المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌شروط التعلم عند الراشدين: - نمو الإنسان من مرحلة الجنين إلى مرحلة المسنين

[آمال صادق]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌الباب الأول: الأسس العامة

- ‌الفصل الأول: طبيعة النمو الإنساني

- ‌مدخل

- ‌موضوع علم نفس النمو:

- ‌أهداف البحث في علم نفس النمو:

- ‌خصائص النمو الإنساني

- ‌النمو عملية تغير

- ‌ النمو عملية منتظمة:

- ‌ النمو عملية كلية:

- ‌ النمو عملية فردية:

- ‌ النمو عملية فارقة:

- ‌ النمو عملية مستمرة:

- ‌الفصل الثاني: أصول علم نفس النمو في ثقافة الغرب

- ‌أولاً: المنظور اليوناني للنمو الإنساني

- ‌ثانيًا: النمو الإنساني في العصور ر الوسطى في أوربا

- ‌ثالثًا: إحياء النزعة الإنسانية

- ‌رابعًا: النمو الإنساني في عصر التنوير في أوربا

- ‌خامسًا: المقدمات الاجتماعية والثقافية لدراسة النمو الإنساني

- ‌سادسًا: المقدمات العلمية لدراسة النمو الإنساني

- ‌سابعًا: ظهور علم نفس النمو الحديث

- ‌الفصل الثالث: نحو وجهة إسلامية لعلم نفس النمو

- ‌مدخل

- ‌أولًا: النمو الإنساني في القرآن الكريم:

- ‌ثانيًا: النمو الإنساني في السنة النبوية الشريفة

- ‌ثالثًا: النمو الإنساني عند الصحابة:

- ‌رابعًا: النمو الإنساني في الفقه الإسلامي

- ‌خامسًا: النمو في تراث علماء المسلمين وفلاسفتهم

- ‌الفصل الرابع: مناهج البحث في النمو الإنساني

- ‌مقدمة في طبيعة المنهج العلمي في البحث:

- ‌المنهج العلمي في البحث والتصور الإسلامي للمعرفة:

- ‌الملاحظة الطبيعية:

- ‌المنهج التجريبي:

- ‌المنهج شبه التجريبي

- ‌المنهج الارتباطي:

- ‌المنهج المقارن:

- ‌اختبار منهج البحث الملائم:

- ‌الفصل الخامس: النماذج النظرية للنمو الإنساني

- ‌الاتجاهات النظرية الوصفية

- ‌معايير النمو

- ‌مهام النمو:

- ‌الاتجاه نحو النماذج النظرية

- ‌مدخل

- ‌نموذج بياجيه في النمو المعرفي:

- ‌نموذج إريكسون في النمو الوجداني:

- ‌نموذج كولبرج في النمو الخلقلي الإجتماعي

- ‌تعليق عام على النماذج النظرية:

- ‌الباب الثاني: المرحلة الأولى لنمو الإنسان - أطوار الجنين

- ‌مدخل

- ‌الفصل السادس: تكوين النطفة

- ‌التكوين الأساسي للخلية

- ‌النطفة

- ‌مدخل

- ‌النطفة الأمشاج:

- ‌ميكانيزمات الوراثة

- ‌مدخل

- ‌كيف تنتقل الخصائص الوراثية:

- ‌صبغيات (كروموزمات) الجنس

- ‌وراثة الخصائص المرتبطة بالجنس:

- ‌الفصل السابع: أطوار نمو الجنين

- ‌أولًا: طور النطفة الأمشاج

- ‌ثانيًا: طور العلقة

- ‌ثالثًا: طور المضغة

- ‌رابعًا: طور تكوين العظام والعضلات "اللحم

- ‌خامسًا: طور التسوية

- ‌سادسًا: تعلم الأجنة

- ‌الفصل الثامن: رعاية الجنين والأم الحامل

- ‌العوامل المؤثرة في النمو خلال طور ماقبل الولادة

- ‌خصائص الأم

- ‌ التغذية:

- ‌ الأمراض:

- ‌ العقاقير والمخدرات:

- ‌ التدخين:

- ‌ مخاطر البيئة:

- ‌ آثار الوراثة "عامل الريصص

- ‌الباب الثالث: المرحلة الأولى لنمو الإنسان - أطوار الطفولة

- ‌مدخل

- ‌الفصل التاسع: طور الوليد (من الولادة حتى نهاية الأسبوع الثاني)

- ‌ولادة الطفل

- ‌مدخل

- ‌خبرة الولادة لدى الوليد:

- ‌الاتجاهات الوالدية إزاء الولادة:

- ‌اتجاهات الإخوة إزاء الوليد:

- ‌الاتجاهات نحو جنس الطفل:

- ‌الاتجاهات نحو التوائم:

- ‌خصائص نمو الوليد:

- ‌أحكام الشريعة الإسلامية بالنسبة لطور الوليد:

- ‌الفصل العاشر: طور الرضيع (من الولادة حتى نهاية العام الثاني)

- ‌مدخل

- ‌النمو الجسمي والحركي:

- ‌النمو الحسي والإدراكي:

- ‌نموّ الكلام:

- ‌النمو العقلي المعرفي:

- ‌النمو الانفعالي:

- ‌النمو الاجتماعي:

- ‌نمو الشخصية:

- ‌بعض مشكلات طور الرضاعة:

- ‌الفصل الحادي عشر: طور الحضانة (من سن عامين إلى سن التميز)

- ‌النمو الجسمي والفسيولوجي

- ‌النموّ الحسي والإدراكي:

- ‌النموّ الحركي:

- ‌صحة الطفل ما قبل المدرسة:

- ‌النمو اللغوي:

- ‌النموّ العقلي المعرفي:

- ‌النمو الانفعالي والوجداني:

- ‌النموّ الاجتماعي:

- ‌اللعب في مرحلة الطفولة المبكرة:

- ‌النمو الخلقي:

- ‌نمو الشخصية:

- ‌الخبرات التعليمية في طور الحضانة:

- ‌الفصل الثاني عشر طور التمييز

- ‌النمو الجسمي والفسيولوجي

- ‌النمو الحركي:

- ‌أمراض طفل المدرسة:

- ‌النموّ اللغوي:

- ‌النمو العقلي المعرفي:

- ‌النمو الاجتماعي:

- ‌اللعب في مرحلة الطفولة المتأخرة:

- ‌النمو الانفعالي والوجداني:

- ‌النموّ الخلقي:

- ‌نموّ الشخصية:

- ‌دور المدرسة في طور التمييز:

- ‌الباب الرابع: المرحلة الأولى لنمو الإنسان أطوار المراهقة والشباب

- ‌مدخل

- ‌الفصل الثالث عشر: طور بلوغ الحلم "المراهقة

- ‌البلوغ الجنسي:

- ‌النمو الجسمي:

- ‌النمو العقلي المعرفي:

- ‌النمو الانفعالي:

- ‌النمو الاجتماعي:

- ‌النمو الخلقي والاهتمامات الدينية:

- ‌نمو الشخصية في مرحلة المراهقة المبكرة:

- ‌الفصل الرابع عشر: طور بلوغ السعي"الشباب

- ‌طبيعة طور بلوغ السعي (الشباب)

- ‌حدود طور بلوغ السعي "الشباب

- ‌التغيرات الجسمية في طور السعي:

- ‌النموّ العقلي المعرفي:

- ‌السلوك الانفعالي والوجداني ومشكلات الشباب:

- ‌السلوك الاجتماعي في طور السعي "الشباب

- ‌النمو الخلقي والاتجاهات الدينية في طور السعي:

- ‌نمو الشخصية في طور السعي ومسألة الهوية:

- ‌خاتمة المرحلة الأولى من حياة الأنسان:

- ‌الباب الخامس: المرحلة الثانية من الأنسان"قوة الرشد

- ‌الفصل الخامس عشر: حدود الرشد وأهمية مرحلة القوة في حياة الأنسان

- ‌مدخل

- ‌محكات الرشد:

- ‌الحدود العملية للرشد:

- ‌نشاة ونمو الاهتمام بسيكولوجية الراشدين:

- ‌الفصل السادس عشر: أطوار بلوغ الرشد "طور الرشد المبكر

- ‌الخصائص العامة:

- ‌النمو الجسمي:

- ‌النمو العقلي المعرفي:

- ‌النمو الخلقي:

- ‌نمو الشخصية والتوافق ومسألة الهوية:

- ‌الزواج والحياة الأسرية:

- ‌مفهوم الأسرة:

- ‌الزواج:

- ‌الطلاق:

- ‌النمو المهني:

- ‌عمالة الصغار وبطالة الكبار:

- ‌الفصل السابع عشر: طور بلوغ الرشد "وسط العمر

- ‌مدخل

- ‌الخصائص العامة:

- ‌النمو الجسمي

- ‌مدخل

- ‌الصحة والمرض:

- ‌النموّ الجنسي:

- ‌النمو العقلي المعرفي:

- ‌إبداع الراشدين:

- ‌نمو الشخصية

- ‌مدخل

- ‌الميول المهنية واللامهنية:

- ‌التوافق:

- ‌نمو الحياة الأسرية

- ‌مدخل

- ‌التوافق الزواجي:

- ‌النمو المهني:

- ‌الفصل الثامن عشر: التعلم مدى الحياة تعلم الراشدين"الكبار

- ‌تعلم الراشدين"الكبار" والمفاهيم المرتبطة

- ‌دافع التعلم عند الراشدين

- ‌تصنيف دوافع التعلم عند الراشدين

- ‌مثبطات التعلم عند الراشدين"التسرب

- ‌مشكلات المتعلمين الراشدين

- ‌القلق

- ‌ أوهام العمر:

- ‌ المستوى الاقتصادي والاجتماعي:

- ‌شروط التعلم عند الراشدين:

- ‌خاتمة حول العمر الثاني للإنسان:

- ‌الباب السادس: المرحلة الثالثة في حياة الإنسان"ضعف المسنين

- ‌الفصل التاسع عشر: حدود المرحلة الثالثة في حياة الإنسان

- ‌الشيخوخة في اللغة والثقافة:

- ‌حدود الشيخوخة

- ‌المحك العمري

- ‌نحو محكات أخرى للشيخوخة:

- ‌تاريخ البحث في ميدان المسنين:

- ‌موضوع سيكولوجية المسنين:

- ‌نظريات الشيخوخة والتقدم في السن

- ‌أولاً: النظريات البيولوجية

- ‌ثانيًا: النظريات النفسية الاجتماعية:

- ‌الفصل العشرون: طور الشيخوخة

- ‌التغيرات الجسمية

- ‌التغيرات الفسيولوجية

- ‌مدخل

- ‌الصحة والمرض في طور الشيخوخة:

- ‌التغير في الوظائف الحسية:

- ‌التغير في النشاط الحركي:

- ‌التغير العقلي المعرفي

- ‌مدخل

- ‌أولًا: التدهور في القدرات العقلية

- ‌ثانيًا: بنية القدرات العقلية:

- ‌ثالثًا: نسبة الكفاءة ونسبة التدهور

- ‌حكمة الشيوخ

- ‌مدخل

- ‌الحكمة: قدرة القدرات الإنسانية

- ‌أمثلة من البحوث النفسية في الحكمة:

- ‌التقاعد

- ‌مفهوم التقاعد

- ‌قرار التقاعد:

- ‌عملية التقاعد:

- ‌التكيف للتقاعد:

- ‌الحياة الأسرية:

- ‌التوافق والشخصية في طور الشيخوخة:

- ‌عوامل التوافق في الشيخوخة وأنماطه:

- ‌ميول المسنين:

- ‌التغيرات في السلوك الاجتماعي:

- ‌الفصل الحادي والعشرون: طور أرذل العمر

- ‌مدخل

- ‌محكات بلوغ أرذل العمر

- ‌المحك الإسلامي

- ‌المحك المرضي:

- ‌ محك سوء التوافق:

- ‌التغيرات الجوهرية في طور أرذل العمر:

- ‌تصنيف الاضطرابات السلوكية

- ‌مدخل

- ‌أولًا: الاضطرابات الوظيفية

- ‌ثانيًا: الاضطرابات العضوية

- ‌الفصل الثاني والعشرون: رعاية المسنين

- ‌مدخل

- ‌ تعليم المسنين:

- ‌التدخل العلاجي

- ‌مدخل

- ‌خطوات التدخل العلاجي:

- ‌أساليب التدخل العلاجي النفسي:

- ‌الرعاية الشاملة للمسنين:

- ‌خاتمة الكتاب:

- ‌مراجع الكتاب:

- ‌محتويات الكتاب:

الفصل: ‌شروط التعلم عند الراشدين:

وهم أطفال أو مراهقون، وبخاصةٍ إذا كان هؤلاء من الذين حققوا بعض النجاح في تعليمهم السابق، فقد يرجعون هذا النجاح إلى فعالية تلك الطرق التي استخدمت معهم، ولذلك قد يفاجئ هؤلاء -عندما يتعلمون في سن الرشد- بالطرق المختلفة نوعًا ما، والتي تُسْتَخْدَمُ في تعليمهم، وخاصة تلك التي تتطلَّبُ مقدارًا أكبر من الحرية والإيجابية والمشاركة في موقف التعلُّم، بل قد يقاومون محاولات المعلم استخدام هذه الطرق حتى ولو كانت أكثر فعالية، ومن الطريف أن نلاحظ أن بعض هؤلاء الراشدين الذين فشلوا في تعليمهم السابق يرجعون الفشل إلى أنفسهم أكثر منه إلى الطرق "التقليدية" التي كانت تستخدم معهم، وفي جميع الحالات توجد هذه الفجوة بين توقعات المتعلمين وما يحدث بالفعل.

ص: 489

‌شروط التعلم عند الراشدين:

يمكن القول أن مبادئ التعلُّم الجيد وشروطه التي تنطبق على تعلُّمِ الأطفال والمراهقين، تنطبق أيضًا على تعلُّمِ الراشدين، وأهمها شرطان: قوة الدافعية وغلبة النشاط، والفرق هو مقدار التركيز وليس في المبادئ الأساسية؛ فإذا توافرت هذه المبادئ يمكن للراشدين أن يتعلموا بكفاءة وفعالية، ومن ذلك أنه إذا اتفق موضوع التعلم مع حاجات المتعلم الراشد وميوله، فإنه يؤدي أداءً يشبه في كفاءته أداء المتعلم الصغير، إن لم يكن أفضل، وعلى الرغم من أن التقدُّمِ في السن له بعض الأثر في الأداء العقلي والحركي -كما بينا في الفصول السابقة- إلّا أن هذا يختلف اختلافاتٍ واسعة من فردٍ لآخر، والفروق الفردية بين الراشدين لا يحددها التقدم في السن، وإنما يتحكم فيها قدرات الأفراد وظروفهم ومستوياتهم المهنية والتعليمية.

وإذا وضعنا هذه المسائل العامة في الاعتبار، فإن السمات الأساسية لتعلُّمِ الراشدين يمكن أن نلخصها في أن الراشدين يتعلمون أفضل إذا كان تعلمهم لا يعتمد على محض التذكر والحفظ، وهم يتعلمون أفضل خلال النشاط باستخدام معدَّلِهم، ومع مواد ترتبط بحياتهم اليومية الجديدة وتستثمر خبراتهم، والممارسة الفعلية لها أهميتها في تدعيم اكتساب المهارات الجديدة عندهم، ومع التطبيق المناسب لمبدأ "تَعَلَّمْ كيف تَتَعَلَّمُ" يصبح تعلم الراشدين خبرة مستمرة مدى الحياة بالفعل، ويمكن أن نترجم هذه السمات إلى شروط للتعلم عند الراشدين على النحو التالي:

1-

تقليل الاعتماد على ذاكرة المدى القصير:

من النتائج التجريبية الهامة التي توصلت إليها بحوث العلاقة بين التقدم في السن والنشاط العقلي ما لوحظ من نقصٍ تدريجيٍّ يطرأ على ذاكرة المدى القصير،

ص: 489

كما بينا فيما سبق، وهو ينشأ في جوهره عن التداخل بين وحدات المعلومات التي تُقَدَّمُ للمتعلِّم، وتزداد خطورة هذه المسألة إذا لجأ المعلِّم إلى ذلك في عرض موضوع التعلُّم الجديد أو المعقَّد؛ فيقدمه في صورة سلسلة من الوحدات المنفصلة المتتابعة التي تتعامل معها ذاكرة المدى القصير، وهنا ينشأ الخلط الناجم في جوهره عن "التداخل".

والتطبيق التربوي الهام لهذه النتيجة أن معلِّمَ الراشدين يجب عليه أن يختصر إلى الحد الأدنى مقدار الاعتماد على الحفظ الذي يقوم به المتعلِّم، والحفظ هنا لا يعني مجرد النظر إلى قائمة من الوحدات المنفصلة ومحاولة تعلمها، ولكنه يشمل أيضًا اللجوء إلى أنشطة أخرى؛ مثل: الاستماع إلى المحاضرات، واتباع التعليمات اللفظية التي تُقَدَّمُ جميعًا مرة واحدة، ومراقبة العروض التوضيحية التي يقوم المتعلِّمُ بمحاكاتها فيما بعد؛ فهذه جميعًا تتضمن درجات من الحفظ والاعتماد على ذاكرة المدى القصير، والبديل المناسب لتعلُّمِ الراشدين هو زيادة الاعتماد على النشاط المباشر أو غير المباشر للمتعلِّم، باستخدام وسائل الاتصال المناسبة والوسائل السمعية والبصرية "تكنولوجيا التعليم" الملائمة، بل واللجوء إلى النماذج المصغرة أو التدريب على العمل نفسه، واستخدام المعامل "كمعامل اللغات"، مع التركيز في جميع الحالات على الجوانب الهامة لموضوع التعلُّم لا تفاصيله الجزئية المنفصلة التي يصعب التعامل معها بسبب ما ينشأ بينها من تداخل.

2-

تقليل الاعتماد على السرعة:

يرتبط بالنقص في ذاكرة المدى القصير مع التقدم في السن انخفاض معدل الأداء وسرعته سواء في العمل أو التعلم؛ ففي الصناعة يتحول الأفراد في سن 45 عامًا عن الاهتمام بالسرعة إلى الاهتمام بالدقة في الأداء نتيجة لوعيهم بأنهم صاروا أكثر بطأً، ولهذا يضحي هؤلاء بالسرعة تحقيقًا للدقة، ويفضلون أن يتوافر لهم وقت كافٍ لذلك.

ويمكن لمعلم الراشدين أن يستفيد من هذه النتيجة بأن يتخلَّى تمامًا عن أن يدفع متعلميه إلى العمل والتعلم تحت ضغط الوقت، والأفضل أن يهيئ لهم الوقت الكافي حتى يوفروا لأنفسهم المعلومات الإضافية التي يحتاجون إليها قبل الاستجابة، وهذا يعني أن يعمل كل متعلِّمٍ راشدٍ بمعدله الخاص مع ما يصاحب هذا من زيادة في تكلفة التعلم.

ويتطلب هذا أن يطرأ على برامج تدريب وتعليم الراشدين تغيرات جوهرية

ص: 490

نلخصها فيما يلي:

1-

التحوّل من نظامِ التدريب الموقوت بفترة زمنية معينة -عدة أسابيع أو أشهر- إلى نظامٍ مفتوحٍ لا يتحدد مقدمًا بفترة زمنية معينة لانتهاء هذا التدريب، وإنما يتحدد محك الانتهاء بوصول المتعلم إلى أهداف البرنامج.

2-

الانتقال من نظام الامتحانات ذات الطابع الشكلي والتي يغلب عليها طابع السرعة، إلى نظام التقويم والتقدير والحكم الذي يغلب عليه طابع الاستمرار والتغذية الراجعة وتصحيح المسار.

3-

إلغاء نظام المسابقة والتنافس بين المتعلمين الراشدين؛ لأن التنافس يتضمَّن عنصر السرعة، ومن الأفضل أن يُقَاسَ تقدُّم المتعلم الراشد بنفسه، أي: بأدائه السابق لا بزملائه الآخرين، أو بالاعتماد على طرق التقويم التي تعتمد على محكات للعمل "ومستويات محددة للإتقان"، وليس على الطرق التي تعتمد على المعايير "أي: المقارنة بين الأفراد بعضهم ببعض".

3-

تقليل الاعتماد على المحاضرة والإلقاء:

أسلوب المحاضرة lecture أو الإلقاء هو أقل أساليب التدريس واستراتيجياته ملاءمة لتعلم الراشدين، فليس في المحاضرة مشاركة جماعية، كما أنها تحدد معدَّلًا ثابتًا، وتجبر كلَّ فردٍ على أن يكيِّف نفسه معه، وتعتمد اعتمادًا شديدًا على الحفظ اللفظي، ولا يعلم المتعلمون شيئًا عن تقدمهم أثناءها، هذا على الرغم من كل ما يبذله المعلم من جهد ومشقة فيها: الكلام المستمر لفترات لا تقل عن ساعة بل تزيد، وإعداد نقاط المحاضرة وعناصرها ومحتواها.

ومع ذلك فإن المحاضرة من أكثر طرق تدريس الراشدين شيوعًا، حتى في برامج التدريب الصناعي؛ فظاهرة المعلِّم الذي يتحدث حوالي 75% من الوقت من الأمور المألوفة، وبعض المعلمين الذين يستمتعون بالكلام ويعرفون أنهم يجيدونه، يدافعون عن أنفسهم بالقول بأن طلابهم يشجعونهم ويمتدحون أدائهم الجيد، وأن جاذبيتهم الشخصية هي التي تشد المتعلمين إليهم، وقد يكون هذا صحيحًا، إلّا أن السؤال الجوهريّ: هل يتعلَّمُ الدارسون فعلًا من هذه الطريقة؟

للإجابة على هذا السؤال قام بعض الباحثين بتقدير مقدار ما يتم الاحتفاظ به من مادة المحاضرة، فوجدوا أن المتعلِّمين لا يحتفظون إلّا بقليلٍ من معلوماتهم، قد

ص: 491

يصل إلى أقلِّ من النصف حين يكون الاستدعاء مباشرًا "أي: عقب المحاضرة مباشرة"، ثم يهبط إلى ما بين 15% و20% حين يكون الاستدعاء مؤجلًا بعد أسبوع من المحاضرة.

وهذا لا يعني إلغاء أسلوب المحاضرة تمامًا من ميدان تعليم الراشدين، فقد يحتاج الأمر تقديم محاضرة جيدة التخطيط، جيدة الإلقاء، وخاصةً حين يتطلب الأمر إثارة بعض الاهتمام بالموضوع، وتحديد عناصره الكلية في البداية، أو حين تنقل التعليمات بسرعة وبطريقة ملائمة لمجموعة تتألف من أفراد أقرب إلى التجانس العقلي. ولذلك فإن من مهارات المعلِّمِ الأساسية قدرتُه على إعطاء محاضرة جيدة، ويمكن تزويد المتعلمين في هذه الحالة بمذكرات مختصرة، أو قوائم مراجعة تفيد في تتبعها والتركيز عليها.

ومن الأفضل -في حالة اللجوء للمحاضرة- أن تكون "محاضرة متقطعة" فيها فترات توقف عديدة للمناقشة، فالمناقشة تدخل على المحضارة قدرًا من إيجابية المتعلم ونشاطه، وتهيئ فرصًا للفروق الفردية، وتقلل من سأم المستعمين ومللهم، وتتيح للمعلِّم الفرصةَ أن يتأكد من أن طلابه فهموا ما يقول، وبذلك تسمح بنوعٍ من "التقويم المستمر".

4-

تقليل الاعتماد على المواد الاصطناعية:

يحب المتعلمون الراشدون أن يشعروا بأن ما يتعلمونه مفيد لحياتهم اليومية ومرتبط بها، ولهذا تسعى مؤسسات ومدارس التدريب الصناعي خاصةً إلى جعل هذا التدريب أشبه بالمواقف الواقعية قدر الإمكان، كما أن هذا هو نفسه الذي حوَّلَ الاهتمام في برامج "محو الأمية" في السنوات الأخيرة إلى ما يُسَمَّى "التعليم الوظيفي".

الراشدون أقل تسامحًا من الصغار في تقبُّل مسألة التعلُّم "لغرض المعرفة" في ذاتها، أو باستخدام مواد اصطناعية للتعلم كبدائل للمواقف الطبيعية، ولهذا ليس من المقبول أو المعقول أن تكون مواد القراءة للراشدين في فصول "تعليم الكبار" قريبة الشبه بالمواد التي تُقَدَّمُ للصغار، أو تكون المسائل الحسابية التي يُطْلَبُ منهم حلها على نفس النسق الذي تكون عليه بالنسبة لمن هم أصغر سنًّا من حيث المحتوى والمشكلات، بل الواجب أن تكون المواد المعروضة والمشكلات المطروحة والطرق المستخدمة في فصول الراشدين من النوع الذي يعتبرونه مرتبطًا ومفيدًا لحياتهم اليومية، وقد تصلح لهذا الغرض طرق المماثلة والنماذج المصغرة، وحين

ص: 492

تُسْتَخْدَمُ معهم طرق الألعاب أو المشروعات أو تمثيل الأدوار، يجب أن يكون فيها نصيب كبير من الواقعية، وإلّا بدت لا معنى لها وأقرب إلى تمرينات الأطفال، وقد تأكَّدَت هذه الحقيقة منذ بحوث أدوارد لي ثورنيدك المبكرة؛ فقد وُجِدَ أن الراشدين حين يحكمون على موضوع التعلُّم بأنه مفيد لعملهم الحقيقي وحياتهم اليومية يكون أداؤهم أفضل، أما إذا حكموا على ما يتعلمون بأنه مصطنع" يكون أداؤهم أسوأ بكثير، والدرس الذي يجب أن يستفيد منه معلمو الراشدين ومعدو برامج تعليمهم من ذلك كله أن تكون موضوعات التعلُّمِ التي تُقَدَّمُ لهم شبيهةً بالمهارة النهائية التي سوف يؤدونها بالفعل في حياتهم اليومية.

5-

زيادة الاعتماد على الخبرات السابقة:

من المعلوم أن العمليات المعرفية والحركية تزداد تصلبًا وجمودًا مع التقدُّمِ في السن، وتتناقص القابلية للمواءمة والتكيف، وأسباب هذا الجمود قد تكون نفسية في جوهرها عند الراشدين خاصة، بينما قد تكون فسيولوجية في العمر الثالث للإنسان "الشيخوخة والهرم" كما سنبين فيما بعد، وتتمثل أسباب جمود وتصلب سلوك الراشدين في الخوف والتوتر اللذين يصاحبان إعادة التدريب أو إعادة التعلم من ناحية، وفي أن الراشدين المتقدمين في السن يكون لديهم الكثير من الخبرات السابقة التي يحتاج بعضها إلى محو تعلم من ناحية أخرى. وعلى الرغم من أن الخبرات السابقة الخصيبة والمعقدة لدى الراشدين، قد تعوق تقدمهم في تعلم عمل جديد بذهن مفتوح، فإنها قد تجعل المتعلم الراشد في وضع أفضل من المتعلم الصغير؛ فالراشد يستطيع أن يضع المعلومات والمهارات الجديدة في موضعها من هذه الخبرات السابقة.

ولعلَّنَا نشير هنا إلى حقيقة سيكولوجية هامة نشتقها من جورج كيلي في نظريته المعرفية للشخصية؛ فالإطار الإدراكي المعرفي لدى الراشدين أكثر تعقيدًا وتركيبًا من إطار الصغار، وقد أشارت بعض التجارب إلى أن الراشدين المتقدمين في السن يستغرقون وقتًا أطول في حلِّ المشكلات واكتساب المهارات الحركية من الأشخاص الأصغر سنًّا، ويبدو أن السبب في ذلك هو أن الراشدين يدركون غموضًا أكبر وتعقيدًا أكثر في المشكلات العقلية والاجتماعية وفي المهارات الحركية، بالمقارنة بما كانوا يفعلونه حين كانوا صغارًا، لقد علمتهم خبرة الحياة أن الإجابات السهلة والسريعة قد تكون موضع خطأ أو شك.

ويمكن أن نلخص الفوارق الجوهرية بين المتعلمين الكبار والصغار في ضوء

ص: 493

طبيعة الخبرة السابقة عند كلٍّ منهما فيما يلي:

أ- أغلب المشكلات الأساسية التي يواجهها الراشدون، على عكس مشكلات الصغار، ليست لها إجابات قاطعة لا تدع مجالًا للشك أو الغموض، خاصةً حين ترتبط هذه المشكلات بالحياة اليومية في العمل أو العلاقات الأسرية أو الأفكار السياسية، بينما يجد الصغار الإجابات الصحيحة لكلِّ المسائل التي يواجهونها مثبتة عادةً في الكتاب المدرسي.

ب- كثير من الاجابات التي يعبتبرها الراشدون صحيحة، تعتمد صحتها على التقاليد والعادات الثقافية، بينما هذه الصحة تعتمد عند الصغار على الاستدلال العقلي، وبالطبع فإن بعض ما هو راسخ لدى الراشدين من أفكار سابقة، وتقاليد وعادات اجتماعية، قد يعوق تعديل سلوكهم، وتعديل السلوك هو جوهر التعلم.

جـ- الحلول التي يصل إليها الراشدون لمشكلاتهم لها أثرٌ مباشر على آخرين في مجال العمل أو الأسرة غيرها، يصدق ذلك على المشكلات الشخصية صدقه على المشكلات الاجتماعية التي يسعون إلى حلها.

د- تتوافر لدى الراشدين أفكار وآراء ومعتقدات واتجاهات قد تتفق أو تختلف مع ما لدى المعلم، بينما يتعلم الصغار قليلًا أو كثيرًا مما تقدمه المدرسة، والذي يسهم في تكوين هذه الأفكار والآراء والمعتقدات والاتجاهات لديهم، ولهذا فإن مشكلة التعلم الجوهرية لدى الراشدين هي تغيير اتجاهاتهم، بالإضافة إلى إكسابهم الاتجاهات الجديدة.

6-

زيادة الاعتماد على التغذية الراجعة:

من أهم سمات التعلم الحكم على ما إذا كانت الإجابة صحيحة أم خاطئة، أو الحل المقترح للمشكلة مقبول أو مرفوض، أو المهارة التي تَمَّ اكتسابها وصلت إلى المستوى المطلوب أو لم تصل إليه، ويُسَمِّي علماء النفس التربويون هذه الخاصية "معرفة النتائج"، ويسميها البعض الآخر التغذية الراجعة feedback، ويتطلب هذا أن يتوافر لدى المعلم وسائل فعالة وسريعة لتقويم المتعلمين، وقد يتخذ التقويم صورًا مختلفة منها: التقدير اللفظي المباشر وفي الحال، ثم التعليق التفصيلي فيما بعد، أو إعطاء قائمة مراجعة تتضمن عناصر العمل المؤدى ليصحِّحَ المتعلِّم عمله بنفسه. وفي معامل اللغات تُوجَد وسائل يراجع بها المعلم أداءه بنفسه مباشرة، ويفيد التعليم باستخدام الحاسب الآلي في هذا الصدد أيضًا؛ حيث تصحح الأخطاء فوريًّا وفي الحال.

ص: 494

ومن الواضح أن المتعلم الراشد يجب ألَّا يعتمد اعتمادًا كاملًا على حكم المعلم، وإنما يجب على المعلِّم أن يساعد المتعلِّم على معرفة طبيعة الأداء الصحيح، وعندئذ يمكن للمتعلِّم أن يتعرف بنفسه على ما إذا كان مصيبًا أو مخطئًا، ويجب أن نشير هنا إلى أن بعض المتعلمين الراشدين، بدون هذه الاستراتيجية، يصعب عليهم تعرف أنهم مخطئون، وحتى ولو أخبرهم المعلِّم بأن هناك خطأ فإنهم قد لا يستطيعون إدراك موضعه، كما لا يستطيعون التوقف عن إتيان أخطاء مماثلة عدة مرات بعد ذلك، إلّا أنه في كثيرٍ من الأحيان يكون المتعلمون الراشدون راغبين في تصحيح أخطائهم إذا سُمِحَ لهم بتحديدها، وإلّا فإن هذه الأخطاء سوف تعزز وتبقى وتستمر معهم لسنوات طويلة قادمة.

ومن العقيم أن يقوم معلم الراشدين بتصحيح أخطائهم بنفسه دون مشاركتهم هم أنفسهم في ذلك، إنه "أي المعلم" بالطبع يتقن أداء العمل، وهذا في ذاته لا يهم المتعلم؛ لأن الأهم عنده أن يكون هو "أي: المتعلم نفسه" قادرًا على أدائه صحيحًا، ولهذا فإن أفضل طريقة لتصحيح الخطأ أن يقوم المتعلم الراشد بأداء الاستجابة بنفسه، إن قيام المعلم وحده بهذه المهمة قد يرضي أقلية من الكسالى، أما معظم الدارسين فسوف يشعرون أنهم خُدِعُوا، وأن شخصًا آخر أكثر مهارة "هو المعلم" يؤدي الأجزاء الصعبة نيابةً عنهم، وهذا لا يغني بحالٍ عن شعورهم بالرضا، وإحساسهم بالإنجاز عند التعامل مع الأجزاء الصعبة بأنفسهم، ومحاولة أدائها على نحوٍ صحيح.

وقد لا تكون المشكلة في تعلُّم الراشدين في تصويب الأخطاء التي تحدث أثناء التعلُّم بقدر ما تكون أخطاء التعلُّم السابق وعاداته التي يحملونها معهم من الماضي، والتي تعوق تقدُّم المتعلم، ولهذا يجب الحذر دائمًا من الوقوع في أخطاء التعلم في الموقف الجديد، وعمومًا يجب أن ننبه أنه في التعلم بصفة عامة تصدق الحكمة القائلة "الوقاية خير من العلاج" فحالما يكتسب الخطأ يصعب علاجه ويصبح معوقًا للتعلم في المستقبل. والوقاية هنا تعني التأكد من أنه في المرحلة الأولى لأيّ معوقًا للتعلم في المستقبل، والوقاية هنا تعني التأكد من أنه في المرحلة الأولى لأيّ تعلم جديد يصدر الراشدون الاستجابة الصحيحة، وهذه المرحلة الأولى تبدو حاسمة بالفعل، فالأخطاء التي تصدر فيها، والتي تَمَّ اكتسابها يصعب زوالها أو محوها، وخاصةً إذا كانت هذه الاستجابة الخاطئة قد توصل إليها الراشد المتعلم بنفسه، ولا شكَّ أن من الأمور التي تتحدَّى ابتكارية معلمي الراشدين إعداد مواقف تعليمية تقلل على هؤلاء المتعلمين فرص الوقوع في أخطاء التعلم.

ص: 495

7-

استخدام أفضل طرق تنظيم التعلم:

اهتمَّ علماء النفس التربويون بموضوع تنظيم التعلم من جانبين: أحدهما تحديد أفضل طول لفترات التعلم، وثانيهما تحديد أفضل طول للمهمة التي يتم تعلمها.

وقد نوقِشَتْ المسألة الأولى طويلًا تحت عنوان "توزيع التعلُّم أو تركيزه" وأكدت النتائج أن التعلم يتحقق بسهولة أكثر في حالة استخدام فترات راحة متكررة، وقُدِّرَتْ فترات العمل بين 20دقيقة،40دقيقة، بينها فترات راحة طولها 5 أو10 دقائق، والواقع أنه في فصول تعلُّم الراشدين يبدو أن هذا السؤال محض اهتمام نظري وأكاديمي؛ لأن الملاحظ عامَّة أن تكون فترات العمل معهم في العادة عبارة عن جلسة أو جلستين في اليوم، طول الجلسة ساعتان، بعدها فترة راحة لتناول الشاي مدتها 10-15 دقيقة، وبالإضافة إلى هذا فإن معظم فصول تعليم الراشدين تنظَّم في المساء؛ حيث يكون المعلمون والمتعلمون جميعًا في حالة تعب بعد عناء يوم العمل "إلّا في حالة تفرغ الراشدين للتعلم كما هو الحال أحيانًا في برنامج التدريب أثناء الخدمة"، وفي مثل هذه الظروف يرحب الجميع بأيِّ نوعٍ من الراحة، حتى ولو كانت لبضع دقائق يتحرك فيها الدارسون قليلًا في أماكنهم.

وفي بعض برامج التدريب تتاح فترات أكثر مرونة، وبالتالي قد تتهيأ الفرص لمعالجة طول فترات التعلم لتلائم المتدربين، وهنا نجد أن الأدلة تؤكد أن التدريب الموزَّع أفضل، فيتعلَّم المهارات الحركية، وخاصةً في المراحل المبكرة؛ لأن التعلُّم لو أصبح أكثر تركيز، فإن المتعلم إما أنه لا يظهر أيّ تحسنٍ، أو أن أداءه يتدهور عما كان عليه من قبل، بينما بعد فترة الراحة قد يصل أداؤه اللاحق إلى مستوى أعلى مما وصل إليه أداؤه السابق.

ويعتمد طول فترة العمل وفترة الراحة في التعلُّم على المستوى النمائيّ للإنسان، فالطفل في حاجة إلى فترات عمل قصيرة، ثم تزداد هذه الفترات طولًا مع المراهقة والشباب، وفي طور الرشد المبكر يمكن للمتعلمين أن يستفيدوا من فترات عملٍ طويلة أثناء تعلمهم، إلّا أنه مع وصول الإنسان طور بلوغ الأشد "وسط العمر" ومع إيغاله فيه وصولًا إلى نهايته، وبداية العمر الثالث للإنسان "الشيخوخة"، فإن فترات العمل التي يحتاجها أثناء التدريب تتجه مرة أخرى إلى القصر، حتى نجدها في المراحل المتأخرة جدًّا من العمر تكاد تقترب في طولها من فترات عمل الصغار.

ص: 496

أما بالنسبة لطول المهمة التي يتم تعلمها فهو من الموضوعات التي تناولها علماء النفس التربويون تحت اسم "الطريقة الكلية أو الجزئية" في التعلم، ويتضمَّن معنى الطريقة الكلية تعلم مهمة كاملة مرةً واحدةً دون محاولة تعلمها على مراحل متتابعة، كل مرحلة منها على حدة تؤلف جزءًا منفصلًا، وهذا هو معنى الطريقة الجزئية، ويرى دعاة الطريقة الكلية أن تقسيم العمل على أجزاءٍ هو دائمًا تقسيم اعتباطي، وما يحدث بالفعل بعد اكتساب المهارة أن الشخص الماهر يؤدي العمل كسلسلة من الحركات تبدو من انتظامها واتساقها وتتابعها كما لو كانت حركة واحدة، ولهذا وجدنا في برامج التدريب المعاصرة -وخاصة التدريب الصناعي والمهني- أن مسألة التعامل مع "الكليات" لم تَعُدْ لها أهميتها السابقة، فما يحدث بالفعل أن عدد المهام "الكلية" التي يجب تعلمها قليل، ومعظم التدريب يتم بالطريقة الجزئية التراكمية Commulative patr-method، أي أن المهمة يتم تعلمها كأجزاءٍ، إلّا أن هذه الأجزاء يُعَادُ تكاملها باستمرار "كوحدات" جديدة، وتضاف إلى ما سبق تعلمه.

8-

الاعتماد على أن يتعلم الراشد كيف يتعلم:

تؤكِّدُ نتائج البحوث في ميدان التدريب أهمية الممارسة المستمرة في تعلم الراشدين؛ فالمتدربون الذين ينشغلون في أيّ خبرةٍ من خبرات التعلُّمِ المستمر منذ تَرْكِ المدرسة يؤدون في برامج التدريب أفضل من أولئك الذين لم تتوافر لهم مثل هذه الفرص، حتى ولو كانت هذه الممارسة السابقة ليس لها ارتباط مباشر بالتدريب الراهن ذاته.

ويبدو لنا أن قيمة التعلم المستمر تعتمد في جوهرها على أنها نتاج مهارةٍ تتكون لدى المتعلم الممارس لهذا النوع من التعلُّم يمكن تسميتها مهارة "تعلم طريقة التعلم"، بالإضافة إلى اتجاه هذا المتعلم نحو تحسين ذاته وتنميتها تنمية دائمة ومستمرة، ومعنى ذلك أن الراشدين الذين عليهم إحراز الثقة في التعلُّم من خلال أداء عملٍ جيد التخطيط وملائمٍ لحاجاتهم سوف يتحسنون، ليس فقط في المهارات التي يتدربون عليها، وإنما من المتوقع لهم أيضًا أن يتحسنوا في مهارات تعلم كيف يتعلمون.

ومن الممكن للراشد أن يكتسب بعض الاستبصار في طريقة حدوث عملية التعلُّم وخاصةً إذا لم يكن من أولئك الذين تلقوا قدرًا كافيًا من التعليم الرسمي "التحرس Schooling"، وعادةً ما يُقَدَّم هذا في جلسة افتتاحية للمبتدئين، يطلق عليها أسماء شتّى من نوع "كيف تدرس" how to study، وتشمل نصائح بسيطة

ص: 497

وتدريبات عملية سهلة حول موضوع التعلم، ومن أشهر هذه البرامج ما يُسَمَّى برنامج مهارات الدراسة study skills، والذي يقدّم عادةً للطلاب لتحسين أدائهم الأكاديمي، ويشمل ذلك مثلًا أفضل طرق تسجيل نقاط وعناصر المحاضرة، واختيار الطرق المناسبة للاستذكار، ومهارات استخدام المكتبة والمراجع وغير ذلك.

إلّا أن بعض معلمي الراشدين يشعرون -وهم على حقٍّ- بأن هذا ليس كافيًا، ويحبون للمتعلمين أن يشاركوا بالفعل في "تجربة تعلُّم" حقيقية؛ بحيث يخبرون بأنفسهم كيف يتعلمون.

ص: 498