الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحدود العملية للرشد:
حتى يمكن تناول مرحلة الرشد لا بُدَّ من اللجوء إلى بعض الحدود العملية التي تسمح لنا بتحديد نقطة البدء، ويمكن بالطبع أن نعتبر العمر القانوني للرشد من نوع هذه الحدود، صحيح أنه ليس محكًّا صارمًا جامدًا فاصلًا، وإنما هو من المرونة بحيث يسمح باستيعاب َمْن تتوافر فيه مؤشرات الرشد قبله أو بعده.
وعلى هذا، فإن الفترة من سن الرشد القانوني "21 عامًا" وحتى سن الأربعين تقريبًا، هي ما يصفه علماء النفس الارتقائيون بطور الرشد المبكر، وسوف نشير إليه بطور "بلوغ الرشد" التزامًا بالتعبير القرآني، وهو الطور الذي تحدث فيه أكبر عمليات التوافق في حياة الإنسان، وهذا ما يجعل له خصائص مميزة عن الأطوار والمراحل التي سبقته وتلك التي تليه.
ومع بلوغ سن الأربعين يكون المرء قد وصل إلى طور "بلوغ الأشد" -حسب التعبير القرآني الكريم- وبدأ طورًا جديدًا يسميه علماء النفس الارتقائيون أيضًا طور الرشد الأوسط، أو وسط العمر، والذي يمتد حتى سن الستين أو بعده بقليل، ومن الغريب أن هذه المرحلة هي الأقل استطلاعًا وبحثًا من بين جميع مراحل العمر، لأنه حتى عهد قريب لم تكن هناك إلّا مشكلات قليلة لا تتعدى حدود المشكلات الفسيولوجية المرتبطة بما يُسَمَّى التغيرات مدى الحياة، والتي بدت هامة لدرجة جذبت انتباه علماء النفس الذين شغلتهم على التوالي: الطفولة فالمراهقة، ثم ازداد الاهتمام بالشيخوخة في السنوات الأخيرة، ثم بمرحلة الرشد المبكر. أما طور بلوغ الأشد أو وسط العمر "الرشد الأوسط" فلا زالت أقل المراحل بحثًا، فلا يتوافر حولها قدر كافٍ من البحوث والمعلومات العلمية.
ومع تخطي الستين -وهي سن التقاعد الرسمي في معظم الأحوال- يدخل المرء في مرحلة الرشد المتأخر، والتي شمل الشيخوخة والهرم، وهي مرحلة الختام، والتي تمثل المرحلة الثالثة من حياة الإنسان، والتي سنخصص لها الباب التالي من هذا الكتاب.
نشاة ونمو الاهتمام بسيكولوجية الراشدين:
في عرضٍ مختصرٍ لتاريخ سيكولوجية الرشد يذكر Perlmutter Hall 1985" أن هذا الميدان تزايد البحث فيه بعد الحرب العالمية الثانية، على الرغم من أن الاهتمام بالنمو الإنساني -كما بينا في الفصول الأولى من هذا الكتاب- يمتد إلى جذور الفكر الإنساني، وعلى الرغم من أن علم نفس النمو -بعد ظهوره العلمي في القرن التاسع عشر- انشغل لأكثر من قرن من الزمان بسيكولوجية الطفولة، صحيح أن هناك بعض البحوث التي تركَّزَت أساسًا على الأطفال، والتي بدأت في العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين، ألقت بعض الأضواء على سيكولوجية الرشد، وخاصةً تلك البحوث الطولية التي تتبعت عينات من الأطفال لعقود من الزمان، إلّا أنه لم تجر بحوث منظمة شاملة حول الموضوع حتى منتصف
القرن الحالي، ومن أشهر هذه البحوث التي تمت على الأطفال دراسة لويس ترمان، التي أجراها في جامعة ستانفرد بالولايات المتحدة الأمريكية على 1500 طفل متفوق عقليًّا، ظلوا موضع الدراسة التتبعية حتى بلغوا السبعينيات من عمرهم، كما أجريت ثلاث دراسات منفصلة في جامعة كاليفورنيا، استمَرَّ كلٌّ منها لأكثر من نصف قرن، وهكذا وجد هؤلاء الباحثون أنفسهم يبحثون في سيكولوجية الراشدين، على الرغم من أن اهتمامهم المبدئي والأصلي كان متمركزًا حول سيكولوجية الأطفال.
كما ظهرت دراسات متفرقة حول سيكولوجية الراشدين، وخاصة لمواجهة متطلبات الحرب العالمية الأولى، ولعل ظهور اختبار ألفا الحربي، كان فرصةً ملائمةً للاهتمام، خاصةً بذكاء الراشدين، والذي أدّى إلى ظهور أحد اختبارات الذكاء الشهيرة الملائمة لهذه الفئة العمرية، وهو اختبار وكسلر، وقد هيأ ظهور اختبارات ذكاء الراشدين الفرصة لإجراء بحوثٍ مختلفةٍ حول العلاقة بين التعليم والمستوى الاقتصادي والاجتماعي ونمو وتدهور الذكاء عبر مدى الحياة، أما المهارات الحركية للراشدين فكانت موضع اهتمام وحدة بحوثٍ خاصةٍ بجامعة ستانفرد منذ عام 1928، وذلك بهدف دراسة مشكلات العاملين الذين يعانون من مشكلات صعوبة الحصول على أعمال مناسبة في مجال الصناعة.
وفي ألمانيا بدأ الاهتمام بنموِّ الراشدين في العشرينات من القرن العشرين أيضًا، وشهد مطلع الثلاثينات ظهور شارلوت بوهلر التي بدأت اهتمامها بدراسة الأطفال والمراهقين، ثم وسَّعَتْ نطاقها إلى الراشدين، وتنبهت إلى أهمية دراسة النموِّ مدى الحياة.
وخلال الحرب العالمية الثانية اتخذت خطوات هامة في ميدان دراسة نموِّ الراشدين، لعل أهمها تكوين لجنة لدراسة النموِّ الإنساني بجامعة شيكاغو، من علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا وعلم النفس، وتركيز مركز نافيلد للبحوث بجامعة كمبردج "في بريطانيا" حول سيكولوجية العامل الراشد، وقد صدرت عن هاتين الوحدتين العلميتين بحوثٌ هامَّةٌ حول الموضوع، حوَّلَتْ اهتمام المنظرين إلى هذا الميدان الهام، ويُعَدُّ نشر إريك إريكسون في عام 1950 لنظريته الشاملة في نموِّ الشخصية على مدى حياة الإنسان علامة بارزة في هذا الميدان.
وشهدت السنوات الأربعون الماضية اهتمامًا كبيرًا بسيكولوجية الراشدين، مع زيادة الحركة التي تُسَمَّى بتربية الكبار والتربية المستمرة، ويوجد في الوقت الحاضر عددٌ كبيرٌ من مراكز البحث والتدريب في هذا الميدان الهام في عدد من
الجامعات والمنظمات الدولية، وبخاصةٍ اليونسكو التي أنشأت عدة مراكز إقليمية لتعليم الراشدين "الذي شاع في اللغة العربية باسم تعليم الكبار"، ومنها المركز الدولي للتعليم الوظيفي للكبار، في العالم العربي بسرس الليان في جمهورية مصر العربية.
ونعرض في الباب الحالي نتائج البحوث حول النموِّ الإنساني في هذه المرحلة الهامة التي نسميها مرحلة قوة الرشد، وسوف يكون تناولنا لهذه المرحلة من خلال طورين رئيسيين هما:
1-
طور بلوغ الرشد "الرشد المبكر": والذي يمتد من إيناس الرشد وحتى قبيل بلوغ الأشد في سن الأربعين.
2-
طور بلوغ الأشد "الرشد الأوسط أو وسط العمر": والذي يمتد من سن الأربعين وحتى إرهاصات الشيخوخة في حوالي سن الستين أو بعدها.