوافر لهما فسحة أطول من الوقت لذلك "وخاصة بعد وفاة والديهما واستقلال أبنائهما تمامًا"، وهذا في ذاته أحد العوامل الهامة المحققة للسعادة الزوجية في هذه السن.
وبالطبع فإن بعض الأزواج المسنين يواجهون مشكلاتٍ في زواجهم، فتقاعد الزوج يسبب للزوجة في البداية بعض المضايقات، ومع زيادة نسبة النساء العاملات الآن، فإن التقاعد ربما يسبب بعض المشكلات للحياة الأسرية عند تقاعد الزوجين معًا، وبالطبع فإن ذلك لا يدوم طويلًا، وخاصةً عند النجاح في إعادة تنظيم حياتهما لمواجهة الظروف الجديدة.
والمرض مصدر آخر للإجهاد Stress والتعاسة في الحياة الأسرية للمسنين، وبعض الأمراض تؤدي إلى ظهور علاقة اعتمادية جديدة؛ حيث يقوم الزوج "أو الزوجة" بدور الممرِّض لزوجه المريض، والفقر مصدر آخر للشقاء الزواجي في الشيخوخة، وخاصةً مع انخفاض الدخل بعد التقاعد.
وتجدر الإشارة إلى أن الحياة الزوجية في سن الشيخوخة ليست فقط مصدرًا للسعادة في هذه المرحلة من العمر، ولكنها مفيدة سيكولوجيًّا وبيولوجيًّا؛ فقد أكدت البحوث أن المسنين المتزوجين أقل شعورًا بالعزلة والوحدة والاكتئاب بمقارنتهم بأقرانهم المسنين غير المتزوجين، كما أنهم أقل تعرضًا للاضطرابات والأمراض النفسية والعقلية، وهم أكثر احتمالًا في العيش عمرًا أطول، ومعنى ذلك أن الظروف المحيطة بزواج المسنين التي تعني وجود رفيق العمر على قيد الحياة تؤدي إلى تخفيف الضغوط الشديدة التي قد يتعرضون لها في حياتهم المتأخرة لو كانوا وحدهم.
ومن مظاهر الحياة الأسرية في مرحلة الشيخوخة في العصر الحديث أنه لا يكاد يوجد في الأسرة الحديثة موضع لجيل المسنين، وبالتالي فإنهم
يتركون في الأغلب وحدهم، إلّا أن حقيقة الأمر أن المسنين ليسوا منعزلين أو منبوذين؛ فمعظمهم يفضل العيش مستقلًّا مع المشاركة النشطة في حياة الأسرة، ففي دراسة "Troll، 1971" وُجِدَ أن حوالي ثلث المفحوصين الذين تجازوا سن الخامسة والستين يعيشون مع أولادهم، وهؤلاء يميلون إلى الانتقال إلى "العش الخالي" في بيوت أبنائهم الذين بلغوا أنفسهم طور منتصف العمر؛ حيث يصبح البيت لجيلين من الراشدين، أحدهما جيل الأبناء في منتصف العمر، والثاني جيل الآباء المسنين، والبعض الآخر من المسنين يعيش قريبًا من بيوت أبنائهم، ففي المجتمع الصناعي الحديث يؤلف كل جيل أسرته النووية، ويعيش الأغلب في نفس الحي "Shanas، et al.، 1968"، وعمومًا فإن علاقة المسنين بأولادهم تستقر على ذلك النمط الذي كان سائدًا بينهم حين كانوا هم "أي: المسنين" في منتصف العمر، وأبناؤهم في طور الرشد المبكر أو الشباب، ونظرًا لأن التصادم بين الأمهات والأبناء أكثر حدوثًا في هذا الطور المبكر، وخاصةً بعد زواج الأبناء وما يترتب عليه من علاقات جديدة بين المرء وزوجه "فؤاد البهي السيد 1975" فإن هذا التوتر قد يظلّ مستمرًّا حتى مرحلة شيخوخة الأمهات، وقد يخفف التقدم في السن بعض حدته.
ويعتمد المسنون اعتمادًا كبيرًا على أبنائهم عند المرض، وفي الأغلب يستجيب الأبناء لظروف آبائهم استجابةً فورية "Sussman، 1960، 1965"، فعمظم الراشدين لديهم الرغبة في معاونة آبائهم المسنين، ومع ذلك فإن هؤلاء المسنين يظلون لفترةٍ طويلةٍ غير معتمدين على أبنائهم ماليًّا أو انفعاليًّا. وعادةً ما تظل العلاقة -حتى بلوغ طور أرذل العمر- علاقة أخذ وعطاء في الخدمات المادية والدعم الانفعالي، بل إن نسبة المسنين الذين يبذلون المساعدة لأبنائهم تفوق نسبة الذين يتلقون هذه المساعدة من هؤلاء الأبناء "Riley، et al.، 1968"، ويمكن لهذا النمط من التفاعل أن يستمر حتى يصل الوالدان إلى طور التدهور الكلي "أرذل العمر" الذي سنتناوله في الفصل التالي.
وفي مرحلة الشيخوخة لم يعد الأحفاد أطفالًا أو صبيةً، وإنما قد يكونون مراهقين أو شبابًا، بل ربما يكونون في مطلع الرشد، ومع امتداد متوسط الأعمار يصل بعض الناس الآن إلى مرحلة متقدمة في السن وهم في صحة جيدة وحيوية ظاهرة، وهو ما لم يكن يحدث من قبل، وهذا كله يوحي بأن يزداد أثر الأجداد في أعضاء الأسرة الأصغر سنًّا، وتقوم الجدة خاصةً بعلاقة مؤثرة في أحفادها "Troll 1983"، وقد يرجع ذلك إلى السبب الواضح وهو أنها تعيش أطول من
الجد الرجل، وهذا لا يعني إنكار دور الجد الرجل الذي يتعامل معه الجميع على أنه مستودع الخبرة والحكمة للأسرة -كما أشرنا من قبل- والذي يؤثر على وجه الخصوص في الأحفاد الذكور "Hagestad، 1978".
ويختلف الأجداد اختلافًا كبيرًا في درجة اندماجهم في حياة أحفادهم؛ فبعضهم يندمج بعمقٍ، والبعض الآخر يبدو غير مهتمٍّ تمامًا بأحفاده، وقد بينا عند تناول طور وسط العمر كيف أن الأجداد يلعبون دورًا هامًّا في حياة أحفادهم من حيث رفاهيتهم وتوافقهم في وحدة الأسرة المؤلفة من الابن الراشد والحفيد الصغير "Troll، 1983"، ومن الطريف -مع ذلك- أن نشير إلى هذه النتيجة التي أكدتها عدة بحوث من أن رفاهية ومعنويات الأجداد لا ترتبط فقط بمقدار الصلة التي تربطهم بأحفادهم، فالرضا عن الحياة في مرحلة الشيخوخة يرتبط أيضًا بأنماط الصداقة، والنمط الزواجي على نحوٍ قد يفوق دور الجد الذي يقوم به المسن "Brodinsky، et al.، 1986".
وعادةً ما يدرك الأجداد والأحفاد -سواء كانوا من المراهقين أو الراشدين- الطرق التي يحاول بها كلٌّ منهما التأثير في الآخر، وغالبًا ما يكون هذا التأثير ناجحًا، وخاصةً في بعض المجالات التي تسميها "Hagestad، 1978"، المناطق المنزوعة السلاح"، والتي لا يجوز الاقتراب منها بين الأباء والأبناء، وتعنى بها تلك المجالات الحساسة كالحب والدين، فعلاقة الشيخ بأحفاده وأسباطه "وهم أبناء الأحفاد" فد تفوق علاقته بأولاده، فيلجأون إليه ليحميهم من ثورة الأب والأم وغضبهما، وهو بالنسبة لهم ملتقى القوى التي تموج في حياة الأسرة، وإليه يهرعون في أزمانهم ومشكلاتهم، ويعبِّر عن ذلك كله فؤاد البهي السيد "1975: 459" بقوله: "وهكذا ينشأ نوع غريب من الصداقة بين جيلين مختلفين، جيل يقبل على الحياة، وهو لا يدري ماذا يُخَبَّأُ له، وجيل يودعها بعد أن ابتلي بشرها ونعم بخيرها"، وبالطبع فإن هذه العلاقة في المجتمعات الريفية البسيطة أقوى منها في المجتمعات الحضرية الصناعية، وذلك لوثوق الصلة بين الأجيال، والتفاعل بينها وجهًا لوجهٍ معظم الوقت، وهو ما لا يتوافر في المدينة.
وتنعكس آثار هذه العلاقة على الجيل الأوسط، أي: جيل الآباء والأمهات؛ فعندما يعامل الوالد ابنه قسوةً، يعارضه الجد ويدافع عن الحفيد، بل إن الجد قد ينتقد كثيرًا طريقة ابنه في تربية الأحفاد، وتكون استجابة الجيل الأوسط لذلك رفض تدخل الجد في تنشئة الأبناء، وقد يتطور الأمر أكثر من ذلك فيعتبر الجد المسن نقد ابنه له تقليلًا من شأنه، وعقوقًا له وحجرًا على حقِّه في حماية الأحفاد