الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التدخل العلاجي
مدخل
…
التدخل العلاجي:
يثير موضوع التدخل العلاجي للمسنين عددًا من المشكلات الخاصة؛ فالبعض يرى أن طرق العلاج الموجهة بالنمو ليست ملائمة مع المسنين، وكان فرويد على رأس هؤلاء، وقدَّم ثلاثة أسباب لعدم استفادة المسنين من العلاج النفسي هي:
1-
نقص المرونة العقلية لدى المسنين، وبالتالي نقص القدرة على التغير.
2-
تراكم كم هائل من الخبرة لدى المسنين تجعل من الصعب على المعالج النفسي العامل معهم.
3-
نقص اهتمام المسنين بموضع الصحة النفسية إذا قورنوا بمن هم أصغر سنًّا.
وعلى الرغم من أن هذه الافترضات الثلاثة يمكن دحضها جميعًا في ضوء الأساليب العلاجية الحديثة، إلّا أن المسنين لا يزالون من الفئات غير المرغوب فيها لدى المهنين العلاجيين، ويرجع ذلك إلى مجموعة من"الخرافات" الشائعة، صنعت هذه الحواجز والحوائل بين المعالجين ومن هم في حاجة إلى عنايتهم من هذه الفئة العمرية، وتلخص "Kermisl، 1984" هذه الخرافات في أربع فئات هي:
1-
خرافة أن الشيخوخة هي عمر الهدوء النسبي؛ حيث يستريح المرء من عناء الحياة ويجني ثمار جهده وعمله في السابق، وعلى هذا الأساس قامت نظرية عدم الانشغال والتحرر من الالتزامات، أو الانسحاب من البيئة، وهذه الخرافة لها أثر تدميريّ في مجال التدخل العلاجي للمسنين؛ لأنها تشجع الاعتقاد الزائف بأنه لا يوجد في مرحلة الشيخوخة مشكلات خاصة بالصحة النفسية والعقلية، بينما العكس هو الصحيح، ففي هذه المرحلة ضغطٍ وإجهاد قد يفوق ما يعانيه المرء في أطواره السابقة بسبب ضيق الحيز الاجتماعي ونقص القدرات الجسمية والعقلية، وهذه جميعًا قد تتطور إلى صورها المتطرفة التي يشهدها بعد ذلك طور أرذل العمر كما بينا.
2-
خرافة عدم استجابة المسنين للعلاج؛ حيث يرى الكثيرون أن المرضى المسنين يقاومون التغير، بل قد تعوزهم القدرة عليه، هذا الاعتقاد يؤثر أيضًا في
أهداف المعالج النفسي وجهوده عندما يبدأ في تقديم الخدمة العلاجية للمرضى في هذه المرحلة العمرية، وحقيقة الأمر أن المسنين على الرغم من أنهم قد يكونون محافظين في حياتهم الشخصية -ربما بسبب الضغوط الاقتصادية- فإن لديهم القدرة على التغير، ويمكنهم التوافق بنجاح مع كثير من التغيرات التي تطرأ على حياتهم المتأخرة، والتي عرضناها في الفصل العشرين، وهناك حقيقة أخرى هي أن العلاج النفسي قد استخدم بالفعل -بنجاح واضح- مع الشيوخ وهم في الستينات والسبعينات والثمانينات من العمر، وبالطبع فإن علاج هؤلاء يتطلب استخدام فنيات مختلفة عن تلك التي تستخدم مع من هم أصغر سنًّا.
3-
خرافة أن خلل المخ هو المشكلة الرئيسية أو الوحيدة لدى المسنين: حيث يقصر بعض المتخصصين اهتمامهم على الاضطرابات المخية العضوية دون سواها، وقد أشرنا إلى أنه -حتى في طور أرذل العمر- توجد اضطرابات وظيفية لا تقل أهميةً، بل نكاد نقول: إن خلل المخ لا يفسر جميع الاضطرابات السلوكية التي تظهر لدى المسنين؛ فهناك علميات أساسية مرتبطة بعملية التقدم في السن ذاتها، والتي تُسَمَّى الشيخوخة العادية أو الطبيعية، أضف إلى ذلك أن هناك بعض الاضطرابات السلوكية من النوع الحاد والذي يقبل العلاج، ومن الأخطاء الفادحة أن يعتقد المعالج النفسي أن جميع الاضطرابات التي تظهر في مرحلة الشيخوخة من النوع المزمن الذي لا يقبل العلاج، وقد ذكرنا في الفصل الحادي والعشرين أمثلة للاضطرابات من النوع الأول.
4-
خرافة حتمية إيداع المسنين في المؤسسات: يرى كثير من المتخصصين أن اضطرابات المسنين تتطلب إيداعهم لفترات طويلة الأمد في المؤسسات، على الرغم من أن كثيرًا منهم يؤدون وهم في بيوتهم على نحوٍ أفضل بكثير، بل إن واقع الحال يؤكد لنا أن كثيرًا من الأسر تتحمل كثيرًا من العسر والمشقة حتى يعيش المسنون من أعضائها حياتهم الطبيعية داخل مجتمعهم وبيوتهم، ويصدق ذلك أكثر على المجتمع العربي الإسلامي الذي تَحُضُّ تعاليم الإسلام فيه على رعاية الأبناء خاصةً لوالديهم الذين "يبلغون الكبر"، وهناك نماذج يقتدي بها الأبناء من الرجال والنساء قدموا الكثير لوالديهم المسنين حرصًا على بقائهم في بيوتهم الخاصة رغم الصعوبات المادية والضغوط النفسية التي قد يتعرض لها ويعاني منها هؤلاء الأبناء، إلّا أن ذلك لا يعني بالضرورة أن إيداع المسنين بالمؤسسات "ومنها دور الرعاية" محظور يجب تجنبه، فهذا في ذاته خرافة جديدة لا يقل خطرها عن خرافة حتمية إيداعهم في هذه المؤسسات.