الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وبصفة عامة يمكن القول أن قرار الإيداع يعتمد في جوهره على حكم وحكمة المهني المتخصص في العلاج النفسي لهذه الفئة العمرية، ويتحدد ذلك في ضوء محكَّيْن جوهريين هما اتجاهات أفراد الأسرة "وخاصة الأبناء" نحو العضو المسن فيها "ويشمل ذلك أيضًا الاتجاه نحو الاعتمادية في الشيخوخة" والإمكانات الموضوعية للأسرة وقدرتها على رعايته في مجتمعه وبيئته.
وفي جميع الحالات يجب على الأخصائي النفسي والطبيب والأخصائي الاجتماعي، وكل من يقدم خدمة للمرضي من المسنين أن يدرك أن الشيخوخة جزء من عملية النموّ الإنساني مدى الحياة، فالمسنون لديهم ثروة من الذكريات والمعارف والمهارات والخبرات تجعلهم مختلفين عن المرضى الأصغر سنًّا، بل مختلفين بالطبع عن حالهم هم أنفسهم حينما كانوا أصغر سنًّا، وفي نفس الوقت يعاني هؤلاء المسنون من التدهور والنقص والخلل الذي يرتبط بأنواع من المشكلات الخاصة، ويتطلب القيام بمهام محددة تتطلب مهارت الأخصائي في العلاج النفسي والصحة النفسية، وهذه المهارات كغيرها من المهارات الإنسانية، يمكن اكتسباها وتنميتها لزيادة كفاءة الأخصائي في العمل مع المسنين.
خطوات التدخل العلاجي:
يذكر "Huyck & Hoyer، 1984" أن أيَّ برنامج للتدخل العلاجي يتطلب ثلاث خطوات أساسية هي:
1-
تحديد المشكلة التي تتطلب العلاج: وهذه الخطوة تثير على الأقل ثلاثة أسئلة جوهرية هي: من يحدد المشكلة؟ وما هو الحد الذي عنده توصف عملية نفسية معينة بأنها مشكلة؟ وكيف يمكن أن يوصف أي تحدٍّ للشخص على أنه مشكلة؟
وللإجابة على هذه الأسئلة يمكن القول بأن وصف أيّ حدثٍ سلوكيٍّ بأنه مشكل، يعني أنه لا يصدق عليه وصف النشاط العادي أو المعتاد للإنسان، وأن أيَّ جهدٍ توافقيٍّ فشل معه بالفعل، أو أنه يتوقع له الفشل في المستقبل إذا لم يتم التدخل العلاجي، وقد يحدد ذلك أطراف عديدة منهم الشخص الذي يعاني بالفعل من المشكلة"أي: الشخص المسن نفسه"، والشخص الذي تطلب منه المساعدة في حلها "الأخصائي النفسي مثلًا"، والشخص الذي يقدم الرعاية Caregiver، والشخص الذي يتولى تكلفة العلاج "الابن أو الابنة مثلًا"، ولا بُدَّ من فهم نظرة كلٍّ منهم إلى تحديد المشكلة، وبالطبع قد ينشأ خلاف أو صراع بينهم حول هذا التحديد، إلّا أن المهم هو الوصول إلى اتفاق، وإلّا فإن جهود التدخل تصبح صعبة.
إن لم تكن مستحيلة، وبالطبع أيضًا فإن الوصول إلى هذا الاتفاق يكون ميسورًا في الحالات البسيطة، أما مع المشكلات المعقدة فقد تزداد هوة الخلاف اتساعًا؛ كأن يرفض الابن أو يتردد في قبول فكرة حاجة والده المسن للعلاج النفسي، كما أن المسن قد يرفض فكرة المرض الذي يحتاج لمثل هذا التدخل العلاجي، وقد ينشأ عن ذلك أن كلًّا من الابن الراشد والوالد المسن يؤجلان البحث عن العلاج حتى تصل المشكلة إلى درجة كبيرة من الحدة والخطر.
2-
تحديد أسباب المشكلة: حالما يتم تحديد المشكلة تصبح الخطوت الهامة التالية تحديد أسبابها، وقد عرضنا في الفصل السابق الأسباب المفترضة للأنواع المختلفة من الاضطرابات النفسية في الشيخوخة، كما يتناولها الوضع الراهن لكلٍّ من علم النفس المرضي والطب العقلي "السيكياتري"، وكما حددها الدليل الأخير للجمعية الأمريكية للطب العقلي DSM IV، وبالطبع عرضة للتغير المستمر في ضوء الأدلة التي تتوافر لدى العلماء يومًا بعد يوم.
ومن الواجب -في معظم الحالات- على المعالج النفسي أن يتوافر له فهم جيد لتاريخ الحالة، ويشمل ذلك العوامل المنبئة بالمشكلة الراهنة، والمسارات المختلفة التي اتخذتها، والتوقعات المختلفة لها إذا لم يتم التدخل العلاجي، ومن حقائق الوضع الراهن للاضطرابات السلوكية أننا لا نفهم بعد إلا القليل من هذه الاضطرابات فهمًا جيدًا، كما أن بعض هذه المشكلات أيسر فهمًا في بعض المراحل العمرية دون غيرها، فمشكلات الطفولة مثلًا أوضح نسبيًّا من مشكلات الراشدين والمسنين.
وتوجد عدة طرق يستخدمها العلماء في تحديد أسباب المشكلات نذكر منها:
أ- توصيف خصائص مجموعة من الأفراد التي تشخص بأنها تعاني من اضطراب معين، وهذه الطريقة ليست دقيقة لأسبابٍ كثيرة؛ لعل أهمها: عدم وجود مجموعات للمقارنة يمكن من خلالها الحكم على ما إذا كانت العوامل المفترضة ترتبط بالفعل بالمجموعة المرضية، أم أنها عوامل مشتركة في مرحلة عمرية معينة، بصرف النظر عن الاضطراب ذاته.
ب- المقارنة بين المجموعة المرضية ومجموعة ضابطة: وبالطبع فإن اختيار مجموعة المقارنة "المجموعة الضابطة" الملائمة من الصعوبة بمكان، وخاصةً مع المسنين، ومع ذلك فإن مجموعتي المسنين يجب أن تتكافأ على الأقل
في عاملي الجنس والمستوى الاقتصادي والاجتماعي، وحالما يتوصل الباحث إلى المجموعة الضابطة الملائمة يقارن بينها وبين المجموعة المرضية لتحديد العوامل الفارقة بينهما.
ج- الدراسات المسحية: وهي الدراسات التي يجريها المتخصصون في علم انتشار الأمراض epidemiology لمعرفة توزيع الاضطراب السلوكي في الأصل الإحصائي السكاني العام والعوامل المحدثة له، وبالطبع فإن أحد القرارات الهامة في مثل هذه البحوث تحديد "الأصل الإحصائي السكاني" موضوع الاهتمام؛ فأحيانًا يعتمد هذا القرار على بعض الخصائص الفردية مثل العمر أو الجنس أو الطبقة الاجتماعية، وأحيانًا أخرى يعتمد على توصيفٍ لمجتمعٍ معينٍ محدد المعالم، وتزداد قيمة مثل هذه الدراسات المسحية إذا أجريت بطريقة طولية، فحينئذ يمكن لنا الحصول على معلومات هامة حول مدى الترابط بين الأحداث النفسية وتحديد نقاط بداية ظهور المشكلات، وبالتالي نمط الاضطرابات عند نشأتها، وفي مثل هذه الدراسات أيضًا تتوافر فرص كثيرة لوجود أفراد "أسوياء"، يمكن مقارنتهم بأولئك الذين يظهرون الاضطراب، وكذلك فإن درجة استقرار العلاقة بين الاضطرابات والخصائص الفردية يمكن مقارنتها بالنماذج المشتقة من مجتمعات أو أصول سكانية إحصائية متشابهة أو مختلفة.
د- الاستنتاج من آثار العلاج: يمكن الوصول إلى أسباب المرض من خلال دراستنا لنتائج الطرق المختلفة للتدخل، فإذا قام الباحث مثلًا باختبار فعالية طرق مختلفة للعلاج "بالعقاقير أو بالعمل مع الجماعة مثلًا" سواء مجتمعة أو منفصلة، فإنه يستنتج من المشكلات التي تستجيب لأحد الأساليب العلاجية الأسباب المحدثة لها؛ فمثلًا حين يؤدي العلاج بالعقاقير وحده إلى تحسين حالة المرض بينما لا تؤدي الطرق الخرى إلى نفس النتيجة، فإننا قد نستنتج أن هذا المرض له أسبابه البيولوجية، وإذا حدث العكس مع اضطرابٍ آخر كان أكثر استجابة للعلاج من خلال العمل مع الجماعات، فإننا نستنتج أن أسبابه اجتماعية وثقافية في طبيعتها.
3-
اختيار الأسلوب الملائم للعلاج: توجد طرق كثيرة للعلاج، والطبع فإن الخطوة الأخيرة للتدخل العلاجي أن يقرر المعالج -عن فهم وبصيرة بالأساليب المختلفة المتاحة- الطريقة الملائمة للحالة موضع الرعاية.