الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
موضوع سيكولوجية المسنين:
إذا كان علم النفس هو الدراسة العلمية للسلوك الإنساني في جميع مظاهره، فإن سيكولوجية المسنين، أو ما يُسَمَّى باللغة الإنجليزية Geriatric Psychlogy أو Gerontopsychology تركز على النمو في مرحلة ما بعد اكتمال النضج Post maturity، وهذه الدراسة تحاول الإجابة على ثلاثة أسئلة أساسية حول النمو في هذه المرحلة وهي:
1-
إلى أيّ حَدٍّ يختلف المسنون عن الراشدين الأصغر سنًّا؟ وكيف يتغير الأسنان مع التقدم في السن؟
2-
ما هي الآثار المترتبة على هذه الفروق أو التغيرات؟
3-
كيف تفسر هذه الفروق أو التغيرات؟
ولعل القارئ يذكر أننا أشرنا منذ مطلع هذا الكتاب إلى أن التوجه الراهن لعلم نفس النمو هو منظور مدى الحياة، ويصدق هذا على مرحلة المسنين صدقه على جميع مراحل العمر الأخرى، ومعنى ذلك أننا في دراسة سلوك المسنين لا بُدَّ أن ندرك أن هذا السلوك الذي يظهر في المراحل المتأخرة من حياة الإنسان لا يتم في فراغٍ أو على نحوٍ فجائي، وإنما هو تطور طبيعي لأنماط السلوك المبكرة؛ ففي منظور مدى الحياة يكون سلوك الإنسان دائمًا دالة لأحداث الماضي والحاضر وتوقعات المستقبل، وتشمل أحداث الماضي وعوامل التكوين البيولوجي والفسيولوجي التي تلعب فيه الوراثة دورًا حاسمًا، والنشاط المعرفي والوجداني والاجتماعي المبكر، الذي تلعب فيه البيئة الدور الرئيسي، أما عوامل الحاضر فتشمل آثار العلاقات الاجتماعية داخل الجماعات المختلفة "وخاصة الأسرة"، وكذلك الآثار الثقافية العامة للبيئة الراهنة للفرد، وتتضمَّن توقعات المستقبل البيئية التي سوف يتعرض لها المرء، سواء أكانت حقيقة أم متخيلة، كما يضاف إلى هذه العوامل الخرافات والأوهام التي تشيع في البيئة حول التقدم في السن، وكذلك توقعات المرء وأهدافه في الحياة يركز على أن النمو عملية مستمرة من مرحلة الجنين إلى مرحلة المسنين، وهو الجزء الرئيسي من عنوان هذا الكتاب.
والسؤال الجوهري الآن هو أنه إذا كان تركيز علم نفس النمو الحديث على منظور مدى الحياة، فلماذا يظهر بعض علماء نفس النمو اهتمامًا وتركيزًا على جزءٍ من دورة الحياة؛ كالطفولة أو المراهقة أو الشباب أو الرشد أو الشيخوخة؟ إذا قصرنا الإجابة على هذا السؤال على ما يخص سيكولوجية المسنين، يمكن أن نحدد لذلك الأسباب الآتية:
1-
تلعب الاعتبارات العملية دورًا كبيرًا في هذا الاختبار، ومن ذلك مثلًا أنه قد تتوافر في بعض الأوقات بيانات كافية عن مرحلة معينة، وهذا ما حدث لسيكولوجية المسنين في السنوات الأخيرة، ولعل هذا هو ما دفع كثيرًا من الباحثين في الوقت الحاضر للاهتمام بهذه المرحلة من حياة الإنسان، باعتبارها بؤرة هامة يمكن من خلالها فهم الحياة ككل.
2-
توجد بعض القضايا والمشكلات التي تخص المسنين دون سواهم ممن هم أصغر سنًّا، وبالطبع فإن على الباحث السيكولوجي أن يختار التخصص في هذه المسائل، ومن ذلك أن التعامل مع الوحدة والعزلة والعجز والمرض المزمن أكثر حدوثًا في مرحلة الشيخوخة دون غيرها من مراحل العمر، ولعل هذا ما دفع مجالات أخرى غير علم النفس -كالطب- إلى أن تفرد للمسنين تخصصًا منفصلًا، فكما أن هناك في الطب منذ عقود طويلة طبًّا للأطفال، ظهر في السنوات الأخيرة طب المسنين Getiatrics أيضًا.
3-
ترتبط الشيخوخة بأحداثٍ وتحولاتٍ اجتماعية هامة لها آثارها السيكولوجية على الإنسان، ومن ذلك: التقاعد وتغير الأدوار وفقدان الزوج والأصدقاء، وهي جميعًا قضايا تجعل من الشيخوخة من أطوار التحول الاجتماعي الذي يدفع الباحثين في هذا الميدان للاهتمام بها.
4-
زيادة عدد المسنين في التعدادات السكانية الأخيرة، وقد تطلَّب ذلك ظهور أنواع جديدة من خدمات الرعاية التي يجب أن تُقَدَّمَ لهم، وهي خدمات تحتاج لتخصصات عديدة؛ كالطب والخدمة الاجتماعية والخدمة النفسية، بالإضافة إلى ما يتطلبه ذلك من تجديدٍ في النظم التشريعية وقوانين العمل ونظم التأمين والمعاشات، وكلها تهدف إلى أن يحافظ المسن على استقلاله الاقتصادي واستقراره الاجتماعي "وهما مؤشرا الرشد الرئيسيان" أطول فترة ممكنة، بالإضافة إلى تهيئة ظروف حياة ملائمة له، سواء في طور قدرته النسبي "الشيخوخة"، أو طور عجزه الكامل "أرذل العمر".