المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌نمو الشخصية والتوافق ومسألة الهوية: - نمو الإنسان من مرحلة الجنين إلى مرحلة المسنين

[آمال صادق]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌الباب الأول: الأسس العامة

- ‌الفصل الأول: طبيعة النمو الإنساني

- ‌مدخل

- ‌موضوع علم نفس النمو:

- ‌أهداف البحث في علم نفس النمو:

- ‌خصائص النمو الإنساني

- ‌النمو عملية تغير

- ‌ النمو عملية منتظمة:

- ‌ النمو عملية كلية:

- ‌ النمو عملية فردية:

- ‌ النمو عملية فارقة:

- ‌ النمو عملية مستمرة:

- ‌الفصل الثاني: أصول علم نفس النمو في ثقافة الغرب

- ‌أولاً: المنظور اليوناني للنمو الإنساني

- ‌ثانيًا: النمو الإنساني في العصور ر الوسطى في أوربا

- ‌ثالثًا: إحياء النزعة الإنسانية

- ‌رابعًا: النمو الإنساني في عصر التنوير في أوربا

- ‌خامسًا: المقدمات الاجتماعية والثقافية لدراسة النمو الإنساني

- ‌سادسًا: المقدمات العلمية لدراسة النمو الإنساني

- ‌سابعًا: ظهور علم نفس النمو الحديث

- ‌الفصل الثالث: نحو وجهة إسلامية لعلم نفس النمو

- ‌مدخل

- ‌أولًا: النمو الإنساني في القرآن الكريم:

- ‌ثانيًا: النمو الإنساني في السنة النبوية الشريفة

- ‌ثالثًا: النمو الإنساني عند الصحابة:

- ‌رابعًا: النمو الإنساني في الفقه الإسلامي

- ‌خامسًا: النمو في تراث علماء المسلمين وفلاسفتهم

- ‌الفصل الرابع: مناهج البحث في النمو الإنساني

- ‌مقدمة في طبيعة المنهج العلمي في البحث:

- ‌المنهج العلمي في البحث والتصور الإسلامي للمعرفة:

- ‌الملاحظة الطبيعية:

- ‌المنهج التجريبي:

- ‌المنهج شبه التجريبي

- ‌المنهج الارتباطي:

- ‌المنهج المقارن:

- ‌اختبار منهج البحث الملائم:

- ‌الفصل الخامس: النماذج النظرية للنمو الإنساني

- ‌الاتجاهات النظرية الوصفية

- ‌معايير النمو

- ‌مهام النمو:

- ‌الاتجاه نحو النماذج النظرية

- ‌مدخل

- ‌نموذج بياجيه في النمو المعرفي:

- ‌نموذج إريكسون في النمو الوجداني:

- ‌نموذج كولبرج في النمو الخلقلي الإجتماعي

- ‌تعليق عام على النماذج النظرية:

- ‌الباب الثاني: المرحلة الأولى لنمو الإنسان - أطوار الجنين

- ‌مدخل

- ‌الفصل السادس: تكوين النطفة

- ‌التكوين الأساسي للخلية

- ‌النطفة

- ‌مدخل

- ‌النطفة الأمشاج:

- ‌ميكانيزمات الوراثة

- ‌مدخل

- ‌كيف تنتقل الخصائص الوراثية:

- ‌صبغيات (كروموزمات) الجنس

- ‌وراثة الخصائص المرتبطة بالجنس:

- ‌الفصل السابع: أطوار نمو الجنين

- ‌أولًا: طور النطفة الأمشاج

- ‌ثانيًا: طور العلقة

- ‌ثالثًا: طور المضغة

- ‌رابعًا: طور تكوين العظام والعضلات "اللحم

- ‌خامسًا: طور التسوية

- ‌سادسًا: تعلم الأجنة

- ‌الفصل الثامن: رعاية الجنين والأم الحامل

- ‌العوامل المؤثرة في النمو خلال طور ماقبل الولادة

- ‌خصائص الأم

- ‌ التغذية:

- ‌ الأمراض:

- ‌ العقاقير والمخدرات:

- ‌ التدخين:

- ‌ مخاطر البيئة:

- ‌ آثار الوراثة "عامل الريصص

- ‌الباب الثالث: المرحلة الأولى لنمو الإنسان - أطوار الطفولة

- ‌مدخل

- ‌الفصل التاسع: طور الوليد (من الولادة حتى نهاية الأسبوع الثاني)

- ‌ولادة الطفل

- ‌مدخل

- ‌خبرة الولادة لدى الوليد:

- ‌الاتجاهات الوالدية إزاء الولادة:

- ‌اتجاهات الإخوة إزاء الوليد:

- ‌الاتجاهات نحو جنس الطفل:

- ‌الاتجاهات نحو التوائم:

- ‌خصائص نمو الوليد:

- ‌أحكام الشريعة الإسلامية بالنسبة لطور الوليد:

- ‌الفصل العاشر: طور الرضيع (من الولادة حتى نهاية العام الثاني)

- ‌مدخل

- ‌النمو الجسمي والحركي:

- ‌النمو الحسي والإدراكي:

- ‌نموّ الكلام:

- ‌النمو العقلي المعرفي:

- ‌النمو الانفعالي:

- ‌النمو الاجتماعي:

- ‌نمو الشخصية:

- ‌بعض مشكلات طور الرضاعة:

- ‌الفصل الحادي عشر: طور الحضانة (من سن عامين إلى سن التميز)

- ‌النمو الجسمي والفسيولوجي

- ‌النموّ الحسي والإدراكي:

- ‌النموّ الحركي:

- ‌صحة الطفل ما قبل المدرسة:

- ‌النمو اللغوي:

- ‌النموّ العقلي المعرفي:

- ‌النمو الانفعالي والوجداني:

- ‌النموّ الاجتماعي:

- ‌اللعب في مرحلة الطفولة المبكرة:

- ‌النمو الخلقي:

- ‌نمو الشخصية:

- ‌الخبرات التعليمية في طور الحضانة:

- ‌الفصل الثاني عشر طور التمييز

- ‌النمو الجسمي والفسيولوجي

- ‌النمو الحركي:

- ‌أمراض طفل المدرسة:

- ‌النموّ اللغوي:

- ‌النمو العقلي المعرفي:

- ‌النمو الاجتماعي:

- ‌اللعب في مرحلة الطفولة المتأخرة:

- ‌النمو الانفعالي والوجداني:

- ‌النموّ الخلقي:

- ‌نموّ الشخصية:

- ‌دور المدرسة في طور التمييز:

- ‌الباب الرابع: المرحلة الأولى لنمو الإنسان أطوار المراهقة والشباب

- ‌مدخل

- ‌الفصل الثالث عشر: طور بلوغ الحلم "المراهقة

- ‌البلوغ الجنسي:

- ‌النمو الجسمي:

- ‌النمو العقلي المعرفي:

- ‌النمو الانفعالي:

- ‌النمو الاجتماعي:

- ‌النمو الخلقي والاهتمامات الدينية:

- ‌نمو الشخصية في مرحلة المراهقة المبكرة:

- ‌الفصل الرابع عشر: طور بلوغ السعي"الشباب

- ‌طبيعة طور بلوغ السعي (الشباب)

- ‌حدود طور بلوغ السعي "الشباب

- ‌التغيرات الجسمية في طور السعي:

- ‌النموّ العقلي المعرفي:

- ‌السلوك الانفعالي والوجداني ومشكلات الشباب:

- ‌السلوك الاجتماعي في طور السعي "الشباب

- ‌النمو الخلقي والاتجاهات الدينية في طور السعي:

- ‌نمو الشخصية في طور السعي ومسألة الهوية:

- ‌خاتمة المرحلة الأولى من حياة الأنسان:

- ‌الباب الخامس: المرحلة الثانية من الأنسان"قوة الرشد

- ‌الفصل الخامس عشر: حدود الرشد وأهمية مرحلة القوة في حياة الأنسان

- ‌مدخل

- ‌محكات الرشد:

- ‌الحدود العملية للرشد:

- ‌نشاة ونمو الاهتمام بسيكولوجية الراشدين:

- ‌الفصل السادس عشر: أطوار بلوغ الرشد "طور الرشد المبكر

- ‌الخصائص العامة:

- ‌النمو الجسمي:

- ‌النمو العقلي المعرفي:

- ‌النمو الخلقي:

- ‌نمو الشخصية والتوافق ومسألة الهوية:

- ‌الزواج والحياة الأسرية:

- ‌مفهوم الأسرة:

- ‌الزواج:

- ‌الطلاق:

- ‌النمو المهني:

- ‌عمالة الصغار وبطالة الكبار:

- ‌الفصل السابع عشر: طور بلوغ الرشد "وسط العمر

- ‌مدخل

- ‌الخصائص العامة:

- ‌النمو الجسمي

- ‌مدخل

- ‌الصحة والمرض:

- ‌النموّ الجنسي:

- ‌النمو العقلي المعرفي:

- ‌إبداع الراشدين:

- ‌نمو الشخصية

- ‌مدخل

- ‌الميول المهنية واللامهنية:

- ‌التوافق:

- ‌نمو الحياة الأسرية

- ‌مدخل

- ‌التوافق الزواجي:

- ‌النمو المهني:

- ‌الفصل الثامن عشر: التعلم مدى الحياة تعلم الراشدين"الكبار

- ‌تعلم الراشدين"الكبار" والمفاهيم المرتبطة

- ‌دافع التعلم عند الراشدين

- ‌تصنيف دوافع التعلم عند الراشدين

- ‌مثبطات التعلم عند الراشدين"التسرب

- ‌مشكلات المتعلمين الراشدين

- ‌القلق

- ‌ أوهام العمر:

- ‌ المستوى الاقتصادي والاجتماعي:

- ‌شروط التعلم عند الراشدين:

- ‌خاتمة حول العمر الثاني للإنسان:

- ‌الباب السادس: المرحلة الثالثة في حياة الإنسان"ضعف المسنين

- ‌الفصل التاسع عشر: حدود المرحلة الثالثة في حياة الإنسان

- ‌الشيخوخة في اللغة والثقافة:

- ‌حدود الشيخوخة

- ‌المحك العمري

- ‌نحو محكات أخرى للشيخوخة:

- ‌تاريخ البحث في ميدان المسنين:

- ‌موضوع سيكولوجية المسنين:

- ‌نظريات الشيخوخة والتقدم في السن

- ‌أولاً: النظريات البيولوجية

- ‌ثانيًا: النظريات النفسية الاجتماعية:

- ‌الفصل العشرون: طور الشيخوخة

- ‌التغيرات الجسمية

- ‌التغيرات الفسيولوجية

- ‌مدخل

- ‌الصحة والمرض في طور الشيخوخة:

- ‌التغير في الوظائف الحسية:

- ‌التغير في النشاط الحركي:

- ‌التغير العقلي المعرفي

- ‌مدخل

- ‌أولًا: التدهور في القدرات العقلية

- ‌ثانيًا: بنية القدرات العقلية:

- ‌ثالثًا: نسبة الكفاءة ونسبة التدهور

- ‌حكمة الشيوخ

- ‌مدخل

- ‌الحكمة: قدرة القدرات الإنسانية

- ‌أمثلة من البحوث النفسية في الحكمة:

- ‌التقاعد

- ‌مفهوم التقاعد

- ‌قرار التقاعد:

- ‌عملية التقاعد:

- ‌التكيف للتقاعد:

- ‌الحياة الأسرية:

- ‌التوافق والشخصية في طور الشيخوخة:

- ‌عوامل التوافق في الشيخوخة وأنماطه:

- ‌ميول المسنين:

- ‌التغيرات في السلوك الاجتماعي:

- ‌الفصل الحادي والعشرون: طور أرذل العمر

- ‌مدخل

- ‌محكات بلوغ أرذل العمر

- ‌المحك الإسلامي

- ‌المحك المرضي:

- ‌ محك سوء التوافق:

- ‌التغيرات الجوهرية في طور أرذل العمر:

- ‌تصنيف الاضطرابات السلوكية

- ‌مدخل

- ‌أولًا: الاضطرابات الوظيفية

- ‌ثانيًا: الاضطرابات العضوية

- ‌الفصل الثاني والعشرون: رعاية المسنين

- ‌مدخل

- ‌ تعليم المسنين:

- ‌التدخل العلاجي

- ‌مدخل

- ‌خطوات التدخل العلاجي:

- ‌أساليب التدخل العلاجي النفسي:

- ‌الرعاية الشاملة للمسنين:

- ‌خاتمة الكتاب:

- ‌مراجع الكتاب:

- ‌محتويات الكتاب:

الفصل: ‌نمو الشخصية والتوافق ومسألة الهوية:

أحكام الراشدين المصريين بعد المرحلة الرابعة مباشرة، وقد أرجع الباحث وصول نسبة كبيرة منهم لمستوى المبادئ "على عكس ما حدث لدى الراشدين في المجتمعات الغربية كما أظهرته البحوث السابقة" إلى طبيعة الأخلاق الإسلامية التي تركز تركيزًا على الضمير وتربيته، وحب الخير للناس أجمعين، بصرف النظر عن جنسهم أو مولدهم أو دينهم.

وقد وجد الباحث أيضًا أن الاعتراض على القانون والمؤسسات الرسمية والعادات، يظهر لدى أفراد العينة ابتداءً من الحلقة الثانية من التعليم الأساسي وحتى الرشد، إلّا أن هذا الاعتراض كان موجهًا بشكلٍ أقوى نحو المؤسسات الحكومية، وبشكلٍِ أقل نحو العادات والتقاليد الموروثة.

ولعل من أهم النتائج التي توصَّلَ إليها هذا البحث، أن المرحلة السادسة لدى كولبرج "أخلاق المبادئ العامة" ليست من صياغة الفرد واختياره فحسب، وإنما تعتمد اعتمادًا أساسيًّا على المبادئ الإسلامية والأخلاق المستمدة منها، وهذه النتيجة تؤكد -في رأينا- وسطية الإسلام؛ حيث التآلف الابتكاري بين الأخلاق الفردية "والتي تعني في جوهرها المسئولية"، والأخلاق الجماعية "التي تعني في جوهرها التكافل الاجتماعي"، وكلاهما من أسس الأخلاق في الإسلام.

ص: 377

‌نمو الشخصية والتوافق ومسألة الهوية:

يصف هافيجهرست "Havighurst 1972" الرشد المبكر بأنه أكثر مراحل العمر امتلاءًا وفرديةً وتوحدًا؛ فخلال هذا الطور يتعرض المرء لضغوطٍ هائلةٍ حتى يحقق لنفسه مكانًا في المجتمع، ومع ذلك فإن القوى المعينة للفرد في هذا الطور على إنجاز هذا الهدف قليلة، بالمقارنة بالمراحل السابقة التي تُوجَدُ فيها بالفعل المؤسسات التعليمية المختلفة، بالإضافة إلى الدور الكبير للوالدين، ويذكر هافيجهرست أنه -باستثناء مرحلة الشيخوخة- يلقى الراشدون عامة أقل دعم تربويٍّ لإنجاز مهامهم النمائية بالمقارنة بأي مجموعة عمرية أخرى.

ولعل من أهم ما يميز هذا الطور في حياة الإنسان، سعي الراشد للوصول إلى تحديد "معنًى" واضحٍ لحياته، فبعد أن تجاوز المشكلات الأساسية الخاصة بالهوية في طور المراهقة والشباب، فإنه يكون مع مطلع الرشد قد أحرز -ولو مؤقتًا- حلًّا لمشكلة تحديد ذاته، ثم يبدأ في الانشغال بتوسيع نطاق هذا المفهوم في المجتمع، أي: بالبحث عن وسائل جديدة يعبِّرُ بها عن ذاته، وخاصة في مواقف العلاقات الإنسانية والاجتماعية، وكثير من الأشخاص في هذ الطور يكون لديهم شغف بالتعرف على أصدقاء جدد، والالتحاق بالجماعات التطوعية والخيرية، والحصول

ص: 377

على عضوية عدد كبير من المؤسسات الاجتماعية "كالنقابات"، ولهذا نلاحظ على الراشد الصغير أنه يتسم بالحركة والتغير اللذين يتم التعبير عنهما بكثير من الطرق، ويقترح وايت "White 1975" خمسة مظاهر نمائية شائعة في هذا الطور، تمثِّلُ إمكانات نموه، والتي قد لا تتحقق جميعًا بالضرورة خلال الرشد المبكر وهي:

1-

استقرار هوية الأنا أو الذات: يقصد بهوية الأنا أو الذات ego identity، المشاعر التي يكونها الشخص حول نفسه، وتتسم هذه الظاهرة في هذا الطور بأنها أقل تأثرًا بالخبرات المؤقتة أو العارضة كما كان الحال في الماضي، فلا يمكن لذات الشخص أن تتفكك أو تتحلل كما كان يمكن أن يحدث لها منذ عشر سنوات خلت، حين يوصف مثلًا بالجبن أو الفشل، وخاصةً إذا كان الشخص متأكدًا أن ذلك وصف غير صحيح لذاته، ونتيجةً للالتزام الكبير بالأدوار الاجتماعية "وخاصة الدور المهنيّ"، وبالآخرين من حوله "كالزوجة والأبناء"، فإن الراشد يكون أكثر استقرارًا واتساقًا ووضوحًا في نمو شعوره بذاته، ولهذا يحدث ما يسميه وايت: اسقرار هوية الأنا أو الذات.

2-

تحرير العلاقات الشخصية: الراشد كذلك أقل تأثرًا برغباته ونزعاته وخيالاته الخاصة في علاقاته الشخصية إذا قورن بالمراهق أو الشاب، وهذه الحرية تسمح له بتنمية علاقات مع الآخرين، تتفق مع الخصائص والحاجات التي يتسم به الآخرون، وهذا لون راقٍ من التوافق، فحالما يصل الراشد إلى نظرة مستقرة نحو ذاته يكون أقل قلقًا، وأخف اهتمامًا بذاته على نحوٍ يجعل من التيسير عليه تقبل الآخرين، وتكوين علاقات شخصية ناجحة معهم.

3-

تعميق الميول والاهتمامات: خلال هذا الطور ينشغل الراشد الصغير انشغالًا أكبر بمجالات خاصة من الميول والاهتمامات، والراشدون في ذلك على عكس الأطفال والمراهقين والشباب الذين تكون اندماجاتهم في هذه المجالات قصيرة الأمد؛ فالراشد المبكر يظهر التزامًا حقيقيًّا بميوله، سواء أكانت في المجال الأكاديمي أم المهني، في مجال الهواية أم في نطاق العلاقات الشخصية، ولهذا السبب نجد أن الراشد يستفيد من أنشطته أكثر ممن هم أصغر منه سنًّا، سواء أكان ذلك في ضوء المهارات التي يتعلمها، أو الرضا والإشباع الذي يحصل عليه.

4-

زيادة إنسانية القيم: يظهر الراشدون أيضًا وعيًا متزايدًا بالمعنى الإنساني للقيم، وبالوظيفة التي تؤديها في المجتمع، ولم تعد الأخلاق عنده -كما بينا- قواعد جامدة أو مطلقة كما كان الحال من قبل، وإنما أصبح ينظر

ص: 378

إليها في ضوء أكثر شخصية وإنسانية، اعتمادًا على خبرات الحياة، والنظام القيمي العام للمجتمع "النظام القيمي الإسلامي في المجتمعات الإسلامية".

5-

توسيع نطاق الرعاية: إن اهتمام الراشد برفاهية الآخرين يتسع نطاقه خلال فترة الشباب والرشد المبكر، ويتزايد الاتجاه نحو التعاطف مع الآخرين، ولا يقتصر ذلك على الأشخاص الذين يعرفهم أو يتعامل معهم؛ كالزوجة والأبناء والأقارب، وإنما يمتد إلى الإنسانية عامة، ويشمل ذلك أشخاصًا قد لا يرفهم الراشد شخصيًّا، وخاصةً الذين ينتمون إلى الفئات الأقل حظًّا في المجتمع؛ كالفقراء والمرضى والمقهورين.

ومن المتغيرات التي تؤثر في تكيف الراشدين المبكرين الطريقة التي يواجهون بها الناس، ويتفاعلون بها مع ما يسميه بعض الباحثين "Brodzinskey et al 1986" أحداث الحياة، ويعرف حدث الحياة Lif-evevt على المستوى العام جدًّا بأنه أيّ خبرة لها أهميتها لدى الفرد، كما يمكن أن يعرف على نحوٍ أكثر تخصيصًا بأنه ما يؤدي أو يتطلب تغيرًا جوهريًّا في النمط الساري لحية الفرد، وتوجد أحداث حياة يتعرض لها تقريبًا جميع الراشدين؛ كخبرة الدخول في مجال العمل أو الزواج، كما توجد أحداث أخرى يتعرض لها قليل منهم؛ كخبرة السجن أو المرض المزمن، وفي جميع الأحوال تتطلب هذه الأحداث توافقًا من جانب الراشد، يصدق ذلك على الأحداث السارة والأحداث الضارة جميعًا.

ولعل أكثر هذه الأحداث شيوعًا ما يلي: الزواج للجنسين، الحمل والولادة "للإناث"، الطلاق، الدخول في سوق العمل، تغير الوضع المالي، تغير الأنشطة الاجتماعية وغيرها، بهذه الأحداث يشغل الراشد أدوارًا جديدة لم تكن له من قبل، مثل دور العامل والزوج والوالد، إلخ. وبالطبع لا يمارس الجميع هذه الأدوار في نفس الوقت، فبينما يتزوج البعض مثلًا في سن 18سنة، فإن آخرين قد لا يتزوجون إلّا في أواخر الثلاثينات، وهناك القليلون الذين لا يتزوجون أبدًا.

ولعلنا نذكر أن معظم الناس لديهم شعور بأنهم "مبكرون" أو "في الوقت المناسب " أو"متأخرون" بالنسبة للقيام بأدوار الرشد، وتؤكد البحوث أن شعور الفرد بأن "الوقت قد فاته" بالنسبة للقيام بدور معين يعد المصدر الرئيسي للقلق والتوتر لدى الراشدين.

ويختلف أيضًا ترتيبٌ القيام بأدوار الرشد، وقد كان الأمر في الماضي أكثر تحديدًا، فكان من المتوقع من المرأة أن تتزوج وتنجب أطفالًا وهي لم تتعد بعد

ص: 379

العشرين من عمرها، وكان من المتوقع من الرجل أن ينتهي أولًا من تعليمه، ثم يحصل على عملٍ، وبعد هذه الخطوات يتزوج ويكوّن أسرة، إلّا أنه حدث خلال العقود الأخيرة تغيرات في توقيت أحداث الحياة وتتابعها، وأصبح كلاهما أكثر غموضًا عَمَّا كان عليه في الماضي بالنسبة للجنسين، وزاد من ذلك الغموض صعوبة الظروف التي تحقق للإنسان رشده الذي هو في جوهره "استقلال اقتصادي واستقرار اجتماعي"، ولعل أشقَّ هذه الظروف علي في مصر الآن البطالة وأزمة الإسكان "فؤاد أبو حطب 1989".

ويعود بنا ذلك مرةً أخرى إلى مسألة "هوية الأنا أو الذات" في الرشد، لقد افترض النموذج الأساسي لإريكسون أن المراهقة "وربما الشباب" هي طور أزمة الهوية، يتجاوزها الإنسان مع الرشد المبكر إلى أزمة الألفة في مقابل العزلة، والتي يرى إريكسون أن الفرد يتعرض لها في فترة العشرينات من عمره بعد أن تتكون هويته وظيفيًّا، حتى ولو لم تستقر أو تثبت، وتعني الألفة intimacy أن يستطيع المرء أن يتشارك مع الآخرين عن طريق التخلي عن بعض هويته، وحينئذ تحلّ "النحن" محل "الأنا" عند التفكير في الحاضر أو المستقبل، ويؤدي الفشل في تكوين علاقات الألفة إلى العزلة السيكولوجية، والتي هي أبعد عن المرغوبية وعن الصحة النفسية في وقت واحد. أما النجاح في تخطِّي هذه الأزمة فيقود إلى الشعور بالتكافل والتماسك والتضامن مع الآخرين، سواء في العلاقات الزوجية داخل الأسرة، أو العلاقات مع جماعات الأصدقاء، أو مع جماعات التنافس والتعاون في العمل والترويح.

إلّا أن حلّ "أزمة الهوية" -وهو مؤشر سيكولوجي إضافي على بلوغ الرشد -ليس أمرًا سهلًا، وقد أشرنا إلى بعض صعوباته عند تناول طور الشباب "الفصل 14"، وتمتد هذه الصعوبات إلى العمر الثاني للإنسان، وبخاصة طور الرشد المبكر موضع اهتمامنا الآن، وكان مارشيا على رأس مَن اعتبروا أن حلَّ أزمة الهوية في مرحلة الرشد أكثر تعقيدًا من الوصف المبسط الذي يقدمه إريكسون، وفي هذا الصدد يقترح عاملين لهما الدور الحاسم في هذا الصدد؛ أولهما: وجود أزمة شخصية لدى الرشد في مجالٍ معينٍ مثل المهنة أو الدين أو السياسة، وثانيهما: وجود درجة من الالتزام الشخصي لديه بالمسائل الخلافية المختلفة في هذه المجالات، وبالطبع بين هذين العاملين "الأزمة والالتزام" يتوصل مارشيا -من خلال سلسلة من البحوث المنظمة- إلى تصنيف طرق حل أزمة الهوية في الرشد إلى أربع فئاتٍ يسميها مكانات الهوية identity statuses يوضحها الجدول رقم

ص: 380

"16-1" وهذه الفئات الأربع هي:

جدول رقم "16-1" تصنيف مكانات الهوية "عن مارشيا Marcia 1980"

1-

إحراز الهوية: "identity achievement": وأصحاب هذه المكانة من الراشدين هم أولئك الذين تعرضوا لأزماتٍ شخصية في واحد أو أكثر من مجالات الحياة الاجتماعية "المهنة، الزواج، الدين، السياسة.. إلخ" وتوصولًا إلى قرارٍ شخصيٍّ فيه التزام بموقف معين، قد يتفق أو يختلف مع رغبات الآخرين الهامين "الوالدين مثلًا" ووجهات نظرهم، وهؤلاء يتسمون بتقديرٍ عالٍ للذات، واستقلال سيكولوجي، واستدلال خلقي من مستوى رفيع، وألفة "بمعناها عند إريكسون" مع الأشخاص الآخرين، وقلق منخفض، كما يظهرون ميولًا واسعة النطاق، وهذا كله من مؤشرات الرشد.

2-

رهن الهوية "identity foreclosure": وأصحاب هذه المكانة هم عكس الفئة السابقة لأنهم لا يتعرضون لأزماتٍ شخصيةٍ، ومع ذلك لديهم أسلوب حياة واضح وقرارات قيمية محددة، وهؤلاء هم في العادة الذين يستسلمون لرغبات الآخرين الهامين وآرائهم "الوالدين أو القادة أو غيرهم" إما بسبب الضغوط الانفعالية أو الاقتصادية، أو الخوف من الرفض، أو الشعور بعدم الكفاءة، أو نقص القدرة، ويتسم هؤلاء بدرجة عالية من الجمود والتصلب والخضوع للسلطة، كما أن أسلوبهم في التعامل مع الآخرين فيه درجة عالية من التسلط، وهم أكثر تقليدية في الاستدلال الخلقي، ويعوزهم الاستبصار بأنفسهم، ومن هنا جاء وصفهم بأنهم "رهنوا" هويتهم لدى الآخرين، كما يرهن المعوز بعض ما يملك لدى شخص قادر لحين قدرته على السداد، وحين يأتي ذلك الوقت قد يغير بعض "التزاماته" السابقة، فيغير عمله أو تفشل حياته الزوجية.

3-

تأجيل الهوية identity moratorium: وهذه الفئة تشمل أولئك الذين لا يظهرون دليلًا واضحًا على الالتزام، ومع ذلك فهم غير قادرين على اتخاذ قراراتٍ حول حياتهم بسبب ما يتعرضون له من أزمات شخصية في عدد من

ص: 381