الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومن الدراسات المستعرضة الهامة أيضًا حول شخصية المسنين دراسة "Swinson، et al.، 1973" وفيها طبقوا اختبار مينسوتا المتعدد الأوجه للشخصية على عينة كبيرة من الراشدين المترددين على إحدى العيادات الخارجية، ولم تشمل العينة أحدًا من المرضى، فقد استبعدت جميع الحالات الكلينيكية، واقتصرت الدراسة على المسنين الذين يقعون في نطاق السواء النفسي، وأظهرت الدارسة أن توهم المرض يصل إلى قمته في سن الأربعين والخمسين، وتؤكد هذه النتيجة أن التقرير الذاتي عن وجود شكاوى مرضية كما يقيسها هذا البعد في الاختبار هو عملية تكيفية دفاعية، وما يحدث بالفعل أن توقع تدهور الصحة "توهم المرض" يتبعه تدهور صحي حقيقي، كما أكد البحث أنه لا يوجد دليلٌ على الزيادة في سمة الاكتئاب مع التقدم في العمر، وكذلك فإن كلًّا من الهوس الخفيف والوهن النفسي يتناقصان تناقصًا واضحًا مع العمر، ويبدو من نتائج هذا البحث أن الشيخوخة التي تبدو من منظور الشباب مخيفة ومفزغة ليست كذلك بالفعل عند المسنين الأسوياء، صحيح أن هذه الصورة الإيجابية تختلف كليةً عند المسنين المرضى، وهذا موضوع سوف نتناوله بالتفصيل في الفصل القادم الذي يتناول طور أرذل العمر.
ميول المسنين:
لا تظهر في مرحلة الشيخوخة ميول جديدة، وإنما يتم التركيز على الميول التي سبق اكتسابها في مراحل العمر السابقة، ويختار المسن منها ما يحقق له إشباعًا أكبر في مرحلة عمره الجديد، وبالطبع فإن بعض ما كان يحقق إشباعًا في الماضي لم يعد كذلك بسبب ضعف الصحة وظروف الحياة ونقص الحياة ونقص الموارد وقلة الأصدقاء.
وتوجد علاقة بين عدد الميول وأنواعها من ناحية، ونمط التوافق للشيخوخة من ناحية أخرى، وبالطبع إذا ضاق نطاق ميول المسن نتيجة لعوامل إرادية، أي: بسبب وعيه بظروف الصحية والاقتصادية مثلًا، فإنه يكون أكثر تكيفًا من المسن الذي يجبر على ذلك بسبب الاتجاهات السلبية إزاءه؛ كأن ترفض الجماعة التي ينتسب إليها مشاركته في الأنشطة التي يحبها.
وكذلك إذا كان المسن يشعر أنه قد آن الآوان لإعطاء جيل "الشباب" الفرصة في تحمل المسئولية، تكون اتجاهاته أكثر إيجابية نحو قيامه بدور المشارك السلبي من ذلك الذي يرغب في المشاركة الإيجابية، ثم يجبر على عدم المشاركة نتيجة
الاتجاهات الاجتماعية السلبية نحو الشيخوخة.
ويزداد في هذه المرحلة اهتمام المسن بذاته، وخاصة حول ما يشعر به ويريده مع تقدمه في السن، ويتحول كما قلنا من قبل إلى التمركز حول الذات -وهو مرة أخرى سلوك طفولي- بحيث يفكر في نفسه على نحوٍ أناني أكثر مما يفكر في الآخرين، كما يصبح أقل قدرة على إدراك الآخر، وتشغله في تمركزه حول ذاته صحته الجسمية "حتى ولو كان سليم البدن"، كما تدور أحاديثه حول نفسه وخاصة حول ماضيه وذكرياته، ولعل هذا الاهتمام المبالغ فيه بالذات أحد مصادر الاتجاهات الاجتماعية السالبة نحو المسنين، وقد نبه القرآن الكريم إلى ذلك، ودعا إلى تسامح الصغار مع المسنين في قوله تعالى:{وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 23،24] .
ومع التقدم في السن يتناقص الاهتمام بالمظهر، ومن الطريف أن الفروق بين الجنسين في هذا الجانب هي عكس اتجاهها في مراحل الشباب والرشد؛ فهو أكثر حدوثًا في هذه المرحلة بين الرجال أكثر من النساء، ومن ناحيةٍ أخرى يزداد الاهتمام بالمال الذي تكون عادةً قد خفَّت حدته في مراحل الرشد، ولعل السبب في ذلك قلق المسن على مستقبله الاقتصاديّ نتيجة نقص موارده بالتقاعد.
أما عن الميول الترويحية في الشيخوخة فعادةً ما تكون شبيهةً بما كانت عليه في مرحلة وسط العمر، ولا يطرأ عليها تغيير يذكر إلّا في حالات الضرورة، ومن النادر أن ينمي المسن ميولًا ترويحية جديدة، إلا أنه قد يخصص وقتًا لم يكن متاحًا له من قبل لنشاط كان يحبه في شبابه، ومع توافر الوقت في مرحلة الشيخوخة يصبح من الممكن له أن يمارسه.
وأكثر الهوايات شيوعًا لدى المسنين القراءة وكتابة الخطابات والاستماع إلى الراديو ومشاهدة التليفزيون والأعمال المنزلية والأشغال اليدوية، وزيارة الأقارب، والسفر، والمشاركة في الأنشطة الدينية والسياسية والمحلية، وما يحدد مشاركة الفرد في بعض هذه الأنشطة يتوقف على عوامل كثيرة؛ منها: الصحة الجسمية والظروف الاقتصادية ومستوى التعليم والجنس.