المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌نمو الشخصية في مرحلة المراهقة المبكرة: - نمو الإنسان من مرحلة الجنين إلى مرحلة المسنين

[آمال صادق]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌الباب الأول: الأسس العامة

- ‌الفصل الأول: طبيعة النمو الإنساني

- ‌مدخل

- ‌موضوع علم نفس النمو:

- ‌أهداف البحث في علم نفس النمو:

- ‌خصائص النمو الإنساني

- ‌النمو عملية تغير

- ‌ النمو عملية منتظمة:

- ‌ النمو عملية كلية:

- ‌ النمو عملية فردية:

- ‌ النمو عملية فارقة:

- ‌ النمو عملية مستمرة:

- ‌الفصل الثاني: أصول علم نفس النمو في ثقافة الغرب

- ‌أولاً: المنظور اليوناني للنمو الإنساني

- ‌ثانيًا: النمو الإنساني في العصور ر الوسطى في أوربا

- ‌ثالثًا: إحياء النزعة الإنسانية

- ‌رابعًا: النمو الإنساني في عصر التنوير في أوربا

- ‌خامسًا: المقدمات الاجتماعية والثقافية لدراسة النمو الإنساني

- ‌سادسًا: المقدمات العلمية لدراسة النمو الإنساني

- ‌سابعًا: ظهور علم نفس النمو الحديث

- ‌الفصل الثالث: نحو وجهة إسلامية لعلم نفس النمو

- ‌مدخل

- ‌أولًا: النمو الإنساني في القرآن الكريم:

- ‌ثانيًا: النمو الإنساني في السنة النبوية الشريفة

- ‌ثالثًا: النمو الإنساني عند الصحابة:

- ‌رابعًا: النمو الإنساني في الفقه الإسلامي

- ‌خامسًا: النمو في تراث علماء المسلمين وفلاسفتهم

- ‌الفصل الرابع: مناهج البحث في النمو الإنساني

- ‌مقدمة في طبيعة المنهج العلمي في البحث:

- ‌المنهج العلمي في البحث والتصور الإسلامي للمعرفة:

- ‌الملاحظة الطبيعية:

- ‌المنهج التجريبي:

- ‌المنهج شبه التجريبي

- ‌المنهج الارتباطي:

- ‌المنهج المقارن:

- ‌اختبار منهج البحث الملائم:

- ‌الفصل الخامس: النماذج النظرية للنمو الإنساني

- ‌الاتجاهات النظرية الوصفية

- ‌معايير النمو

- ‌مهام النمو:

- ‌الاتجاه نحو النماذج النظرية

- ‌مدخل

- ‌نموذج بياجيه في النمو المعرفي:

- ‌نموذج إريكسون في النمو الوجداني:

- ‌نموذج كولبرج في النمو الخلقلي الإجتماعي

- ‌تعليق عام على النماذج النظرية:

- ‌الباب الثاني: المرحلة الأولى لنمو الإنسان - أطوار الجنين

- ‌مدخل

- ‌الفصل السادس: تكوين النطفة

- ‌التكوين الأساسي للخلية

- ‌النطفة

- ‌مدخل

- ‌النطفة الأمشاج:

- ‌ميكانيزمات الوراثة

- ‌مدخل

- ‌كيف تنتقل الخصائص الوراثية:

- ‌صبغيات (كروموزمات) الجنس

- ‌وراثة الخصائص المرتبطة بالجنس:

- ‌الفصل السابع: أطوار نمو الجنين

- ‌أولًا: طور النطفة الأمشاج

- ‌ثانيًا: طور العلقة

- ‌ثالثًا: طور المضغة

- ‌رابعًا: طور تكوين العظام والعضلات "اللحم

- ‌خامسًا: طور التسوية

- ‌سادسًا: تعلم الأجنة

- ‌الفصل الثامن: رعاية الجنين والأم الحامل

- ‌العوامل المؤثرة في النمو خلال طور ماقبل الولادة

- ‌خصائص الأم

- ‌ التغذية:

- ‌ الأمراض:

- ‌ العقاقير والمخدرات:

- ‌ التدخين:

- ‌ مخاطر البيئة:

- ‌ آثار الوراثة "عامل الريصص

- ‌الباب الثالث: المرحلة الأولى لنمو الإنسان - أطوار الطفولة

- ‌مدخل

- ‌الفصل التاسع: طور الوليد (من الولادة حتى نهاية الأسبوع الثاني)

- ‌ولادة الطفل

- ‌مدخل

- ‌خبرة الولادة لدى الوليد:

- ‌الاتجاهات الوالدية إزاء الولادة:

- ‌اتجاهات الإخوة إزاء الوليد:

- ‌الاتجاهات نحو جنس الطفل:

- ‌الاتجاهات نحو التوائم:

- ‌خصائص نمو الوليد:

- ‌أحكام الشريعة الإسلامية بالنسبة لطور الوليد:

- ‌الفصل العاشر: طور الرضيع (من الولادة حتى نهاية العام الثاني)

- ‌مدخل

- ‌النمو الجسمي والحركي:

- ‌النمو الحسي والإدراكي:

- ‌نموّ الكلام:

- ‌النمو العقلي المعرفي:

- ‌النمو الانفعالي:

- ‌النمو الاجتماعي:

- ‌نمو الشخصية:

- ‌بعض مشكلات طور الرضاعة:

- ‌الفصل الحادي عشر: طور الحضانة (من سن عامين إلى سن التميز)

- ‌النمو الجسمي والفسيولوجي

- ‌النموّ الحسي والإدراكي:

- ‌النموّ الحركي:

- ‌صحة الطفل ما قبل المدرسة:

- ‌النمو اللغوي:

- ‌النموّ العقلي المعرفي:

- ‌النمو الانفعالي والوجداني:

- ‌النموّ الاجتماعي:

- ‌اللعب في مرحلة الطفولة المبكرة:

- ‌النمو الخلقي:

- ‌نمو الشخصية:

- ‌الخبرات التعليمية في طور الحضانة:

- ‌الفصل الثاني عشر طور التمييز

- ‌النمو الجسمي والفسيولوجي

- ‌النمو الحركي:

- ‌أمراض طفل المدرسة:

- ‌النموّ اللغوي:

- ‌النمو العقلي المعرفي:

- ‌النمو الاجتماعي:

- ‌اللعب في مرحلة الطفولة المتأخرة:

- ‌النمو الانفعالي والوجداني:

- ‌النموّ الخلقي:

- ‌نموّ الشخصية:

- ‌دور المدرسة في طور التمييز:

- ‌الباب الرابع: المرحلة الأولى لنمو الإنسان أطوار المراهقة والشباب

- ‌مدخل

- ‌الفصل الثالث عشر: طور بلوغ الحلم "المراهقة

- ‌البلوغ الجنسي:

- ‌النمو الجسمي:

- ‌النمو العقلي المعرفي:

- ‌النمو الانفعالي:

- ‌النمو الاجتماعي:

- ‌النمو الخلقي والاهتمامات الدينية:

- ‌نمو الشخصية في مرحلة المراهقة المبكرة:

- ‌الفصل الرابع عشر: طور بلوغ السعي"الشباب

- ‌طبيعة طور بلوغ السعي (الشباب)

- ‌حدود طور بلوغ السعي "الشباب

- ‌التغيرات الجسمية في طور السعي:

- ‌النموّ العقلي المعرفي:

- ‌السلوك الانفعالي والوجداني ومشكلات الشباب:

- ‌السلوك الاجتماعي في طور السعي "الشباب

- ‌النمو الخلقي والاتجاهات الدينية في طور السعي:

- ‌نمو الشخصية في طور السعي ومسألة الهوية:

- ‌خاتمة المرحلة الأولى من حياة الأنسان:

- ‌الباب الخامس: المرحلة الثانية من الأنسان"قوة الرشد

- ‌الفصل الخامس عشر: حدود الرشد وأهمية مرحلة القوة في حياة الأنسان

- ‌مدخل

- ‌محكات الرشد:

- ‌الحدود العملية للرشد:

- ‌نشاة ونمو الاهتمام بسيكولوجية الراشدين:

- ‌الفصل السادس عشر: أطوار بلوغ الرشد "طور الرشد المبكر

- ‌الخصائص العامة:

- ‌النمو الجسمي:

- ‌النمو العقلي المعرفي:

- ‌النمو الخلقي:

- ‌نمو الشخصية والتوافق ومسألة الهوية:

- ‌الزواج والحياة الأسرية:

- ‌مفهوم الأسرة:

- ‌الزواج:

- ‌الطلاق:

- ‌النمو المهني:

- ‌عمالة الصغار وبطالة الكبار:

- ‌الفصل السابع عشر: طور بلوغ الرشد "وسط العمر

- ‌مدخل

- ‌الخصائص العامة:

- ‌النمو الجسمي

- ‌مدخل

- ‌الصحة والمرض:

- ‌النموّ الجنسي:

- ‌النمو العقلي المعرفي:

- ‌إبداع الراشدين:

- ‌نمو الشخصية

- ‌مدخل

- ‌الميول المهنية واللامهنية:

- ‌التوافق:

- ‌نمو الحياة الأسرية

- ‌مدخل

- ‌التوافق الزواجي:

- ‌النمو المهني:

- ‌الفصل الثامن عشر: التعلم مدى الحياة تعلم الراشدين"الكبار

- ‌تعلم الراشدين"الكبار" والمفاهيم المرتبطة

- ‌دافع التعلم عند الراشدين

- ‌تصنيف دوافع التعلم عند الراشدين

- ‌مثبطات التعلم عند الراشدين"التسرب

- ‌مشكلات المتعلمين الراشدين

- ‌القلق

- ‌ أوهام العمر:

- ‌ المستوى الاقتصادي والاجتماعي:

- ‌شروط التعلم عند الراشدين:

- ‌خاتمة حول العمر الثاني للإنسان:

- ‌الباب السادس: المرحلة الثالثة في حياة الإنسان"ضعف المسنين

- ‌الفصل التاسع عشر: حدود المرحلة الثالثة في حياة الإنسان

- ‌الشيخوخة في اللغة والثقافة:

- ‌حدود الشيخوخة

- ‌المحك العمري

- ‌نحو محكات أخرى للشيخوخة:

- ‌تاريخ البحث في ميدان المسنين:

- ‌موضوع سيكولوجية المسنين:

- ‌نظريات الشيخوخة والتقدم في السن

- ‌أولاً: النظريات البيولوجية

- ‌ثانيًا: النظريات النفسية الاجتماعية:

- ‌الفصل العشرون: طور الشيخوخة

- ‌التغيرات الجسمية

- ‌التغيرات الفسيولوجية

- ‌مدخل

- ‌الصحة والمرض في طور الشيخوخة:

- ‌التغير في الوظائف الحسية:

- ‌التغير في النشاط الحركي:

- ‌التغير العقلي المعرفي

- ‌مدخل

- ‌أولًا: التدهور في القدرات العقلية

- ‌ثانيًا: بنية القدرات العقلية:

- ‌ثالثًا: نسبة الكفاءة ونسبة التدهور

- ‌حكمة الشيوخ

- ‌مدخل

- ‌الحكمة: قدرة القدرات الإنسانية

- ‌أمثلة من البحوث النفسية في الحكمة:

- ‌التقاعد

- ‌مفهوم التقاعد

- ‌قرار التقاعد:

- ‌عملية التقاعد:

- ‌التكيف للتقاعد:

- ‌الحياة الأسرية:

- ‌التوافق والشخصية في طور الشيخوخة:

- ‌عوامل التوافق في الشيخوخة وأنماطه:

- ‌ميول المسنين:

- ‌التغيرات في السلوك الاجتماعي:

- ‌الفصل الحادي والعشرون: طور أرذل العمر

- ‌مدخل

- ‌محكات بلوغ أرذل العمر

- ‌المحك الإسلامي

- ‌المحك المرضي:

- ‌ محك سوء التوافق:

- ‌التغيرات الجوهرية في طور أرذل العمر:

- ‌تصنيف الاضطرابات السلوكية

- ‌مدخل

- ‌أولًا: الاضطرابات الوظيفية

- ‌ثانيًا: الاضطرابات العضوية

- ‌الفصل الثاني والعشرون: رعاية المسنين

- ‌مدخل

- ‌ تعليم المسنين:

- ‌التدخل العلاجي

- ‌مدخل

- ‌خطوات التدخل العلاجي:

- ‌أساليب التدخل العلاجي النفسي:

- ‌الرعاية الشاملة للمسنين:

- ‌خاتمة الكتاب:

- ‌مراجع الكتاب:

- ‌محتويات الكتاب:

الفصل: ‌نمو الشخصية في مرحلة المراهقة المبكرة:

وهذا الشك هو جزءٌ من النموِّ المعرفيّ العام للمراهق الذي تناولناه فيما سبق، وإذا أمكن للمراهق تجاوز أزمة الشك بسلام من خلال برنامج جيد للرعاية النفسية، يتضمن بين مكوناته رعاية دينية مستنيرة، فإن ذلك يقوده إلى ما يسميه سترانج "Strang 1957""حكمة الاعتقاد"، وإذا نجحنا في ذلك، فإن مراهقنا لا يكاد يتجاوز المرحلة الثانوية إلّا وتكون لديه مفاهيم صحيحة عن عقيدته الدينية، ولعلنا بذلك نحمي مراهقينا من الوقوع في براثن الذين يمارسون هواية "اللعب بالدين"، وهي هواية وصلت بالمجتمع المصري إلى حافة الخطر، ثم لعلنا بذلك نفتح باب الاجتهاد البحثي في هذا الموضوع الهامِّ الذي لم يحظ من علماء النفس المصريين والعرب باهتمامٍ يُذْكَرُ منذ أجريت الدراسة الهامة حول نمو الشعور الديني لدى الطفل والمراهق، والتي قام بها في مطلع الخمسينيات أحد أعلام الجيل الثاني لعلم النفس في مصر "عبد المنعم المليجي 1955".

ص: 319

‌نمو الشخصية في مرحلة المراهقة المبكرة:

مع بداية المراهقة يشعر الفتيان والفتيات بما فيهم من صفات حميدة أو ذميمة، ويحكمون عليها بالمقارنة بأصدقائهم، كما يشعرون بدور سمات الشخصية في العلاقات الاجتماعية، ويعطيهم ذلك دافعًا لتحسين شخصياتهم، على أمل زيادة تقبلهم الاجتماعي، ولتحقيق ذلك لا يجب على المراهق أن يكوّنَ مفهومًا واقعيًّا عن الذات فحسب، ولكن يجب أن يكون راغبًا أيضًا في تقبُّل هذا المفهوم.

والمراهق يمكنه أن يكوّنَ صورة مثالية عن نفسه، وتحقيقها بالفعل في عالم الواقع، ويمكنه أن يقبل نفسه بمعنى أن يحب نفسه، ويشعر بأن الآخرين يجدون فيه صفات حميدة، ونتيجةً لذلك يكون أكثر تكيفًا من الناحيتين الشخصية والاجتماعية من مراهقٍ آخر تكون صورة ذاته المثالية غير واقعية، وتجعله يعجز عن تحقيقها بالفعل، وقد يؤدي به ذلك إلى عدم تقبل ذاته، وإلى أن يسلك على نحوٍ يجعل من الصعب على الآخرين تقبله.

ويؤثر في نموِّ الشخصية في هذه الفترة عوامل لم تكن لها قوة مماثلة أثناء الطفولة، ويتحدد الأثر الذي تحدثه بالأسس التي قد تكون تكوّنت لدى المراهق بالفعل خلال مراحل نموه السابقة، فإذا كان عانى كثيرًا من مشاعر النقص، والتي قد تكون قد تدعمت مع بدء المراهقة، فإن مكانته في جماعات المراهقين سوف تزيد لديه حدة هذا الشعور، ومن هذه العوامل المظهر الشخصي للمراهق وملابسه

ص: 319

واسمه وأسرته وأقرانه ومستوى طموحه وتطلعه، وهي جميعًا عوامل تحتاج إلى دراسات جادة في بيئتنا العربية والإسلامية.

وترجع بعض التغيرات التي تطرأ على شخصية المراهق إلى أثر الضغوط الاجتماعية التي يتعرض لها، ويتضح ذلك خاصةً في السمات المتصلة بجنس المراهق؛ فسمات المخاطرة والإقدام مثلًا تميز الفتيان، بينما تميز الفتيات سمات الرقة والمحافظة، وتوجد سمات أخرى تُعَدُّ مقبولةً اجتماعيًّا، وأخرى غير مقبولة اجتماعيًّا لكلٍّ من الجنسين، ويسعى المراهق لتنمية الصفات المقبولة في شخصيته، ونحن في حاجة إلى دراسات جادة تحدد لنا هذه السمات الفارقة لدى كلٍّ من الجنسين في مجتمعاتنا العربية والإسلامية.

وهنا يجب أن نؤكد أن الوالد والمعلم يُقَدِّرُ التلاميذ المراهقين على أسسٍ تختلف عن أسس تقدير بعضهم البعض؛ فهو قد يقدر التلميذ مثلًا لأنه مؤدب أو متدين أو يستذكر دروسه ويؤدي واجباته المدرسية، بينما يُقَدِّرُ المراهقون بعضهم بعضًا على أسسٍ مختلفة، وليس معنى ذلك أن يتبنى المعلم والأب أسس تقدير المراهقين لأنفسهم عند تقديره هو لهم، ولكن معرفة المدرس والوالد بهذه الحقيقة يفيده في فهم شخصية المراهق؛ فالمعلم حين يمتدح التلميذ لأنه متفوق في المدرسة قد يؤدي ذلك به إلى نبذه من جماعة المراهقين التي ينتسب إليها، والتي قد تكون عادةً من ذوي الأداء المدرسي العادي، وقد يؤدي به ذلك إلى أن يتخلف دراسيًّا عن قصدٍ كما بينا من قبل، والمهم للمعلم وهو يتعامل مع المراهقين أن يتعرف على أسس تقدير المراهقين بعضهم لبعض حتى لا يتعارض أسلوبه في معاملة المراهق مع مواضع هذا التقدير.

وربما لا يُوجَدُ عاملٌ يلعب دورًا في مفهوم الذات لدى المراهق يفوق مستوى الطموح، فمن المعتاد أن يحدد المراهق أهدافه؛ بحيث تتجاوز قدراته بسبب ضغوط الوالدين من ناحية، وبسبب عدم قدرته على تقدير قدراته التقدير الصحيح من ناحيةٍ أخرى، وحين يفشل في تحقيق أهدافه يشعر بعدم الكفاية، ويدفعه هذا بدوره إلى الخضوع لمزيد من الضغط للقيام بمزيدٍ من العمل، ويؤدي ذلك كله به إلى القلق، أو اللجوء إلى بعض الحيل اللاشعورية، ومنها الإسقاط "أي: عزو الفشل إلى الآخرين".

وتؤكد الدراسات الكلينيكية "Hurlock 1980" أن عدد الحالات التي تعاني سوء التوافق لأول مرة في مرحلة المراهقة المبكرة قليل بصفة عامة، مالم يحدث

ص: 320

تغير جسمي أو غُدِّي ملحوظ في الفرد، أو مالم يعانِ الفرد من صدمة انفعالية عنيفة، ومعظم حالات سوء التوافق في هذه المرحلة لها تاريخٌ مع السلوك المشكَّلِ، يمتد إلى السنوات المبكرة من مرحلة الطفولة، وبالطبع تتهيأ في المراهقة لهؤلاء المراهقين سوء التوافق فرصةً لزيادة هذه المشكلات الشخصية لديهم، وذلك بسبب التغيرات الشديدة التي تحدث في هذه المرحلة، وخاصة في مطلعها، ولهذا وجدنا البحوث التي تتناول مشكلات الشباب تتخذ بدايتها في العادة مرحلة المراهقة المبكرة، وقد أُجْرِيَتْ بحوثٌ كثيرةٌ في هذا الميدان، سنتناولها بالعرض عند الحديث عن طور السعي "الشباب". ويقودنا هذا إلى الإشارة إلى التمييز العام بين الشخصية "العادية" والشخصية "السليمة" في هذه المرحلة؛ فعادةً ما يُوصَفُ المراهق المبكر بأنه "عادي"، لمحض أنه يقوم بأدواره تبعًا للتوقعات الاجتماعية، إلا أن هذا لا يعني بالضرورة أنه سليم، من وجهة نظر الصحة المدرسية، فالشخصية "السليمة" هي التي تشتق إشباعًا شخصيًّا ورضًا ذاتيًّا من القيام بالدور الذي تحدده التوقعات الاجتماعية، ولعلنا بهذا التمييز ننبه إلى ضرورة تهيئة بيئة مدرسية ومنزلية واجتماعية على نطاق المجتمع الشامل، تهيئ للمراهق تنمية مشاعر الإشباع والرضا الشخصي فيه، ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلّا إذا توافرت في هذه البيئات شروط الصحة الاجتماعية والنفسية.

أزمة الهوية:

من بين جميع أزمات النموِّ تحتل أزمة تحديد الهوية في مقابل الغموض بؤرة اهتمام إريكسون في بناء نموذجه للنمو الوجداني والانفعالي، فمع البلوغ ينمو الجسم بسرعة، وتطرأ عليه تغيرات هائلة، وهذه التغيرات تحدث قدرًا من الاضطراب لدى المراهقين من الذكور والإناث؛ فتنشأ لهم أدوارٌ اجتماعيةٌ جديدةٌ، بالإضافة إلى أن صورهم عن ذواتهم كأطفال، لم تعد ملائمة للمظهر الجديد الذي هم عليه، ولمشاعرهم الجديدة نحو الجنس الآخر، وكذلك تنشأ مطالب وتوقعات جديدة لدى الكبار والأقران، تختلف عن تلك التي كانت في الطفولة، ويؤدي ذلك كله إلى خلطٍ شديدٍ لدى المراهق المبكِّر، يسميه إريكسون أزمة الهوية identity.

ومن العوامل التي تؤثر في طور المراهقة المبكِّرَةِ نتائج الخبرات التي تعرَّضَ لها المراهق في مراحل نموه السابقة، وهي التي تضمن التكامل الناجح بين الدوافع الأساسية لدى الفرد وقدراته الجسمية والعقلية وفرص الحياة التي توفرها له البيئة الاجتماعية، ومعنى ذلك أن نموَّ الطفل السابق على البلوغ "لفترة تصل إلى

ص: 321

12 سنة أو نحوها" يتم تركيبه وتوليفه مع مطلع المراهقة ليعطي للفرد شعورًا بالهوية الشخصية أو بتحديد الذات.

وهذا الشعور بالهوية الشخصية يتضمن أن يحتفظ الفرد لنفسه بصورة لذاته، فيها التماثل والاستمرار، والتي تتطابق مع التماثل والاستمرار الذي يكوّنه الآخرون عنه، والإضافة إلى ذلك، فإن المراهق يكون في حاجةٍ إلى أن يكتسب وعيًا متزايدًا بأهدافه، وفهمًا واضحًا للعالم الواقعيّ الذي يتعامل معه بأسلوبه في الحياة.

والخطر الحقيقيّ في هذه المرحلة يسميه إريكسون "خلط الأدوار" أو "خلط الهوية"؛ فالمراهق لا يعرف أحيانًا مَنْ يكون بالنسبة لنفسه وبالنسبة للآخرين؛ فالأولاد والبنات يتحولون فيها إلى صورة مصغرة من الرجال والنساء، ويعانون نتيجةً لهذه الصورة من الخلط والاغتراب والانفصال، ويُعَدُّ الشعور بالهوية المشكلة الجوهرية في هذه الفترة؛ فالمراهق يسعى إلى معرفة مَنْ يكون؟ وما دوره في المجتمع؟ وهل هو طفلٌ أم راشدٌ؟ هل يمكنه أن يصبح زوجًا وأبًا، أو يمكنها أن تصبح زوجةً وأمًّا؟ وكيف يكسب عيشه؟ وأيّ مهنة يعمل؟ وفوق هذا كله هل ينجح أم يفشل؟ ولهذا نجد المراهق مهتمًّا بإدراك الآخرين له، ومقارنته بإدراكه لذاته، ويؤدي به عدم القدرة على فهم الذات -أو نقصان الهوية- إلى الخلط والغموض، والفشل في حل هذه الأزمة يؤدي إلى إطالة مرحلة المراهقة، وفشل تكامل الشخصية في مرحلة الرشد.

ومن نوع الميكانيزمات الدفاعية ضد خلط الهوية التي يلجأ إليها المراهقون، التَّقَمُصُ الزائد للأبطال والجماعات والجماهير والغايات، وهو ميكانيزم قد يُفْقِدُ المراهق فرديته مؤقتًا، وبه يعاون المراهقون بعضهم بعضًا على التغلب على أزمة الهوية، وذلك من خلال المجتمع معًا، ويفسر لنا ذلك ظهور الجماعات التي تصبّ المراهقين في قالبها من حيث الملبس والكلام والسلوك والمثل العليا، وهي جماعات لا تتسامح عادةً مع من هم خارجها، وقد ينجم عن ذلك صراعٌ مع الوالدين والإخوة والآخرين القريبين منهم، وقد يمتد ذلك إلى الصراع مع السلطة في المجتمع، وقد يفسر لنا ذلك ظهور الجماعات المتطرفة التي يكون معظم أعضائها من المراهقين والشباب.

أما المراهقون الذين يستطيعون حل مشكلات المراهقة بنجاحٍ، فإنهم يحرزون شعورًا قويًّا بالفردية، بالإضافة إلى اعتراف المجتمع بهم كأعضاء فيه يقبلهم ويقبلونه، وهو شعور صحيٌّ يقود إلى المواطنة الصحيحة والسلوك الاجتماعي السليم.

ص: 322

مدرسة المراهقين:

تختلف خبرات المراهق في المدرسة عن خبرات الطفل، ومع ذلك فإن النتائج تكون متشابهة بين مدرسة الأطفال ومدرسة المراهقين.

وقبل أن نبدأ في عرض أثر المدرسة، نتناول إحدى مشكلات النظام التعليمي لهذه المرحلة، فقد ساد لفترةٍ من الوقت تخصيص مرحلة تعليمية منفصلة للطور النمائي الخاص بالبلوغ والمراهقة المبكرة "اصطلح على تسميتها المرحلة الإعدادية أو المرحلة المتوسطة"، إلّا أنه منذ بضع سنوات شاعت "موجة" التعليم الأساسي الذي تَرَتَّبَ عليها دمج المرحلتين الابتدائية "التي تتطابق مع طور التمييز"، والإعدادية "التي تتطابق مع طور المراهقة المبكرة أو بلوغ الحلم"، في مرحلة واحدة مكونة من تسع سنوات، ثم طرأ تعديل جديد فخفض المدة الكلية لهذه المرحلة إلى ثماني سنوات، وفي جميع الأحوال اعتُبِرَ الطوران النمائيان مرحلة واحدة.

والواقع أن جميع الشواهد السيكولوجية تؤكد لنا أن طور البلوغ أو المراهقة هو مرحلة وسط بين المرحلة الأعلى "الشباب ثم الرشد"، والمرحلة الأدنى "الطفولة"، والأصح في رأينا أن تظل بوضعها الذي ظلَّ قائمًا لسنوات طويلة، فترة انتقالية بين الطفولة والشباب أو بلوغ السعي.

ويزيد من صحة الرأي الأخير أن الخبرات المدرسية في طور المراهقة المبكرة تختلف عن كلٍّ من تلك التي تقدَّمَ في كلٍّ من طور الطفولة والشباب؛ فالمعلمون عادةً ما يكونون أقل تعاطفًا وأقل اهتمامًا بالمشكلات الفردية إذا قورنوا بمعلمي المرحلة الابتدائية، أضف إلى ذلك أن خبرة البلوغ تدع المراهقين أكثر وعيًا بذواتهم، بمقارنتهم بالمرحلتين الأخريين، بالإضافة إلى ذلك فإنهم يشعرون بأنهم ينأون تدريجيًّا عن الطفولة، إلّا أنهم في نفس الوقت أبعد ما يكونون عن الرشد "على عكس الشباب في المرحلة الثانوية"، ولهذا لا يُعَدُّ التعليم بالنسبة إليهم دافعًا للتخطيط الجادِّ للمستقبل المهني أو النشاط الأكاديمي، وعلى الرغم من أن حوالي 25% من المراهقين المبكرين يهتمون بالحصول على درجات عالية في الامتحانات، إلّا أن معظمهم أكثر اهتمامًا بالجوانب الاجتماعية للمراهقة "Golhaber 1986".

ص: 323