المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌نمو الحياة الأسرية ‌ ‌مدخل … نمو الحياة الأسرية: تتغير طبيعة الحياة الأسرة تغيرًا جوهريًّا - نمو الإنسان من مرحلة الجنين إلى مرحلة المسنين

[آمال صادق]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌الباب الأول: الأسس العامة

- ‌الفصل الأول: طبيعة النمو الإنساني

- ‌مدخل

- ‌موضوع علم نفس النمو:

- ‌أهداف البحث في علم نفس النمو:

- ‌خصائص النمو الإنساني

- ‌النمو عملية تغير

- ‌ النمو عملية منتظمة:

- ‌ النمو عملية كلية:

- ‌ النمو عملية فردية:

- ‌ النمو عملية فارقة:

- ‌ النمو عملية مستمرة:

- ‌الفصل الثاني: أصول علم نفس النمو في ثقافة الغرب

- ‌أولاً: المنظور اليوناني للنمو الإنساني

- ‌ثانيًا: النمو الإنساني في العصور ر الوسطى في أوربا

- ‌ثالثًا: إحياء النزعة الإنسانية

- ‌رابعًا: النمو الإنساني في عصر التنوير في أوربا

- ‌خامسًا: المقدمات الاجتماعية والثقافية لدراسة النمو الإنساني

- ‌سادسًا: المقدمات العلمية لدراسة النمو الإنساني

- ‌سابعًا: ظهور علم نفس النمو الحديث

- ‌الفصل الثالث: نحو وجهة إسلامية لعلم نفس النمو

- ‌مدخل

- ‌أولًا: النمو الإنساني في القرآن الكريم:

- ‌ثانيًا: النمو الإنساني في السنة النبوية الشريفة

- ‌ثالثًا: النمو الإنساني عند الصحابة:

- ‌رابعًا: النمو الإنساني في الفقه الإسلامي

- ‌خامسًا: النمو في تراث علماء المسلمين وفلاسفتهم

- ‌الفصل الرابع: مناهج البحث في النمو الإنساني

- ‌مقدمة في طبيعة المنهج العلمي في البحث:

- ‌المنهج العلمي في البحث والتصور الإسلامي للمعرفة:

- ‌الملاحظة الطبيعية:

- ‌المنهج التجريبي:

- ‌المنهج شبه التجريبي

- ‌المنهج الارتباطي:

- ‌المنهج المقارن:

- ‌اختبار منهج البحث الملائم:

- ‌الفصل الخامس: النماذج النظرية للنمو الإنساني

- ‌الاتجاهات النظرية الوصفية

- ‌معايير النمو

- ‌مهام النمو:

- ‌الاتجاه نحو النماذج النظرية

- ‌مدخل

- ‌نموذج بياجيه في النمو المعرفي:

- ‌نموذج إريكسون في النمو الوجداني:

- ‌نموذج كولبرج في النمو الخلقلي الإجتماعي

- ‌تعليق عام على النماذج النظرية:

- ‌الباب الثاني: المرحلة الأولى لنمو الإنسان - أطوار الجنين

- ‌مدخل

- ‌الفصل السادس: تكوين النطفة

- ‌التكوين الأساسي للخلية

- ‌النطفة

- ‌مدخل

- ‌النطفة الأمشاج:

- ‌ميكانيزمات الوراثة

- ‌مدخل

- ‌كيف تنتقل الخصائص الوراثية:

- ‌صبغيات (كروموزمات) الجنس

- ‌وراثة الخصائص المرتبطة بالجنس:

- ‌الفصل السابع: أطوار نمو الجنين

- ‌أولًا: طور النطفة الأمشاج

- ‌ثانيًا: طور العلقة

- ‌ثالثًا: طور المضغة

- ‌رابعًا: طور تكوين العظام والعضلات "اللحم

- ‌خامسًا: طور التسوية

- ‌سادسًا: تعلم الأجنة

- ‌الفصل الثامن: رعاية الجنين والأم الحامل

- ‌العوامل المؤثرة في النمو خلال طور ماقبل الولادة

- ‌خصائص الأم

- ‌ التغذية:

- ‌ الأمراض:

- ‌ العقاقير والمخدرات:

- ‌ التدخين:

- ‌ مخاطر البيئة:

- ‌ آثار الوراثة "عامل الريصص

- ‌الباب الثالث: المرحلة الأولى لنمو الإنسان - أطوار الطفولة

- ‌مدخل

- ‌الفصل التاسع: طور الوليد (من الولادة حتى نهاية الأسبوع الثاني)

- ‌ولادة الطفل

- ‌مدخل

- ‌خبرة الولادة لدى الوليد:

- ‌الاتجاهات الوالدية إزاء الولادة:

- ‌اتجاهات الإخوة إزاء الوليد:

- ‌الاتجاهات نحو جنس الطفل:

- ‌الاتجاهات نحو التوائم:

- ‌خصائص نمو الوليد:

- ‌أحكام الشريعة الإسلامية بالنسبة لطور الوليد:

- ‌الفصل العاشر: طور الرضيع (من الولادة حتى نهاية العام الثاني)

- ‌مدخل

- ‌النمو الجسمي والحركي:

- ‌النمو الحسي والإدراكي:

- ‌نموّ الكلام:

- ‌النمو العقلي المعرفي:

- ‌النمو الانفعالي:

- ‌النمو الاجتماعي:

- ‌نمو الشخصية:

- ‌بعض مشكلات طور الرضاعة:

- ‌الفصل الحادي عشر: طور الحضانة (من سن عامين إلى سن التميز)

- ‌النمو الجسمي والفسيولوجي

- ‌النموّ الحسي والإدراكي:

- ‌النموّ الحركي:

- ‌صحة الطفل ما قبل المدرسة:

- ‌النمو اللغوي:

- ‌النموّ العقلي المعرفي:

- ‌النمو الانفعالي والوجداني:

- ‌النموّ الاجتماعي:

- ‌اللعب في مرحلة الطفولة المبكرة:

- ‌النمو الخلقي:

- ‌نمو الشخصية:

- ‌الخبرات التعليمية في طور الحضانة:

- ‌الفصل الثاني عشر طور التمييز

- ‌النمو الجسمي والفسيولوجي

- ‌النمو الحركي:

- ‌أمراض طفل المدرسة:

- ‌النموّ اللغوي:

- ‌النمو العقلي المعرفي:

- ‌النمو الاجتماعي:

- ‌اللعب في مرحلة الطفولة المتأخرة:

- ‌النمو الانفعالي والوجداني:

- ‌النموّ الخلقي:

- ‌نموّ الشخصية:

- ‌دور المدرسة في طور التمييز:

- ‌الباب الرابع: المرحلة الأولى لنمو الإنسان أطوار المراهقة والشباب

- ‌مدخل

- ‌الفصل الثالث عشر: طور بلوغ الحلم "المراهقة

- ‌البلوغ الجنسي:

- ‌النمو الجسمي:

- ‌النمو العقلي المعرفي:

- ‌النمو الانفعالي:

- ‌النمو الاجتماعي:

- ‌النمو الخلقي والاهتمامات الدينية:

- ‌نمو الشخصية في مرحلة المراهقة المبكرة:

- ‌الفصل الرابع عشر: طور بلوغ السعي"الشباب

- ‌طبيعة طور بلوغ السعي (الشباب)

- ‌حدود طور بلوغ السعي "الشباب

- ‌التغيرات الجسمية في طور السعي:

- ‌النموّ العقلي المعرفي:

- ‌السلوك الانفعالي والوجداني ومشكلات الشباب:

- ‌السلوك الاجتماعي في طور السعي "الشباب

- ‌النمو الخلقي والاتجاهات الدينية في طور السعي:

- ‌نمو الشخصية في طور السعي ومسألة الهوية:

- ‌خاتمة المرحلة الأولى من حياة الأنسان:

- ‌الباب الخامس: المرحلة الثانية من الأنسان"قوة الرشد

- ‌الفصل الخامس عشر: حدود الرشد وأهمية مرحلة القوة في حياة الأنسان

- ‌مدخل

- ‌محكات الرشد:

- ‌الحدود العملية للرشد:

- ‌نشاة ونمو الاهتمام بسيكولوجية الراشدين:

- ‌الفصل السادس عشر: أطوار بلوغ الرشد "طور الرشد المبكر

- ‌الخصائص العامة:

- ‌النمو الجسمي:

- ‌النمو العقلي المعرفي:

- ‌النمو الخلقي:

- ‌نمو الشخصية والتوافق ومسألة الهوية:

- ‌الزواج والحياة الأسرية:

- ‌مفهوم الأسرة:

- ‌الزواج:

- ‌الطلاق:

- ‌النمو المهني:

- ‌عمالة الصغار وبطالة الكبار:

- ‌الفصل السابع عشر: طور بلوغ الرشد "وسط العمر

- ‌مدخل

- ‌الخصائص العامة:

- ‌النمو الجسمي

- ‌مدخل

- ‌الصحة والمرض:

- ‌النموّ الجنسي:

- ‌النمو العقلي المعرفي:

- ‌إبداع الراشدين:

- ‌نمو الشخصية

- ‌مدخل

- ‌الميول المهنية واللامهنية:

- ‌التوافق:

- ‌نمو الحياة الأسرية

- ‌مدخل

- ‌التوافق الزواجي:

- ‌النمو المهني:

- ‌الفصل الثامن عشر: التعلم مدى الحياة تعلم الراشدين"الكبار

- ‌تعلم الراشدين"الكبار" والمفاهيم المرتبطة

- ‌دافع التعلم عند الراشدين

- ‌تصنيف دوافع التعلم عند الراشدين

- ‌مثبطات التعلم عند الراشدين"التسرب

- ‌مشكلات المتعلمين الراشدين

- ‌القلق

- ‌ أوهام العمر:

- ‌ المستوى الاقتصادي والاجتماعي:

- ‌شروط التعلم عند الراشدين:

- ‌خاتمة حول العمر الثاني للإنسان:

- ‌الباب السادس: المرحلة الثالثة في حياة الإنسان"ضعف المسنين

- ‌الفصل التاسع عشر: حدود المرحلة الثالثة في حياة الإنسان

- ‌الشيخوخة في اللغة والثقافة:

- ‌حدود الشيخوخة

- ‌المحك العمري

- ‌نحو محكات أخرى للشيخوخة:

- ‌تاريخ البحث في ميدان المسنين:

- ‌موضوع سيكولوجية المسنين:

- ‌نظريات الشيخوخة والتقدم في السن

- ‌أولاً: النظريات البيولوجية

- ‌ثانيًا: النظريات النفسية الاجتماعية:

- ‌الفصل العشرون: طور الشيخوخة

- ‌التغيرات الجسمية

- ‌التغيرات الفسيولوجية

- ‌مدخل

- ‌الصحة والمرض في طور الشيخوخة:

- ‌التغير في الوظائف الحسية:

- ‌التغير في النشاط الحركي:

- ‌التغير العقلي المعرفي

- ‌مدخل

- ‌أولًا: التدهور في القدرات العقلية

- ‌ثانيًا: بنية القدرات العقلية:

- ‌ثالثًا: نسبة الكفاءة ونسبة التدهور

- ‌حكمة الشيوخ

- ‌مدخل

- ‌الحكمة: قدرة القدرات الإنسانية

- ‌أمثلة من البحوث النفسية في الحكمة:

- ‌التقاعد

- ‌مفهوم التقاعد

- ‌قرار التقاعد:

- ‌عملية التقاعد:

- ‌التكيف للتقاعد:

- ‌الحياة الأسرية:

- ‌التوافق والشخصية في طور الشيخوخة:

- ‌عوامل التوافق في الشيخوخة وأنماطه:

- ‌ميول المسنين:

- ‌التغيرات في السلوك الاجتماعي:

- ‌الفصل الحادي والعشرون: طور أرذل العمر

- ‌مدخل

- ‌محكات بلوغ أرذل العمر

- ‌المحك الإسلامي

- ‌المحك المرضي:

- ‌ محك سوء التوافق:

- ‌التغيرات الجوهرية في طور أرذل العمر:

- ‌تصنيف الاضطرابات السلوكية

- ‌مدخل

- ‌أولًا: الاضطرابات الوظيفية

- ‌ثانيًا: الاضطرابات العضوية

- ‌الفصل الثاني والعشرون: رعاية المسنين

- ‌مدخل

- ‌ تعليم المسنين:

- ‌التدخل العلاجي

- ‌مدخل

- ‌خطوات التدخل العلاجي:

- ‌أساليب التدخل العلاجي النفسي:

- ‌الرعاية الشاملة للمسنين:

- ‌خاتمة الكتاب:

- ‌مراجع الكتاب:

- ‌محتويات الكتاب:

الفصل: ‌ ‌نمو الحياة الأسرية ‌ ‌مدخل … نمو الحياة الأسرية: تتغير طبيعة الحياة الأسرة تغيرًا جوهريًّا

‌نمو الحياة الأسرية

‌مدخل

نمو الحياة الأسرية:

تتغير طبيعة الحياة الأسرة تغيرًا جوهريًّا خلال طور وسط العمر، فلأن معظم الأشخاص الذين هم في منتصف العمر يتزوجون عادةً في العشرينات من عمرهم، وعادة ما ينجبون عقب ذلك مباشرة، فإنهم عندما يبلغون سن الأربعين يكون أكبر أبنائهم على وشك إنهاء تعليمه، والدخول في عالم العمل، أضف إلى ذلك أن الأبناء يصبحون أقل بقاءً في البيت، وبالتالي ينشأ جوّ عائلي مختلف عما كان عليه الحال من قبل، ويدوّن بعض ما يصدر عن الأبناء المراهقين والراشدين الصغار من بعض الحركة؛ مثل: استخدام التليفون أو مشاهدة التليفزيون أو الاستماع للموسيقى، يكون المنزل هدوءًا شاملًا، وبعد بضعة سنوات قليلة يتم خروج أصغر الأبناء إلى المجتمع راشدًا صغيرًا مستقلًّا، وحينئذ يصحب الوالدان في منتصف العمر وحيدين، ولعل هذا يفسر لنا قول "Dovall، 1977" من أن الزوجين يقضيان حوالي نصف دورة حياتهما الزوجية وحدهما بعد أن يترك الأبناء المنزل.

وقد عرضنا في الفصل السابق نموذج دوفال لنموّ الحياة الأسرية، والذي حددت فيه عدد السنوات التي يقضينها الزوجان معًا ووحدهما، إلّا أن ما يجب أن ننبه إليه أن هذا النموذج لا يضع في الاعتبار كثيرًا من التنوع في الفروق الفردية في وقت الزواج، وكذلك الفروق الفردية في الإنجاب وعدد الأبناء، والفروق الزمنية بين ولادة كل طفلٍ وآخر "وبالطبع يشمل ذلك تلك الشريحة التي قد لا تنجب على الإطلاق"، وعلى الرغم من النمط الشائع للزوجين في وسط العمر أنهما في مطلع الأربعينات يكونان على وشك أن يخرج أكبر أبنائهما إلى عالم الرشد، فإن بعض الآباء من نفس العمر، وخاصةً الذين يتزوجوم متأخرين أو يؤجلون الإنجاب، ربما يقضون هذه الفترة في التعامل مع صراعات وضغوط مراهقة الأبناء أو حتى طفولتهم، بل إن نسبة من الأزواج "ولو أنها قليلة" قد يجدون أنفسهم آباء لأول مرة خلال طور منتصف العمر، كما أن آثار الطلاق وإعادة الزواج وتكوين أسرة ثانية، وغير ذلك مما ناقشناه في الفصل السابق، كل هذا يغير عدد السنوات وتتابع الأحداث في دورة الحياة الأسرية.

إلّا أننا يجب أن نشير إلى أن عبارة "الآباء والأبناء" المستخدمة حتى الآن، قد تصف الراشدين في منتصف العمر في تفاعلهم مع أبنائهم الذين تمتد أعمارهم بين الطفولة ونهاية المراهقة، وقليلًا ما ندرك هؤلاء الراشدين في منتصف العمر كأبناء هم أنفسهم لوالديهم المسنين.

فمع زيادة متوسطات الأعمار وتحوّل الأسرة لتصبح أسرة صغيرة ووثيقة الصلة بالأجيال الأكبر، فإن نسبةً لا بأس بها من الأسر أصبحت متعددة الأجيال في طبيعتها وبنيتها، فمن الشائع أن نجد في الأسرة الواحدة ثلاثة أجيال أو أكثر يعيشون معًا وفي وقت واحد -الأجداد "من المسنين"، والآباء "في منتصف العمر"، والأبناء الأحفاد "في الرشد المبكر"، والأسباط "في الطفولة".

ص: 453

1-

العلاقات بين الأجيال:

حتى عهد قريب لم يهتم علماء النفس وغيرهم من علماء العلوم الاجتماعية بمسألة العلاقات بين الأجيال، وقد نشأ هذا الإهمال جزئيًّا من وجهة نظر ضيقة للعلاقات الأسرية الأولية، فبدلًا من إدراك العلاقات بين الآباء والأبناء كعمليةٍ طويلة المدى، ركَّزَ معظم الباحثين على الفترة الأولى من دورة الحياة "الأسرية"، أي: الفترة التي ينجب فيها الزوجان ويربيان أطفالهما الصغار، حتى اللحظة التي ينطلق فيها هؤلاء الأطفال إلى العالم الخارجي، وبالإضافة إلى ذلك شيوع صورة نمطية؛ هي أن الراشدين الصغار حالما يستقلون فإنهم لا يحتاجون ولا يريدون الاتصال بوالديهم، إلّا أن حقيقة الأمر أن الأبناء الراشدين وأباءهم يظلون على اتصالٍ فيما بينهم، وأن هذه العلاقة عادةً ما تفيد الطرفين.

وفي دراسة العلاقات بين الأجيال يوجد سؤالان شائعان هما:

1-

ما مدى تأثير جيل ما في نمو الجيل الآخر؟

2-

هل التأثيرات بين الأجيال التي نلاحظها هي في جوهرها أحادية الاتجاه "حيث الآباء يوجهون ويشكلون سلوك وتوافق الأبناء" أم أنها متبادلة "أي: أن الآباء والأبناء يؤثر كلٌّ منهما في نموِّ الآخر تأثيرًا متبادلًا"؟

يعود الفضل إلى "Bengston&Troll، 1987" في دراسة العلاقة بين الراشدين الصغار ووالديهم، وفي ذلك يؤكدان على أن عملية التطبيع الاجتماعي الأسري في الرشد هي عملية متراطبة تتسم بالتغذية الراجعة المتصلة ونظام من التأثيرات المتبادلة، كما أكدا على أن الانتقال بين الأجيال للقيم، والمعايير وأنماط السلوك وغيرها، لا يتأثر فقط بخصائص الفرد، وإنما بعوامل أخرى خارج نطاق الأسرة؛ مثل: الفترة التاريخية الخاصة التي يعيش فيها الناس وأصولهم الثقافية، فمثلًا إذا نشأ الشخص في بيئة ثقافية تشجع المناقشة والحوار بين الأفكار، فإن من المحتمل أن يستمرَّ على ذلك في حياة الرشد التالية، وبالتالي يظل يؤثر في الآخرين ويتأثر بهم. وقد تدعمت الطبيعة الثنائية الاتجاه للتأثيرات بين الأجيال في دراسات أخرى حديثة تناولت العلاقات الأسرية بين مجموعات من مختلف المراحل العمرية "مجموعات الوالد المسن والابن في مرحلة الرشد المبكر"، وتبين أنه في المسائل التي تتصل بنظام التغذية والممارسات الصحية والاتجاهات السياسية والآراء حول تنشئة الأطفال يوجد دليل على أن تأثيرات التطبيع تتجه

ص: 454

صعودًا وهبوطًا في خطوط الأجيال المختلفة، ومعنى ذلك أن الوالدين لا يؤثرون في أبنائهم فحسب، وإنما يؤثر فيهم أبناؤهم أيضًا.

ويلخص ترول وبنجستون "في Wolman، 1972" نتائج البحوث حول الانتقال بين الأجيال، وَوَجَدَا أن معظم الباحثين ركزوا على الاتجاهات والقيم في خمسة مجالاتٍ على وجه الخصوص هي: السياسة والدين والجنس والعمل وأساليب العمل، فقد لوحظ مثلًا أن التشابه في تفضيل الأحزاب السياسية متسق عبر الأجيال، ويظهر تشابه أيضًا -ولكن ليس بنفس قوة التشابه في الانتماء الحزبي- في التوجه السياسي العام، مثل التحرر في مقابل المحافظة، كما وُجِدَ تشابه في القيم الدينية، وعلى عكس ذلك كله وجد اختلاف بين الأجيال حول الأدوار الجنسية، وأساليب الحياة، والتوجه المهني.

وفي دراسة العلاقات بين الأجيال تُعْتَبَرُ مرحلة الرشد الأوسط ذات أهمية خاصة؛ فالراشدون في هذه المرحلة هم الرابطة بين الجيلين الأكبر والأصغر، وكون هذا الجيل يقع في منتصف خط الأسرة يعني أيضًا أنه يتأثر بالاتجاهين معًا؛ فبعض التأثيرات الأسرية تأتيه من أعلى إلى أسفل "أي: تأثير الوالدين المسنين في أبنائهم في منتصف العمر"، والبعض الآخر يأتي من أسفل إلى أعلى "حيث يؤثر الأبناء المراهقون أو الراشدون الصغار في الوالدين في منتصف العمر"، ولهذا نجد الشخص في هذا الطور يحاول جاهدًا إحداث التكامل بين أدواره الأسرية التي تبدو متعارضة، من ذلك دور القائد والراعي المعتمد على السلطة الوالدية بالنسبة لأبنائه، ودور الخضوع والطاعة بالنسبة لوالديه المسنين، وغنيٌّ عن القول أن هذه المهمة النفسية الاجتماعية تفرض تحديًا كبيرًا على الراشد في طور بلوغ الأشد.

وهنا يجب أن نميِّزَ بين نوعين من الأسر: الأسر ذات الأبناء من المراهقين، وتلك ذات الأبناء من الراشدين الصغار، وبالنسبة للنوع الأول فقد كتب الكثير حول المشكلات الكثيرة وسوء الفهم والتفاهم، وهو ما يشار عليه عادةً بمصطلح "فجوة الأجيال"، والتي تتمركز حول الصراع بين الآباء وأبنائهم المراهقين والشباب حول "منحهم" الاستقلال أو "حصولهم" عليه، ولعل هذا ما دفع كثيرًا من الباحثين إلى أن يطلقوا على هذه الظاهرة "صراع الأجيال""السيد عبد العاطي، 1987"، وعادةً ما تكون هذه المشكلة نتيجةً لمحاولة الآباء الحفاظ على سلطتهم وتحكمهم في المراهقين الذين هم بدورهم يسعون للاستقلال والحرية، إلّا أن التركيز على فجوة الأجيال أو صراع الأجيال يتجاهل حقيقةً هامةً، وهي أن المراهقين والشباب أنفسهم

ص: 455

يختلفون فيما بينهم في القيم بنفس درجة اختلافهم عن الوالدين، وإن لم يكن أكبر.

وحين يصل الأبناء إلى مرحلة الرشد يصبح لا مناص من إعطائهم فرص الاستقلال والاعتماد على النفس، وهذه المرحلة من الوالدية والتي عادةً ما تحدث للآباء -وهم في طور منتصف العمر- لم تحظَ بقدرٍ كافٍ من البحث العلمي، ومن أسباب ذلك: أن هذه الحالة عادةً ما يُشَارُ إليها على أنها طور "ما بعد الواليدة"، وكأن خروج الأبناء إلى العالم الخارجي ينهي تمامًا مسئوليات الوالدين إزاء أبنائهم، وحقيقة الأمر أن الراشدين الكبار لا يتوقفون مطلقًا عن أن يظلوا آباء وأمهات لأبنائهم، حتى ولم يعودوا يعيشون معهم، فالراشدون الصغار، وبصرف النظر عن العمر، أبناءٌ لآبائهم، حتى ولو كانوا متزوجين، ولديهم هم أنفسهم أطفال، ولهم حياتهم المستقلة نسبيًّا، وهذا القول إن كان يصدق بعض الشيء على الثقافات الغربية فهو أكثر صدقًا على المجتمعات العربية والإسلامية.

2-

العلاقات بالأبناء الراشدين:

العلاقة بين الآباء في منتصف العمر وأبنائهم في مرحلة الرشد المبكر تختلف عن علاقة الوالدين بالأبناء في مراحل العمر السابقة في دورة الحياة الأسرية، ومن أهم ما يميِّز تلك العلاقة في هذا الطور أن كلًّا من الآباء والأبناء من الراشدين متكافئون بطريقة أو أخرى من الناحية الاجتماعية، وخاصةً من حيث الامتيازات والمسئوليات التي تتوافر لهم نتيجة مكانتهم كراشدين؛ فالحياة المستقلة وزيادة الدخل المادي وتكوين الأسرة النووية، تؤدي كلها إلى رفع مكانة الابن الراشد الصغير، ويترتب عليها أيضًا نوعٌ من عدم التوازن في علاقة الآباء بالأبناء على نحوٍ يختلف عَمَّا كان عليه الحال في المراحل السابقة، ويوجد مظهر آخر للعلاقة بين الوالدين والأبناء في هذه المرحلة، هو أن "الاستثمار" الانفعالي الأولى الكبير، الذي كان موجَّهًا نحو الأبناء يُعَادُ توجيهه نحو أفراد آخرين، فعند الراشد الصغير يفوق الاهتمام بالزوجة والأبناء الاهتمام بالوالدين، وبالمثل فإن الزوجين في طور منتصف العمر يبدآن في تركيز اهتمام كلٍّ منهما بالآخر، ويقل الاهتمام بأبنائهم الراشدين المستقلين والمعتمدين على أنفسهم نسبيًّا على الأقل، ومع الانشغال بأمور العيش تصبح العلاقة بهم جزءًا من نشاط وقت الفراغ، وليس نوعًا من الحياة اليومية، ومع ذلك فإن البحوث تؤكد أن العلاقة بين الوالدين والأبناء في هذا الطور تظل لها أهميتها.

ص: 456

ومن مظاهر العلاقات الأسرية في هذه المرحلة ظهور دور الحموين، فمع زواج الأبناء تتداخل العلاقات الاجتماعية بين أسرتين كانتا في الأصل مستقلتين، ويبدأ الوالدان في منتصف العمر مشاركة أبنائهم في الوقت والطاقة والعاطفة التي يوجهونها نحو والدي زوج البنت أو زوجة الابن، وقد ينشأ عن ذلك بعض المشاعر السلبية نحوهما، والتي تنعكس بدورها على حياة الأسرة الصغيرة الناشئة للأبناء، ويمتلئ تراث الكوميديا والفكاهة بنماذج "نمطية" لسلوك الحما أو الحماة "ونصيب الحماة هو الأوفر"، إلّا أنه توجد أمثلة كثيرة للعلاقات الطيبة بين الأسرتين الكبيرتين، وبين الزوج أو الزوجة ووالدي شريك الحياة "نادية رضوان، 1997".

ومع ذلك فإن العلاقة بين الأبناء الراشدين وآبائهم في منتصف العمر لا زالت تتسم في مصر بالقوة، فالأبناء الراشدون كثيرًا ما يعتمدون على أبائهم للحصول على الدعم الماديّ "وخاصة في الظروف الاقتصادية الراهنة في المجتمع المصري المعاصر"، ولرعاية أطفالهم الصغار "وخاصةً إذا كانت الزوجة الصغيرة تعمل"، ولتوفير السند الانفعالي في الأزمات، كما أن الآباء في منتصف العمر يحققون بهذه العلاقة توفير الإشباع الانفعالي لأنفسهم، والرغبة في الصحبة، والشعور بالإنجاز، أي: إنتاج نسلٍ مستقلٍّ مسئولٍ محبٍّ يحمل معنى الاستقرار والبقاء بعد الوفاة، أو بعبارة إريكسون يحقق لهم الإنتاجية والتدفق، أضف إلى ذلك أن الآباء في منتصف العمر يفخرون بإنجازات أبنائهم الراشدين كما لو كانت إنجازاتهم الشخصية؛ فهم يعتزون بتخرج الأبناء وترقيتهم في العمل، ويشاركونهم سعادتهم عند الزواج، وعند ولادة الأحفاد، بل إن الأمر عند بعض الآباء في منتصف العمر يصل إلى حد اعتبار أن نجاح الأبناء هو في حدِّ ذاته تعويض عن إشباع بعض حاجاتهم وتحقيق بعض أهدافهم التي لم تتحقق لهم أنفسهم، وعلى ذلك فإن العلاقة بين الآباء في منتصف العمر وأبنائهم الراشدين هي من نوع الاعتماد المتبادل، فكلٌّ منهما يعتمد على حاجات الآخر لتحقيق الأهداف وإحراز السعادة.

ومع ذلك فإن هذا الطور يوصف عادةً بالنسبة للحياة الأسرية بأنه طور "العش الخالي" empty nest. وبالطبع فإن لذلك مشكلاته؛ فبعض الوالدين يشعرون بإجهادٍ نفسيٍّ شديدٍ حين يغادر الأبناء نهائيًّا البيت، وتؤكد البحوث أن هذه الخبرة أكثر حِدَّةً لدى الأمهات منها لدى الآباء "Rupin1981"، بل إن التوافق للحياة الأسرية الجديدة في هذا الطور قد يكون صعبًا للغاية على الأم التي

ص: 457

قضت معظم حياتها، وبذلت جل طاقتها في رعاية أبنائها، والتي حددت هويتها، واشتقت تقديرها للذات من دور الأمومة "Giele 1982"، وهذه "الأم المثالية" كما تسمى أحيانًا، تعتبر دورها في "رعاية الأبناء" هو أكبر إنجازاتها، وحين يترك الأبناء البيت تُحْرَمُ حينئذٍ من أكثر أدوارها وأنشطتها أهميةً، فتشعر بالاكتئاب وفقدان القيمة والجدوى، وتتحسر على الحب الذي كان، ويطلق علماء النفس الكلينيكيون على ذلك "زملة أعراض العش الخالي" والتي تظهر بوضوح لدى النساء في طور منتصف العمر، وخاصة اللاتي يعانين من الاكتئاب، وقد يكون ذلك وراء توتر العلاقات بين الأسرتين الكبيرتين بعد زواج الأبناء، وسوء العلاقة بين "الحماة" -خاصة- وبين زوج ابنتها، أو زوجة ابنها.

أما الأم التي تتنوع اهتماماتها "ومن ذلك الأم العاملة"، وتقسّم وقتها ومهامَّها بين العمل مثلًا ورعاية الأبناء، فإن مشاعرها السلبية مع خبرة "العش الخالي" قد تكون أقل حدة وأخف وطأة، بل إن بعضهن قد يحول إنتاجيته نحو مجالات جديدة "Cooper&Gutmann، 1987، Troll، 1985".

ولم يهتم العلماء إلّا منذ فترة قصيرة بآثار العش الخالي على الوالدين من الرجال، وتؤكد الأدلة الحديثة على أن الأمهات لسن وحدهن اللاتي يتعرضن للاضطراب نتيجة ترك الأبناء البيت؛ ففي دراسةٍ أجريت في الولايات المتحدة وُجِدَ أن حوالي 22% من الآباء يسجلون درجةً عاليةً من الشعور بالشقاء والتعاسة بسبب ترك آخر الأبناء المنزل "Brodznisky، et al.، 1986" وظهرت هذه الأعراض بشكلٍ أكبر لدى الآباء الأكبر سنًّا، والذين لديهم عدد قليل من الأبناء، والذين شغلتهم رعاية أبنائهم طوال فترة حياتهم السابقة، بحيث صرفتهم عن الاهتمامات والأنشطة الاجتماعية الأخرى.

إلّا أننا يجب أن نشير إلى أن الوالدية -وخاصة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية- نادرًا ما تنتهي بمغادرة الأبناء بين العائلة، وكثير من "الأعشاش" لا تعاني من خواء حقيقي "Clemins & Axelson 1985". فعلى الرغم من أن الأبناء قد لا يقيمون في البيت إلّا أنهم يستمرون في التعبير عن حاجتهم للدعم الوجداني والسند الإرشادي من خلال العلاقات الوالدية الحميمة، ويظل الوالدان لهما قيمتهما وقدرهما لدى الأبناء طوال حياتهما، وحتى بعد وفاتهما، Mc Crae & Costa 1988".

3-

العلاقات بالوالدين المسنين:

يوجد نمط آخر من العلاقات داخل الأسرة متعددة الأجيال هو العلاقات

ص: 458

بالوالدين المسنين، فمما يلفت النظر أنه في الوقت الذي يتحرر فيه الآباء في منتصف العمر من مسئوليات والتزامات تربية أبنائهم، نجد أن بعض أوقاتهم واهتماماتهم يتوجه بشكلٍ أكبر نحو والديهم المسنين الذين يكونون عادةً قد دخلوا في المراحل المتأخرة من الحياة، ومن الوجهة التاريخية، فإن هذا الموقف الذي يتطلب إعادة توجيه الاستثمار الانفعالي نحو الوالدين المسنين هو ظاهرة حديثة؛ لأنه حتى جيلين فقط، كان الراشدون في منتصف العمر هم عادةً أكبر الأعضاء الأحياء في الأسرة الممتدة؛ حيث لم يكن الوالدان المسنان في الأغلب في عداد الأحياء.

ومع ارتفاع معدلات الأعمار زاد عدد المسنين والمعمرين، إلّا أن المجتمعات الحديثة لم تضع عبء رعايتهم كله على الأبناء من منتصف العمر، فخدمات التأمين الاجتماعي التي توفر للمسنين دخلًا ثابتًا في الوقت الحاضر، وكذلك انتشار خدمات التأمين الصحي، ووجود بعض دور الرعاية لهم، خففت من الأعباء التي تُلْقَى على عاتق الأبناء في منتصف العمر في رعاية والديهم المسنين.

إلّا أن ذلك لا يعني أن الراشدين في منتصف العمر متحررون تمامًا من مسئولياتهم نحو الجيل الأكبر؛ فالواقع أن كثيرين من راشدي منتصف العمر لا يزال عليهم أن يقدموا الرعاية لوالديهم المسنين، ويلعبوا دورًا هامًّا في حياتهم، وعندئذ قد تعكس أدوار الوالدية والبنوة، فنجد الابن هو الراعي لوالديه، ويصدق هذا خاصةً حين يكون الوالدان في المراحل المتأخرة من الشيخوخة، وقد بينت بعض البحوث أن الوالدين المسنين قد لا يريدون أن يتحولوا إلى معتمدين على أبنائهم، وقد يظهرون جهدًا قويًّا نحو الاستقلال، إلّا أنهم قد لا يستطيعون. وبالرغم من هذا الاتجاه، فإن هناك أدلة على أن الصلة بين الأبناء الراشدين وآبائهم المسنين لها أهميتها وفائدتها للصحة النفسية للمسنين خاصة.

وتُوجَدُ قرارات هامة وصعبة يجب أن يتخذها الأبناء الراشدون بالنسبة لآبائهم المسنين، ومن ذلك مثلًا هل يُتْرَكُ المسنون يعيشون وحدهم، حين يكونون في ظروف جيدة من حيث الصحة الجسمية والنفسية؟ هل يمكن وضع الوالد المسن في بيت للرعاية؟ إن التوازن هنا قد يكون صعبًا بين شعور المسن بحاجته إلى الاستقلال وبين حاجته الفعلية للرعاية، وفي جميع الأحوال، فإن ما يجب أن يحكم علاقة الأبناء في منتصف العمر بوالديهم المسنين هو مبادئ الإسلام الحنيف، يقول الله تعالى في الإشارة إلى علاقة الأبناء بالآباء على وجه العموم

ص: 459

وفي مختلف مراحل العمر:

{وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 23] .

وفي الإشارة الخاصة إلى هذه العلاقة عند تقدُّم الوالدين في السن يقول الله تعالى:

{إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [الإسراء: 23] .

4-

العلاقات بالأحفاد:

من الأدوار الأسرية الهامة التي تنشأ في طور منتصف العمر دور الجدِّ، ويذكر "Hagestad، 1985" أنه نظرًا لزيادة مدى الحياة لدى الإنسان في الوقت الحاضرِ أصبح معظم الأطفال الآن يعرفون ويتعاملون مع جميع أجدادهم، ربما لأول مرة في التاريخ، وعلى الرغم من أنَّ الصورة النمطية للجد أنه الشخص الأبيض الشعر، المتجعد الوجه، المتقدم في السن، الضعيف البنية، والذي يقضي وقته في الجلوس في البيت أو المقهى نتيجة لتقاعده عن العمل، فإن هذه الصورة لم تعد صحيحة اليوم، فمع التغير في معدلات الخصوبة والوفاة، والتغير في خصائص السكان طوال السنوات الأخيرة، صار الجد أقرب إلى مرحلة منتصف العمر منه إلى مرحلة الشيخوخة، فقد أصبح العمر المميز ليصير المرء جَدًّا هو حوالي 50 سنة للنساء، و53 سنة للرجال، بل إن الزواج المبكر قبل سن العشرين "وهي ظاهرة بدأت في التناقص في السنوات الأخيرة" قد يجعل المرء جدًّا في منتصف الثلاثينات، وعلى ذلك فإن الجدَّ لأول مرةٍ يمكن وصفه بأنه شخص صحيح البنية، ينشغل في منتصف العمر، يجدون من الصعب عليهم تقبل دور الجدِّ أول الأمر، ويشعرون بأن ذلك يلقي عليهم ظلال وأثقال العمر، بينما صورة الذات التي يحاولون المحافظة عليها هي صورة الشباب.

وهكذا تتفاوت صورة "الجدِّ" وتمتد ابتداءً من الشخص القادر الأقرب إلى الشباب، في طور بلوغ الأشد، وحتى الشخص العاجز المتقدم في السن في طور الشيخوخة المتأخرة، وبالطبع توجد فوارق بين الفئتين من منظور النموّ الإنساني، ومع ذلك فإن الجد -مهما كان طور النموِّ الذي هو فيه- يلعب دور النموذج التكاملي بين الوالدين من الراشدين "الأبناء" والأطفال "الأحفاد" داخل الأسرة الواحدة "Kivnick 1986"، فوجودهم يحافظ على "هوية" الأسرة ويحقق معنى

ص: 460

الاتصال والتواصل فيها "Bengtson، 1985"، كما أن تحول الإنسان إلى دور الجدِّ يعني أيضًا توسيع نطاق هويته هو؛ بحيث تشمل أدورًا جديدة تصلح للتعامل مع التغيرات الحادثة في العلاقات الأسرية.

وتؤكد نتائج البحوث التي قام بها ترول "Troll، 1982" أن الأجداد يلعبون دورًا هامًّا في نفس الأسرة، إنهم يقدمون للأجيال الصغيرة الدعم الانفعالي والنصيحة العملية الناجمة عن رصيد الخبرة والنضج المتراكمين، وذلك بالنسبة للقيم الأساسية وأسلوب الحياة والمهنة والتربية والوالدية وغيرها، وتقوم الجدة خاصةً بالوظيفة الهامة لرعاية طفل ابنتها العاملة.

وكما يختلف الأفراد في شخصياتهم وأسلوبهم في الوالدية، فإنهم يختلفون أيضًا في أساليبهم في القيام بدور الجد أو الجدة، ومن الدراسات الكلاسيكية في هذا الصدد تلك التي قام بها "Neugatrin، 1968 Nengatren & Weisteinm، 1964" وفيها حددا خمسة أساليب للتفاعل بين الحفيد والجد "الذي عادةً ما يكون عمره في الخمسينات والستينات، وينتمي إلى الطبقة المتوسطة"، على النحو الآتي:

1-

التفاعل الشكلي: وفيه يظهر الجد اهتمامه بالحفيد، ويقدم له أحيانًا الهدايا والخدمات الخاصة؛ مثل الرعاية أثناء عدم وجود الوالدين، ولكنه لا يتدخل في تربية الطفل، ويترك الوالدية للوالدين.

2-

التفاعل من خلال اللهو واللعب: وهو نمط من التفاعل غير الشكلي، ويظهر في صورة اتجاهٍ غير مقيد نحو الحفدة، وفيه يقوم الجد بدور رفيق اللعب، ويتوقع لهذا الأسلوب أن يؤدي إلى علاقة وثيقة متبادلة بين الحفيد والجدِّ.

3-

التفاعل من خلال دور الرعاية: وهنا يقوم الجد أحيانًا "ودائمًا في الأغلب بالنسبة للجدة" بمسئوليات رعاية الطفل، حيث يحلان تقريبًا محل الوالدين، وخاصةً في بعض الظروف الخاصة بهما؛ كالسفر إلى الخارج أو العمل الشاق.

4-

التفاعل من خلال دور السلطة: وهنا يعتبر الجد "وخاصة الجد الرجل" مستودع الحكمة الأسرية، وقد يتطرف هذا الدور حين يقوم الجد أو الجدة بدور تسلطي في الأسرة، حيث يصبح أفرادها ومنهم الآباء الراشدون تابعين له، وهو وحده الذي يوزع الموارد والمعرفة والنصيحة للآخرين.

ص: 461

5-

التفاعل عن بعد: وهنا تكون علاقات الجد مع الحفيد محددة، فيزوره في العطلات والمناسبات الخاصة، ويقدم له الهدايا في هذه الزيارات القليلة، ولهذا فهو بالنسبة لحفيده "شكل بعيد" distant figure" من الناحية الوجدانية.

ويلاحظ الباحثان أيضًا أن كثيرًا من الأجداد يشعرون في علاقتهم بأحفادهم بشعور "البعث البيولوجي"، أي: الشعور باستمرار خط الأسرة، بالإضافة إلى الشعور بتحقيق الذات انفعاليًّا من خلال دورهم الأسري الجديد، ومن ذلك مثلًا أن الجدة قد تعيش من جديد خبرة حملها وولادتها وأمومتها المبكرة من خلال الخبرات الجديدة لابنتها أو زوجة ابنها، كما أن الجد بدوره قد يدرك أن لديه من الوقت والاهتمام بأحفاده مالم يتوافر له أبدًا لأطفاله، ولعل هذا يفسر معنى بعض الأمثال الشعبية في هذا الصدد مثل:"أعز من الولد، ولد الولد".

وقد أجريت دراسات حول الأنشطة التي يمارسها الأجداد مع أحفادهم، ومن هذه الدراسات "Cherlin Furstenberg 1986" الذي أُجْرِيَ في إطار الثقافة الأمريكية، ونحن في حاجةٍ إلى بحوثٍ مناظرة في ثقافتنا العربية الإسلامية، ويلخص الجدول "17-3" هذه النتائج.

جدول "17-3" الأنشطة التي يمارسها الأجداد مع الأحفاد

وقد كشفت نتائج البحوث "Robertson،1979" من أن كثيرًا من الراشدين الكبار يجدون دور الجد أكثر سهولة ويفضلونه على دور الوالدية، ولهذا فليس من المستغرب أن يصف بعض الأجداد أنفسهم بأنهم أجداد جيدون، بينما لم يكونوا كذلك كوالدين.

ص: 462