المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ثانيا: الاضطرابات العضوية - نمو الإنسان من مرحلة الجنين إلى مرحلة المسنين

[آمال صادق]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌الباب الأول: الأسس العامة

- ‌الفصل الأول: طبيعة النمو الإنساني

- ‌مدخل

- ‌موضوع علم نفس النمو:

- ‌أهداف البحث في علم نفس النمو:

- ‌خصائص النمو الإنساني

- ‌النمو عملية تغير

- ‌ النمو عملية منتظمة:

- ‌ النمو عملية كلية:

- ‌ النمو عملية فردية:

- ‌ النمو عملية فارقة:

- ‌ النمو عملية مستمرة:

- ‌الفصل الثاني: أصول علم نفس النمو في ثقافة الغرب

- ‌أولاً: المنظور اليوناني للنمو الإنساني

- ‌ثانيًا: النمو الإنساني في العصور ر الوسطى في أوربا

- ‌ثالثًا: إحياء النزعة الإنسانية

- ‌رابعًا: النمو الإنساني في عصر التنوير في أوربا

- ‌خامسًا: المقدمات الاجتماعية والثقافية لدراسة النمو الإنساني

- ‌سادسًا: المقدمات العلمية لدراسة النمو الإنساني

- ‌سابعًا: ظهور علم نفس النمو الحديث

- ‌الفصل الثالث: نحو وجهة إسلامية لعلم نفس النمو

- ‌مدخل

- ‌أولًا: النمو الإنساني في القرآن الكريم:

- ‌ثانيًا: النمو الإنساني في السنة النبوية الشريفة

- ‌ثالثًا: النمو الإنساني عند الصحابة:

- ‌رابعًا: النمو الإنساني في الفقه الإسلامي

- ‌خامسًا: النمو في تراث علماء المسلمين وفلاسفتهم

- ‌الفصل الرابع: مناهج البحث في النمو الإنساني

- ‌مقدمة في طبيعة المنهج العلمي في البحث:

- ‌المنهج العلمي في البحث والتصور الإسلامي للمعرفة:

- ‌الملاحظة الطبيعية:

- ‌المنهج التجريبي:

- ‌المنهج شبه التجريبي

- ‌المنهج الارتباطي:

- ‌المنهج المقارن:

- ‌اختبار منهج البحث الملائم:

- ‌الفصل الخامس: النماذج النظرية للنمو الإنساني

- ‌الاتجاهات النظرية الوصفية

- ‌معايير النمو

- ‌مهام النمو:

- ‌الاتجاه نحو النماذج النظرية

- ‌مدخل

- ‌نموذج بياجيه في النمو المعرفي:

- ‌نموذج إريكسون في النمو الوجداني:

- ‌نموذج كولبرج في النمو الخلقلي الإجتماعي

- ‌تعليق عام على النماذج النظرية:

- ‌الباب الثاني: المرحلة الأولى لنمو الإنسان - أطوار الجنين

- ‌مدخل

- ‌الفصل السادس: تكوين النطفة

- ‌التكوين الأساسي للخلية

- ‌النطفة

- ‌مدخل

- ‌النطفة الأمشاج:

- ‌ميكانيزمات الوراثة

- ‌مدخل

- ‌كيف تنتقل الخصائص الوراثية:

- ‌صبغيات (كروموزمات) الجنس

- ‌وراثة الخصائص المرتبطة بالجنس:

- ‌الفصل السابع: أطوار نمو الجنين

- ‌أولًا: طور النطفة الأمشاج

- ‌ثانيًا: طور العلقة

- ‌ثالثًا: طور المضغة

- ‌رابعًا: طور تكوين العظام والعضلات "اللحم

- ‌خامسًا: طور التسوية

- ‌سادسًا: تعلم الأجنة

- ‌الفصل الثامن: رعاية الجنين والأم الحامل

- ‌العوامل المؤثرة في النمو خلال طور ماقبل الولادة

- ‌خصائص الأم

- ‌ التغذية:

- ‌ الأمراض:

- ‌ العقاقير والمخدرات:

- ‌ التدخين:

- ‌ مخاطر البيئة:

- ‌ آثار الوراثة "عامل الريصص

- ‌الباب الثالث: المرحلة الأولى لنمو الإنسان - أطوار الطفولة

- ‌مدخل

- ‌الفصل التاسع: طور الوليد (من الولادة حتى نهاية الأسبوع الثاني)

- ‌ولادة الطفل

- ‌مدخل

- ‌خبرة الولادة لدى الوليد:

- ‌الاتجاهات الوالدية إزاء الولادة:

- ‌اتجاهات الإخوة إزاء الوليد:

- ‌الاتجاهات نحو جنس الطفل:

- ‌الاتجاهات نحو التوائم:

- ‌خصائص نمو الوليد:

- ‌أحكام الشريعة الإسلامية بالنسبة لطور الوليد:

- ‌الفصل العاشر: طور الرضيع (من الولادة حتى نهاية العام الثاني)

- ‌مدخل

- ‌النمو الجسمي والحركي:

- ‌النمو الحسي والإدراكي:

- ‌نموّ الكلام:

- ‌النمو العقلي المعرفي:

- ‌النمو الانفعالي:

- ‌النمو الاجتماعي:

- ‌نمو الشخصية:

- ‌بعض مشكلات طور الرضاعة:

- ‌الفصل الحادي عشر: طور الحضانة (من سن عامين إلى سن التميز)

- ‌النمو الجسمي والفسيولوجي

- ‌النموّ الحسي والإدراكي:

- ‌النموّ الحركي:

- ‌صحة الطفل ما قبل المدرسة:

- ‌النمو اللغوي:

- ‌النموّ العقلي المعرفي:

- ‌النمو الانفعالي والوجداني:

- ‌النموّ الاجتماعي:

- ‌اللعب في مرحلة الطفولة المبكرة:

- ‌النمو الخلقي:

- ‌نمو الشخصية:

- ‌الخبرات التعليمية في طور الحضانة:

- ‌الفصل الثاني عشر طور التمييز

- ‌النمو الجسمي والفسيولوجي

- ‌النمو الحركي:

- ‌أمراض طفل المدرسة:

- ‌النموّ اللغوي:

- ‌النمو العقلي المعرفي:

- ‌النمو الاجتماعي:

- ‌اللعب في مرحلة الطفولة المتأخرة:

- ‌النمو الانفعالي والوجداني:

- ‌النموّ الخلقي:

- ‌نموّ الشخصية:

- ‌دور المدرسة في طور التمييز:

- ‌الباب الرابع: المرحلة الأولى لنمو الإنسان أطوار المراهقة والشباب

- ‌مدخل

- ‌الفصل الثالث عشر: طور بلوغ الحلم "المراهقة

- ‌البلوغ الجنسي:

- ‌النمو الجسمي:

- ‌النمو العقلي المعرفي:

- ‌النمو الانفعالي:

- ‌النمو الاجتماعي:

- ‌النمو الخلقي والاهتمامات الدينية:

- ‌نمو الشخصية في مرحلة المراهقة المبكرة:

- ‌الفصل الرابع عشر: طور بلوغ السعي"الشباب

- ‌طبيعة طور بلوغ السعي (الشباب)

- ‌حدود طور بلوغ السعي "الشباب

- ‌التغيرات الجسمية في طور السعي:

- ‌النموّ العقلي المعرفي:

- ‌السلوك الانفعالي والوجداني ومشكلات الشباب:

- ‌السلوك الاجتماعي في طور السعي "الشباب

- ‌النمو الخلقي والاتجاهات الدينية في طور السعي:

- ‌نمو الشخصية في طور السعي ومسألة الهوية:

- ‌خاتمة المرحلة الأولى من حياة الأنسان:

- ‌الباب الخامس: المرحلة الثانية من الأنسان"قوة الرشد

- ‌الفصل الخامس عشر: حدود الرشد وأهمية مرحلة القوة في حياة الأنسان

- ‌مدخل

- ‌محكات الرشد:

- ‌الحدود العملية للرشد:

- ‌نشاة ونمو الاهتمام بسيكولوجية الراشدين:

- ‌الفصل السادس عشر: أطوار بلوغ الرشد "طور الرشد المبكر

- ‌الخصائص العامة:

- ‌النمو الجسمي:

- ‌النمو العقلي المعرفي:

- ‌النمو الخلقي:

- ‌نمو الشخصية والتوافق ومسألة الهوية:

- ‌الزواج والحياة الأسرية:

- ‌مفهوم الأسرة:

- ‌الزواج:

- ‌الطلاق:

- ‌النمو المهني:

- ‌عمالة الصغار وبطالة الكبار:

- ‌الفصل السابع عشر: طور بلوغ الرشد "وسط العمر

- ‌مدخل

- ‌الخصائص العامة:

- ‌النمو الجسمي

- ‌مدخل

- ‌الصحة والمرض:

- ‌النموّ الجنسي:

- ‌النمو العقلي المعرفي:

- ‌إبداع الراشدين:

- ‌نمو الشخصية

- ‌مدخل

- ‌الميول المهنية واللامهنية:

- ‌التوافق:

- ‌نمو الحياة الأسرية

- ‌مدخل

- ‌التوافق الزواجي:

- ‌النمو المهني:

- ‌الفصل الثامن عشر: التعلم مدى الحياة تعلم الراشدين"الكبار

- ‌تعلم الراشدين"الكبار" والمفاهيم المرتبطة

- ‌دافع التعلم عند الراشدين

- ‌تصنيف دوافع التعلم عند الراشدين

- ‌مثبطات التعلم عند الراشدين"التسرب

- ‌مشكلات المتعلمين الراشدين

- ‌القلق

- ‌ أوهام العمر:

- ‌ المستوى الاقتصادي والاجتماعي:

- ‌شروط التعلم عند الراشدين:

- ‌خاتمة حول العمر الثاني للإنسان:

- ‌الباب السادس: المرحلة الثالثة في حياة الإنسان"ضعف المسنين

- ‌الفصل التاسع عشر: حدود المرحلة الثالثة في حياة الإنسان

- ‌الشيخوخة في اللغة والثقافة:

- ‌حدود الشيخوخة

- ‌المحك العمري

- ‌نحو محكات أخرى للشيخوخة:

- ‌تاريخ البحث في ميدان المسنين:

- ‌موضوع سيكولوجية المسنين:

- ‌نظريات الشيخوخة والتقدم في السن

- ‌أولاً: النظريات البيولوجية

- ‌ثانيًا: النظريات النفسية الاجتماعية:

- ‌الفصل العشرون: طور الشيخوخة

- ‌التغيرات الجسمية

- ‌التغيرات الفسيولوجية

- ‌مدخل

- ‌الصحة والمرض في طور الشيخوخة:

- ‌التغير في الوظائف الحسية:

- ‌التغير في النشاط الحركي:

- ‌التغير العقلي المعرفي

- ‌مدخل

- ‌أولًا: التدهور في القدرات العقلية

- ‌ثانيًا: بنية القدرات العقلية:

- ‌ثالثًا: نسبة الكفاءة ونسبة التدهور

- ‌حكمة الشيوخ

- ‌مدخل

- ‌الحكمة: قدرة القدرات الإنسانية

- ‌أمثلة من البحوث النفسية في الحكمة:

- ‌التقاعد

- ‌مفهوم التقاعد

- ‌قرار التقاعد:

- ‌عملية التقاعد:

- ‌التكيف للتقاعد:

- ‌الحياة الأسرية:

- ‌التوافق والشخصية في طور الشيخوخة:

- ‌عوامل التوافق في الشيخوخة وأنماطه:

- ‌ميول المسنين:

- ‌التغيرات في السلوك الاجتماعي:

- ‌الفصل الحادي والعشرون: طور أرذل العمر

- ‌مدخل

- ‌محكات بلوغ أرذل العمر

- ‌المحك الإسلامي

- ‌المحك المرضي:

- ‌ محك سوء التوافق:

- ‌التغيرات الجوهرية في طور أرذل العمر:

- ‌تصنيف الاضطرابات السلوكية

- ‌مدخل

- ‌أولًا: الاضطرابات الوظيفية

- ‌ثانيًا: الاضطرابات العضوية

- ‌الفصل الثاني والعشرون: رعاية المسنين

- ‌مدخل

- ‌ تعليم المسنين:

- ‌التدخل العلاجي

- ‌مدخل

- ‌خطوات التدخل العلاجي:

- ‌أساليب التدخل العلاجي النفسي:

- ‌الرعاية الشاملة للمسنين:

- ‌خاتمة الكتاب:

- ‌مراجع الكتاب:

- ‌محتويات الكتاب:

الفصل: ‌ثانيا: الاضطرابات العضوية

الدالة على الفشل الشخصي، وهو ما لا يحب المسن أن يعترف به، فالبديل إذن هو المرض الجسمي الذي لا حيلة له فيه.

وفي الممارسة الكلينيكية يصعب التميز في طور أرذل العمر بين الاكتئاب وأعراض الخلل المخي العضوي المزمن، ولهذا ظهرت فئة تشخصية تُسَمِّي الاكتئاب العضوي -سوف نتناولها فيما بعد، كما قد يتداخل الاكتئاب مع الشعور بالشقاء والتعاسة والحزن الوجداني، والذي قد يُعَدُّ استجابةً طبيعيةً للمواقف التي يوجد فيها المسن، كما قد يختلط اكتئاب المسنين أيضًا بعلامات الهرم العادي، وبالتالي يتجاهله الكثيرون، ومع ذلك فإن الاكتئاب يظل أخطر الاضطرابات الوجدانية لدى المسن، وهو الاكثر شيوعًا لديهم، كما يلاحظ لدى الذين يترددون على المستشفيات، سواء للإقامة الداخلية، أو على العيادة الخارجية، ولدى الذين يعيشون في المؤسسات "دور المسنين"؛ ففي مسحٍ أُجْرِيَ عام 1992 في الولايات المتحدة، لوحظ أن 63% من المقيمين بدور رعاية المسنين يعانون من الاضطرابات المعرفية، كما يؤلف الذين يعانون من الاكتئاب الحاد 25% منهم "Mensh، 1994"

ص: 641

‌ثانيًا: الاضطرابات العضوية

تنشأ الاضطرابات المخية العضوية عن عجز أنسجة المخ عن النشاط لأسباب كثيرةٍ، وتسمى هذه الاضطرابات الخرف Dementia، ومنه خرف الشيخوخة Senile Dementia، ويوجد نوعان من هذا الخرف؛ أولهما: نمط الزهيمر Alzherimer، والذي يسمى أيضًا الخلل الأولي للخلايا العصبية، وثانيهما: نمط الأوعية الدموية Cerebrovascular، والذي يُسَمَّى أيضًا خرف الاحتشاء المتعدد.

أما الأنواع الأخرى من الخرف فتشمل مرض بك pick، وزملة أعراض فيرنك-كورساكوف Wernicke - Koersakoff، ومرض كوريا لهنتجتون Huntington Chorea، وتصلب الأنسجة المتعددة Multiple Sclerosis، ومرض كورو1 Kuru، وتتسم هذه الاضطرابات العضوية جميعا بأنها خطيرة طبيًّا بأنها لا تقبل الشفاء irreversible، وبالتالي فهي مزمنة، وهي علامة على

1 اقتراح أ. د. يوسف مراد ترجمة كلمة Delirium بكلمة هتر، وكلمة DEmentia بكلمة خبل، وإلّا أن الاستخدام الطبي لهما كما جاء في المعجم الطبي الموحّد ورد على النحو الذي جاء في هذا الكتاب، وآثرنا الالتزام به توحيدًا للغة العلم.

ص: 641

الخلل النهائي الذي ينتهي بالمسن في هذا الطور إلى الموت، وتوجد أنواع أخرى من الاضطرابات المخية العضوية التي تظهر في طور أرذل العمر أيضًا، ولكنها أقل حدة، وقد توصف طبيًّا بأنها تقبل الشفاء reversible، وبالتالي فهي حادة actute، وتسمى الخبل Delirium، ومنها الاكتئاب ومرض استسقاء المخ Hydrocephalus والتسمم بالعقاقير.

ومن الحقائق التي كشفت عنها البحوث أن الاضطرابات المخية العضوية قد تكون علاماتها خفيفة أو عميقة، وقد تظهر ببطء أو بسرعة، وقد وصف "Bulter & Lewis، 1982" خمسة تغيرات عقلية تصاحب الاضطرابات المخية العضوية من مختلف الأنواع وهي:

1-

عجز الذاكرة: والذي ينتج عن الفشل في تسجيل الأحداث، أو الفشل في الاحتفاظ بما تَمَّ تسجيله، أو العجز عن الاسترجاع الاختياري من الذاكرة.

2-

العجز العقلي المعرفي: والذي يظهر في صورة فشل المسن في فهم الحقائق أو الأفكار، والعجز عن التفاعل مع المشكلات البسيطة "كالمشكلات الحسابية الروتينية"، والفشل في اكتساب سلوك جديد وتعلمه بسبب اضطرابات الذاكرة، مع سيطرة النمطية، والقصور الذاتي في صورة تكرار الاستجابة، حتى وإن كانت لا تتناسب مع المثير أو الموقف، كما يتسم النشاط العقلي بالتفكير الحسي الحركي والتفكير العياني الشبيه بتفكير الأطفال.

3-

العجز الشخصي الاجتماعي: والذي يتمثّل في صعوبة فهم المواقف الشخصية ووضع الخطط واتخاذ القرارات والعجز عن معرفة هوية الأشخاص الآخرين، وتجنب المواقف الصعبة بالانشغال عنها بأعمال لا صلة لها بهذه المواقف، ويزيد الموقف حدة الاضطرابات اللغوية والإدراكية والحركية المصاحبة لذلك.

4-

العجز عن تحديد الاتجاهات: ويتمثل في الخلط في تقدير الزمان والمكان، مع ظهور الخلط الزماني أولًا.

5-

العجز الانفعالي: ويتمثل في التحول من الانفعالية الشديدة إلى البلد الانفعالي، ويتم هذا التحول بسرعة وبدون سبب ظاهر.

وهذه التغيرات الخمسة تكشف لنا معًا مرة أخرى عن الإعجاز النفسي للقرآن الكريم في وصفه لطور أرذل العمر، انتكاس لأطوار النمو المبكرة وفقدان للقدرة.

ص: 642

على التعلم "والذاكرة هي وعاء التعلم".

وبالطبع لايظهر الأشخاص المسنون هذه العلامات الخمسة معًا وفي وقت واحد، كما أن بعض هذه العلامات قد يكون أشد من غيره، وبعضها قد يكون لبعض الوقت من النوع الحاد المؤقت "الخبل"، والبعض الآخر يستمر في التطور نحو مزيدٍ من التدهور والعجز، حتى يصل بالمسن إلى العجز الكامل عن التعامل مع أبسط صور رعاية الذات، ويظل كذلك حتى الموت، وحينئذ يصبح الاضطراب مزمنًا من نوع الخرف.

ونعرض فيما لي الاضطرابات المخية العضوية بنوعيها، متبدئين بالخبل ومنتهين بالخرف:

1-

الاضطرابات المخية العضوية الحادة "خبل الشيخوخة":

هذه الاضطرابات تُطْلِقُ عليها الجمعية الأمريكية لطب الأمراض العقلية مصطلح delirium، وهو الذي آثرنا ترجمته بالمصطلح الطبي خبل الشيخوخة، وهذه الاضطرابات شائعة بنسبة تتراوح من 10% و 20% بين المصابين بالاضطرابات المخية العضوية، وهي أنواع من الاضطرابات تقبل الشفاء وتتسم بأنها تحدث فجأة ولفترة مؤقتة، ومن هنا جاء وصفها بالحدة، وتظهر في هذه الاضطرابات بعض أو جميع علامات زملة أعراض الاضطراب المخي العضوي، ومن ذلك الحمَّى، وارتعاش العضلات، وسرعة دقات القلب، والعرق، وراتفاع ضغط الدم، وعدم سواء الرسم الكهربائي للمخ، كما أن الأعراض النفسية التي ترتبط باحتمال حدوث هذا النوع من الاضطراب تشمل القلق البالغ، والتوهم، والخداعات، والخلط، وتذبذب مستوى الوعي، والخلل المعرفي، وأشهر صور الخلط والتوهم هو الشعور بالاضطهاد، ويحدد الباحثون بضعة أسبابٍ لحدوث هذا النوع من الاضطراب المخي"Huyck & Hoyr، 1982" هي:

أ- الأسباب البنيوية: ومن ذلك أورام وجلطة المخ، والتي تؤدي إلى حدوث تغيرات عقلية لدى حوالي نصف المرضى من هذه الفئة؛ فالجلطة أو الورم المخيان يؤديان إلى منع الدم من الوصول إلى أجزاء معينة من المخ.

ب- التسمم بالعقاقير: ويشمل ذلك التسمم الكحولي، والسبب في ذلك أن علميات الأيض للعقاقير "وخاصة ما يتضمن منها المواد المخدرة" أبطأ لدى المسنين، أضف إلى ذلك أن بعض المسنين يسيئون استخدام

ص: 643

العقاقير الطبية، ومن ذلك استخدام تذاكر طبية متعددة لأطباء مختلفين على مراحل زمنية مختلفة، أو استخدام أدوية يوصي بها الأصدقاء والمعارف، أو استخدام أدوية لم تعد صالحة أو مفيدة للاستعمال، أو إحلال أدوية محل أخرى.

ج- نقص السكر في الدم: وهو أحد أمراض البول السكري، ويسمى hypoglycemia، ويظهر عندما يكون مقدار السعرات الحرارية الوارد لجسم المسن غير متناسب مع مقدار الأنسولين المستهلك، أو إذا كان جسم المسن لا يستطيع تجهيز الطعام بسبب نقص إفرازات الكبد "نتيجة التليف مثلًا".

د- اضطرابات القلب: وخاصة تضخم عضلة القلب عند المسنين الذين يعانون بالفعل من بعض الخلل في نشاطهم المعرفي؛ فاضطراب القلب يؤثر في قدرته على تزويد المخ بالدم اللازم له.

و اضطرابات التغذية وخلل علميات الأيض: فقد ينشأ عن ضعف نشاط الغدة الدرقية مثلًا خلل في النشاط المعرفي، أضف إلى ذلك أن أمراض سوء التغذية ومنها الأنيما الخبيثة والنقص الشديد في فيتامين "ب" قد تؤدي إلى زملة أعراض مخية من النوع الذي نصفه هنا، كما أن زيادة الكالسيوم عن المستوى العادي يؤدي إلى التبلد والخلط.

ز- الإجهاد النفسي: ويشمل ذلك ما ينتج عن الألم الشديد والحزن العميق والشعور المزمن بالشقاء والتعاسة، فقد يؤدي ذلك إلى ظهور أعراض الاضطراب المخي الحاد "المؤقت".

وفي معظم الحالات فإن اضطرابات خبل الشيخوخة ذات الطبيعة المخية العضوية الحادة تنشأ عن تفاعل أسباب عديدة "Birren & Slonane، 1980"؛ فمثلًا يمكن لأي عقار أو مخدر له أثره في الجهاز العصبي أن يؤدي إلى حدوث هذه الاضطرابات، وخاصةًً إذا كان المريض المسن يعاني من أمراض الأوعية الدموية للقلب التي تؤدي إلى نقص إمداد المخ بالأوكسيجين، أو حين يكون المريض مصابًا بالجفاف، كما أن المسن قد ينسى "بسبب ضعف ذاكرته" أنه تناول بالفعل دواءه، وبالتالي قد يتعاطى جرعات متعددة "أكثر من اللازم" دون أن يدري.

ص: 644

توجد نسبة عالية من الموت المباشر بسبب خبل الشيخوخة تصل إلى حوالي 40%، ويرجع ذلك في جوهره إلى أخطاء التشخيص، أما إذا أمكن تحديد الاضطراب بدقة، فإن هذا النوع من الاضطراب لا يمتد لأكثر من أسبوع واحد؛ فعلاجه يتم بتصحيح الشرط المحدث له؛ فالمريض المسن قد يحتاج إلى الأوكسيجين، أو جلوكوز الدم، أو نقل الدم، أو علاج المرض المعدي، أو التحكم، فإن المريض قد تتطور حالته إلى اضطرابٍ مخيٍّ أكثر خطرًا "خرف الشيخوخة" أو يموت، وفي كثير من الأحوال يشفى المريض وحينئذ يستطيع أن يعود إلى نشاطه المعتاد.

ومن التقاليد الطبية الراسخة في هذا الميدان في وقتنا الحاضر افتراض أن جميع الاضطرابات المخية العضوية قابلة للشفاء، فإذا استجابت الحالة للعلاج صُنِّفَتْ على أنها من النوع الحاد "خبل الشيخوخة"، أما إذا لم تستجب فإنها تصبح من النوع المزمن الأشد خطرًا، والذي سنتناوله في القسم التالي.

2-

الاضطرابات المخية العضوية المزمنة "خرف الشيخوخة":

يمكن القول أن خرف الشيخوخة Senile Demetia، هو أخطر الأمراض العقلية في مرحلة المسنين، بل هو المعلم الرئيسي على دخول المسن طور أرذل العمر، ومصدر الخطر الرئيسي أنه حالما تعطب خلايا المخ وأنسجته، فإنها تموت ولا تتجدد، ويؤدي عطب المخ بدوره إلى تدهور عقلي وخلل في تكامل الشخصية.

وهناك اختلافات جوهرية بين خبل الشيخوخة "المرض الحاد والمؤقت" وخرف الشيخوخة "المرض المزمن"، في أن أولهما يظهر فجأة ويستمر لفترة قصيرة إذا تَمَّ تشخيصه بدقة وعلاجه بطريقة ملائمة، كما أن عرضه الأساسي هو تذبذب الوعي مع الشعور بخداعات وتوهمات ناجمة عن تشويه في الإدراك أو سوء تفسير للمدراكات، أما خرف الشيخوخة المزمن فإنه يتطور تدريجيًّا وعادةً ما تكون بدايته مع ظهور تغيرات انفعالية وسلوكية مختلفة؛ كالاكتئاب والتعب وعدم الشعور بالراحة والانسحاب الاجتماعي وفقدان المبادأة والتلقائية والانفجار الانفعالي "الغضب أو الضحك أو البكاء مثلًا"، وعدم الانتظام في القيام بالأعمال المعتادة، والتغير في مستويات السلوك التي تصدر عنه، وهذه التغيرات تخبئ وراءها فقدانًا في القدرات العقلية العليا؛ فسوء التوجه الزماني والمكاني وفقدان

ص: 645

ذاكرة الأمد القصير سرعان ما يتبعها فقدان في ذاكرة الأمد الطويل، وحينئذ تختل وظائف الذاكرة تمامًا "الأفازيا"، ويشمل ذلك الاحتفاظ والاستدعاء والتعرف.

ويمتد أثر ذلك إلى فقدان القدرة على التعلُّم "حتى لا يعلم المسن من بعد علم شيئًا حسب التعبير القرآني المعجز"، ومن معالم الانتكاس الطفولي الخطير أيضًا التحول كليةً إلى التفكير العياني المحسوس والفقدان الكلي للقدرة على أبسط صور التجريد، ويكون التفكير في هذا الطور أقل كفاءة بكثير من تفكير الأطفال بكثير، كما يظهر أيضًا التدهور اللغوي "وخاصة في الكلام"، كما يظهر العجز عن فهم الرموز غير اللفظية "الأجنوزيا Agnosia"، والعجز الحركي وخاصةً العجز عن القيام بالحركات الموجهة نحو غرضٍ، والذي يُسَمَّى الأبراكسيا aparaxia، ويزداد ذلك مع زيادة حدة الخلل المخي.

ويظهر ذلك كله في صورة عجز عن الإجابة على الأسئلة المألوفة والتي توجه إلى المريض مثل: تحديد أين هو، أو تاريخ اليوم أو الشهر أو السنة، أو تحديد عمره، أو تحديد تاريخ ميلاده، أو سنة هذا الميلاد، أو تحديد محل إقامته، أو ذكر اسم رئيس الدولة، إلخ "Hock & Zubin، 1964"، ويصل الأمر إلى أقصى درجاته حين يفشل المسن في تذكر اسمه، كما يفيد الفحص النفسي العصبي في التمييز بين خرف الشيخوخة والاكتئاب خاصة، ومع تأخر حالة المريض بخرف الشيخوخة في طور أرذل العمر يتحول إلى العجز الكلي عن التحكم في الحركة، وحينئذٍ لا يستطيع المريض أن يطعم نفسه، أو يحافظ على نظافته الشخصية، وهكذا يكون المسن قد دخل بالفعل في طور أرذل العمر، فالتدهور مستمر، ومع كل يوم يضاف إلى عمر المسن يشهد تغيرًا إلى ما هو أسوأ، وهذا كله يتسم بعدم القابلية للشفاء، ولا نهاية له إلّا الموت. وإذا كان خبل الشيخوخة المؤقت يصاحب عادةً بزيادة النشاط الحركي، فإن خرف الشيخوخة المزمن يصاحبه بطء شديد في هذا النشاط؛ فالشخص الذي يعاني من الاضطراب الحاد المؤقت "الخبل" يبدو مفرطًا في نشاطه ومتوترًا وغير مستقر، ويؤدي هذا السلوك إلى حيرة الملاحظ الخارجي.

ويبدو المسن في هذه الحالة كما لو كان غير مصدقٍ لما يحدث له، ويتسم انتباهه بأنه غير متبأور. ويتوجه نحو الأشخاص وليس الأماكن، ويعوزه الاستبصار، ويتسم تفكيره بأنه أقرب إلى تفكير الشخص الحالم، إلّا أن ذلك كله قابل للشفاء بالعلاج المناسب كما بينا من قبل، وهذا كله عكس خرف الشيخوخة.

وإذا عدنا إلى خرف الشيخوخة فإنه على الرغم من وجود الخصائص المشتركة السابقة، إلّا أن هذا الاضطراب يتضمن عدة فئات في التصنيف

ص: 646

السيكياتري المعاصر، كلًّا منها يوصف في ضوء أعراضه وأسبابه المفترضة.

ونعرض فيما يلي هذا الفئات:

أ- مرض الزهيمر "الخلل الأولي للخلايا العصبية":

هذا المرض هو السبب الرئيسي لخلل الوظائف المخية عند المسنين، ويُعَدُّ مع الاكتئاب- أخطر اضطرابين في السلوك يتعرض لهما المسنون في مرحلة أرذل العمر، ومرض الزهيمر يصيب حوالي نصف الذين يعانون من التدهور العقلي في هذه المرحلة، وقد تعرضت تسمية هذا المرض لتطور طريف، فحينما كان يعتبر ناجمًا عن التقدم في السن أطلق عليه العامة، خرف الشيخوخة "senile dementil"، إلّا أنه عندما اكتشف أنه قد يصيب الراشدين في مراحل عمرية سابقة أطلق عليه تسمية خاصة، هي خرف ما قبل الشيخوخة Presenile demerntial" ويعود الفضل في اكتشافه عام 1970 إلى عالم النيرولوجيا الألماني Alois Alzheimer، الذي حدد التغيرات البنيوية في المخ، التي يتسم بها الخرف في هذه المراحل المبكرة من العمر، ولهذا نسب إليه، وأصبح يُسَمَّى مرض الزهيمر مشيرًا بالطبع إلى خرف ما قبل الشيخوخة، إلّا أن الجمعية الأمريكية لطب الأمراض العقلية في تصينفها السيكياتري الأخير DSM IV، فضَّلَت أن تشير إلى خرف الشيخوخة باسم الخرف الناجم عن الخلل الأولي للخلايا العصبية، مع التمييز بين هذا المرض في طوري الشيخوخة، وما قبل الشيخوخة، ويعتقد بعض الباحثين أن نوعي المرض متطابقان فسيولوجيًّا، ويشيرون إليها باسم مشترك هو مرض الزهيمر، بصرف النظر عن عمر المريض، بينما تؤكد البحوث وجود فروق بين المسنين ومن هم أصغر سنًّا في هذا المرض، ولعل أهم هذه الفروق أن المسنين الذين يصابون به لا يعيشون بعده إلّا بضع سنوات، بينما المرضى به الأصغر سنًّا "في طور منتصف العمر"، قد يستمرون أحياء لمدة تمتد بين عشر سنوات وعشرين سنة، مع تدهور مستمر بالطبع، ولهذا يرى البعض أن مرض الزهيمر هو في الواقع صورة مبكرة لخرف الشيخوخة؛ ففي كلاهما تظهر أعراض مشتركة كالتدهور العقلي، وخاصة فقدان الذاكرة، والتدهور في التوجه الزماني والمكاني، والاضطراب الانفعالي والسلوكي، وفي الحالتين تكون البداية بطيئة على نحوٍ قد لا يلاحظه أفراد الأسرة، وفي المراحل المتأخرة من المرض يظهر المسن عدم الاستقرار ومايصاحبه من ازعاجٍ للآخرين، والسلوك التكراري وخاصة تكرار الكلمات أو الجمل أوالنشاط، حتى لو كانت غير ملائمة؛ كأن يسأل عن الوقت مرات عديدة خلال فترة زمنية وجيزة، مع ظهور الأفازيا "فقدان القدرة على

ص: 647

استخدام اللغة"، والتغيرات السريعة في الانفعالات، كما يفقد القدرة على التحكم في المثانة والأمعاء، وقد ينتهي الأمر بالمريض إلى عدم معرفة من هو أو معرفة أفراد أسرته.

أما عن التغيرات التي تطرأ على المخ نتيجةً لهذا المرض فإنها لا تتحدد إلّا عند تشريح الجثة بعد الوفاة؛ حيث يلاحظ ضمور شديد في شجيرات الخلايا العصبية، بالإضافة إلى تغيرات بنيوية خطيرة في المخ تؤدي إلى ضمور المخ ككلٍّ ونقص وزنه.

النماذج النظرية حول المرض: لا يزال الباحثون يحاولون في وقتنا الحاضر اكتشاف الأسباب المحتملة لحدوث مرض الزهيمر، ويذكر "Wurtman، 1985" أنه توجد ستة نماذج مختلفة هي:

1-

النموذج الوراثي: ويعتمد في جوهره على الأدلة المتاحة من دراسة الأسرة التي يظهر المرض بين أفرادها، وفي رأي أصحاب هذا النموذج أن هذه الأدلة قد توحي بوجود بعض الجينات الخاطئة تجعل المرء عرضة للتأثر بالظروف البيئية التي تؤدي إلى ظهور المرض، إلّا أن البحوث لم تؤكد بعد وجود كروموزوم خاص بهذا المرض.

2-

النموذج البيوكيميائي: وهو نموذج يعتمد على أدلةٍ أكثر دقة تتلخص فيما لوحظ من وجود نقص واضح في نشاط إنزيم معين في أنسجة مخ الأشخاص المصابين بهذا المرض، وهو إنزيم CHAT"1"، ويبدو أن السبب في هذا النقص هو فقدان الخلايا العصبية في جزء المخ المسئول عن التحكم في إفراز هذا الإنزيم، والنقص في هذه الخلايا ليس ناجمًا عن عملية التقدم في السن في ذاتها؛ ولهذا اقترح بعض الباحثين في السنوات الأخيرة أنه قد يرجع إلى آثار الإفرازات الهرمونية الناجمة عن الإجهاد "Schaie & Willis،1976"، كما أن العمليات البيوكيمائية المرضية قد تكون متضمنة في التغيرات التي تطرأ على لحاء المخ.

3-

نموذج التلوث بالانتقال "العدوى": ظهر هذا النموذج في ضوء نتائج الدراسات التي أجريت على الأمراض النيرولوجية النادرة التي يمكن أن تنتقل في ظروف غير طبيعية، وقد تدعم نموذج التلوث بالانتقال أو العدوى infectious، بما وُجِدَ من أن أحد جزئيات البروتين المسمى البريون Prion الذي

1 الاسم الكامل للإنزيم هو: "Coline acetyltransferse".

ص: 648

يوجد في هذه الأمراض، له خصائص بنيوية شبيهة لما يوجد في مخ مرضى الزهيمر، وقد أجريت بحوث تجريبية لنقل هذا المرض إلى الحيوانات، ولكنها لم تنجح حتى الآن، ومع ذلك فإن الاحتمال لا يزال قائمًا بوجود ناقل للعدوى بهذا المرض، والذي يتطلب قبل حدوث العدوى وجود استعداد وراثي قبلي، أو مرض راهن في جهاز المناعة أو التعرض لمادة سامة في البيئة.

4-

نموذج التسمم العصبي: وهو نموذج يعتمد على أدلةٍ لا تزال حتى الأن موضع خلاف، وخلاصتها أن بعض المعادن الضارة "ومنها الألمومنيوم"، من الألياف العصبية المسماة neurofibrillary tangles، ولم يتضح بعد ما إذا كان الألومنيوم يتم امتصاصه من مصادر البيئة ثم يؤدي بدوره إلى ظهور هذه العقد الليفية، إلّا أن الأكثر احتمالًا في الحدوث أنه حالما تظهر هذه العقد فإنها تجذب إليها الألومنيوم، وبعبارة أخرى فإن التراكم السمي لا ينشأ عن استخدام الألومنيوم في الحياة اليومية، وإنما عن الخلل الذي يطرأ على علميات الأيض حالما تحدث التغيرات غير السوية التي تنتج عن مرض الزهيمر.

5-

نموذج النقص في تدفق الدم: على الرغم من أن مرض الزهيمر لا ينشأ عن تصلب الأورطي، فإن هناك أدلة على حدوث نقص واضح في تدفق الدم إلى المخ عند مرضى الزهيمر، وتؤكد الدراسات الحديثة أن تدفق الدم إلى المخ، واستهلاك الأوكسيجين فيه، يتناقص بنسبة 30% عند مرضى الزهيمر بمقارنتهم بالمسنين العاديين، ويكون هذا النقص أكثر حدة في الفص الجبهي والفص الجداري من لحاء المخ، وهي نفس المناطق التي تظهر أخطر التغيرات الباثولوجية في أنسجة المخ، ويقترح بعض العلماء أن حدوث النقص في تدفق الدم ينتج عن نقص الخلايا العصبية التي تستثير الموصلات المسئولة عن تنشيط تدفق الدم في المخ.

6-

نموذج الخلل في إنزيم الآسيتلكولين: اقترح هذا النموذج من خلال محاولات أصحابه علاج مرض الزهيمر حين وجدوا أن إنزيم الآستلكولين، وهو أحد الناقلات العصبية، يقل مقداره لدى المصابين بهذا المرض، وقد توافرت الأدلة على ذلك من مصدرين؛ أولهما: العلاج بالتغذية حين يقدم للمرضى غذاءً غنيًّا بالمواد الخام التي تكوّن الإنزيم، وثانيهما: العلاج باستخدام عقار الفسوتيجمين Physotigumine، الذي يمنع التدهور السريع للإنزيم بعد إفرازه من

ص: 649

الخلايا العصبية، وعلى الرغم من أن أدلة النوع الأول من العلاج لا تزال حتى الآن غير قاطعة، وعلى الرغم أيضًا من أن أدلة النوع الثاني من العلاج تؤكد احتمال حدوث آثار جانبية خطيرة، فإن النموذج قد تتوافر أدلة كافية على صحته في المستقبل، وخاصة أن الأدلة التشريحية التي توفرت من دراسة لحاء مخ المرضى بهذا المرض بعد وفاتهم، تؤكد أن مستويات هذا الإنزيم لديهم أقل من مستوياته لدى المسننين العاديين بنسب بين 60%، 90%.

ب- خرف الاحتشاء المتعدد:

يحتل خرف الاحتشاء Multi infarcet dementia1 ، والذي يُسَمَّى أحيانًا خرف انسداد وتصلب الأوعية الدموية المخية cereveovascular، المرتبة الثانية بعد مرض الزهيمر في الأهمية والخطر؛ كخلل مخي مزمن، فهو يُعَدُّ مسئولًا عن حوالي من 20% إلى 30% من خرف الشيخوخة في الغرب، وهو عبارة عن اضطراب ينشأ عن حدوث جلطات متعدد في الدم تمنع وصوله إلى المخ، ويتسم المريض حينئذ بالتوتر الزائد، وعلى الرغم من أن تصلب الشرايين قد ينشأ عن ذلك إلّا أن أهميته لا تظهر إلّا في القليل من المصابين بهذا المرض. ويبدو أن خرف الاحتشاء المتعدد يسبب جوالي 20% من حالات الوفاة الناجمة عن الخلل العضوي المزمن للمخ، بالإضافة إلى حدوثه في حوالي 12% من مرضى الزهيمر الذي أشرنا إليه.

وتظهر الأعراض الأولى لمرض خرف الاحتشاء المتعدد في المتوسط في سن 66 عامًا، على الرغم من أنها قد تظهر عند القليلين في سن الخمسين، وهي أكثر شيوعًا لدى الرجال منه لدى النساء، وقد يكون السبب في ذلك أن هرمون الإستروجين يزوّد المرأة ببعض الحماية ضد مرض الأوعية الدموية للقلب حتى بلوغها سن الطهر.

وتظهر بعض الأعطاب في الأوعية الدموية للمخ لدى المصابين بهذا المرض؛ حيث توجد في المخ مساحات تتسم أنسجتها بالخلل واللين"الطراوة"، وقد تكون الأعراض المبكرة في صورة شعور بالدوار والصداع، وإلّا أن أكثر من نصف الحالات المصابة بهذا المرض تبدأ بمشاعر حادة ومفاجئة بالخلط، ويظهر في صورة هلاوس، أو بعض علامات الخبل التي أشرنا من قبل. ويتسم فقدان

1 الاحتشاء infarcet موضع في الجسم ميت الأنسجة بسبب انقطاع الدم عنه لانسدادٍ أو جلطة في مجرى الدم.

ص: 650

الذاكرة في المراحل المبكرة بأنه متقطع، وقد يظل المريض محتفظًا بدرجة كبيرة من الاستبصار حتى مرحلة متأخرة نسبيًّا من مسار المرض، وكثيرًا ما تطرأ على المريض فتراتٍ يبدو فيها كما لو أن المرض خفت حدته؛ فيعود للذاكرة صفاؤها وخصوبتها على نحوٍ يجعل الكشف عن التدهور العقلي الناجم عن المرض عملية صعبة وتحتاج إلى اختبار دقيق ومنظم.

ويؤدي علاج كلٍّ من التوتر الزائد ومرض الأوعية الدموية القلبية المصاحب لخرف الاحتشاء المتعدد إلى الإبطاء في تطور هذا المرض إلى صورة خطيرة، ويمكن للمريض أن يعيش 15 عامًا أو أكثر، ولا يكون الموت حينئذ إلّا بسبب جلطة المخ أو مرض القلب أو الدرن.

ويسبب ما قد يصدر عن المصابين بهذا المرض من هلاوس وهذاءات، فإن بعضهم قد يصنف على أنه كذلك، بينما هم في الحقيقة يعانون من مرض مخي.

ج- مرض باركنسون:

يوجد اضطراب مخي مزمن آخر يظهر في طور أرذل العمر يُسَمَّى مرض باركنسون Parkinsion's desease، على الرغم من أن بدايات هذا المرض قد تظهر عند البعض مبكرةً في الثلاثينات من العمر، إلّا أن الشائع ظهوره عند الرجال خاصةً بعد بلوغ سن الستين، ويتطور هذا المرض بالتدريج، ويبدأ ببطء الحركة وانحناء القامة، مع قصرٍ شديد في الخطى، وبعدئذ يفتقد الوجه تعبيراته الانفعالية ويصير الصوت رتيبًا، ويفتقد التنوع والحيوية، وتظهر ارتعاشات متكررة "بين 4، 8 رعشات في الثانية"، تلاحظ على وجه الخصوص في الأصابع والساعدين وجفني العينيني واللسان، ويمكن للمريض أن يتحكم مؤقتًا في هذه الارتعاشات إلى حَدِّ أنه يستطيع القيام بأداء المهام التي تتطلب التأزر العضلي الدقيق، إلّا أنه سرعان ما تعود الارتعاشات إلى الظهور، وقد يتطور ذلك إلى نوعٍ من الشلل الرعاش مع عجز عن إصدار الحركات الإرادية.

وقد يعاني المسن المصاب بهذا المرض من صعوبة التركيز الذهني، كما قد تبدأ الذاكرة في التدهور، ويظهر الخلل العقلي في نسبة تمتد بين 25 % إلى 80% من هؤلاء المرضى، وقد يتحول إلى اكتئاب شديد، وإذا لم يعالج المرض فإنه قد يؤدي إلى العجز الكلي خلال خمس سنوات.

ولم يحدد العلماء بعد سببًا واضحًا محددًا لهذا المرض، واقترحت في هذا الصدد أسباب كثيرة من فيروسات خاصة به، وحدوث التهابات المخ وغيره، إلّا

ص: 651

أن هناك أدلة توحي بأهمية نقص أحد الناقلات العصبية، وهو إنزيم الدوبامين dopamine في إحداث المرض، فقد وجد الباحثون أن مرضى باركنسون يفقدون الخلايا العصبية في منطقة بالمخ تُسَمَّى substance migra، وهي منطقة صغيرة على كلٍّ من جانبي المخ تنتج إنزيم الدوبامين، كما لوحظ أيضًا أن بعض العقاقير التي تعالج الذهان بخفض نشاط الدوبامين، قد تكون لها آثار جانبية في صورة ارتعاشات من النوع الملاحظ في مرضى باركنسون، وبالإضافة إلى ذلك فإن زيادة مقدار الدوبامين في الدم من خلال عقار يُسَمَّى Levadopa، والذي يستخدمه الجسم في إنتاج هذا الإنزيم، تؤدي إلى النجاح مع بعض المصابين بهذا المرض.

وعلى الرغم من أن ذلك لا يؤدي إلى العلاج إلّا أنه يؤدي إلى خفض أو إزالة الأعراض على نحوٍ يسمح للمريض بالعودة إلى النشاط المعتاد.

د- مرض بك:

مرض بك Pick's disease، الذي ينسب إلى الطبيب التشيكي أرنولد بك، اكتشف لأول مرة عام 1892، وهو من الاضطرابات المعرفية النادرة الحدوث، وتشبه أعراضه مرض الزهيمر مع اختلافٍ جوهريٍّ بينهما، يتمثل في أن التغيرات الأولية التي تطرأ على شخصية المصابين بمرض بك وحالتهم الانفعالية والوجدانية قد تكون أحد وأشد، وقد لوحظ من تشريح مخ مرضى بك بعد وفاتهم أنه يختلف عن مخ مرضى الزهيمر، ومعنى ذلك أنهما مرضان مختلفان، إلّا أن البحوث الراهنة لم تقدم بعد توصيفًا كاملًا للمرض الأول، بينما تتوافر حول المرض الثاني "الزهيمر" أدلة كثيرة كما بينا من قبل.

هـ: مرض جاكوب -كرتزفلت:

يوجد مرض آخر أكثر ندرة من المرض السابق "يوجد بنسبة واحد في المليون من الحالات التي تكتشف سنويًّا" هو مرض جاكوب -كرتزفلت Jacob- Creutzefldt، نسبةً إلى العالمين اللذين اكتشفاه في وقت متقارب بين عامي 1920، 1921، وأعراضه تشبه كلًّا من مرضى بك والزهيمر، إلّا أنه يختلف عنها في أنه لا يظهر عادةً إلّا خلال الفترة بين 55، 75 سنة، كما يختلف عنهما أيضًا في أن أسبابه ترجع إلى فيروس بطيء الأثر، يظل خاملًا في الجسم لسنوات طويلة إلّا أنه حين ينشط يصبح مدمرًا؛ فقد ثبت تجريبيًّا أن هذا المرض يقبل الانتقال من حيوان إلى آخر، ومن الإنسان إلى الحيوان، ومن إنسان

ص: 652

إلى آخر، أي: أنه من الأمراض المعدية1. وتتوقف حدة الخرف المصاحب لهذا المرض على مقدار السرعة في فقدان خلايا المخ من ناحية، وعلى تدهور الموارد العقلية والوجدانية للمسن من ناحيةٍ أخرى، وعلى تعقد البيئة المحيطة به وعدم حدبها عليه من ناحيةٍ ثالثة، وقد تأكَّدَ أنه حين ينشط فيروس هذا المرض فإنه يؤدي إلى خرف عنيف سريع مصحوب بتشنجات عضلية وتحولاتٍ شديدة نحو البطء في النشاط والحركة.

و مرض كوريا:

يمكن للاضطرابات المعرفية أن تصاحب أمراضًا أخرى تظهر في طور أرذل العمر، ومن ذلك المرض المعروف باسم كوريا، والمنسوب لمكتشفه هنتنجتون Huntington نسبة إلى الطبيب الأمريكي جورج سمنر هنتنجتون الذي اكتشفه عام 1872، ويُسَمَّى أحيانًا بمرض وودي جاثري Woddy Guthrie، نسبة إلى المغني الفولكلوري الأمريكي الذي مات به، وتوجد أدلة على أن سببه الرئيسي وراثي نتيجةً لوجود أحد المورثات "الجينات" السائدة المسئولة عنه، وهو قابل للانتقال عبر الأجيال "فقد أصيب به نجل وودي جاثري أيضًا"، واحتمال وراثيته 0.5، وتظهر أعراضه عادةً في طور منتصف العمر، وتشمل تغيرًا في الشخصية والنواحي المزاجية، وتدهورًا في القدرات العقلية والمعرفية، مع ظهور بعض الأعراض الذهانية، واضطرابات حركية، كما قد تظهر التقلصات اللاإرادية في العضلات، والتي تتحول إلى حركات حادةٍ يستحيل التحكم فيها في الرأس والأطراف والجذع، مع ظهور أعراض خرف الشيخوخة الملازم للأمراض الأخرى، وخاصةً مرض الزهيمر، إلّا أن الفرق بينهما أن مرض بك يرتبط بتغيرات مختلفة في أنسجة المخ، كما كشفت عنها مرةً أخرى الأدلة التشريحية بعد الوفاة.

كيف يتحول المسنون إلى طور أرذل العمر؟

من وصفنا السابق للمعالم البارزة لطور أرذل العمر يتضح أنه يتسم -كطور ختامي للحياة -بالتدهور الخطير من الناحيتين السلوكية والفسيولوجية جميعًا، كما يتضح أن التحول لهذا الطور عملية معقدة لا تنتج عن محض الفقدان الكبير في الخلايا العصبية، أو الانسداد في الأوعية الدموية للمخ، أو نقص في معدل

1 هذا المرض يناظر ما سُمِّيَ في السنوات الأخيرة "بجنون البقر" عند الحيوانات.

ص: 653

الأيض في الجهاز العصبي المركزي، وإنما هي نتاج تفاعل بين العوامل الداخلية في الجسم الإنساني للمسنين والعوامل الخارجية التي تتمثل في الظروف البيئية والاجتماعية المحيطة بهم "Finch، 1986".

لقد توافرت أدلة كثيرة خلال السنوات الأخيرة تؤكد لنا أن الفقد في الخلايا العصبية متوسط في معدله على المدى العادي لحياة الثدييات بصفة عامة، كما أن بعض مظاهر النقص الخطير في هذه الخلايا بالإضافة إلى تدهور الأيض المخي قد يظهران في بعض الحالات التي تنشأ قبل مرحلة الشيخوخة ذاتها، ومن أمثلة ذلك مرض الزهيمر وخبل الاحتشاء المتعدد اللذان قد يظهران في أطوار مبكرة من حياة الإنسان كما بينا، صحيح أن هذه الاضطرابات تزداد على نحوٍ أكبر في مرحلة الشيخوخة، إلّا أن آثارها يجب أن تتميز عن التغيرات المخية العادية التي تطرأ على المسنين من ذوي الشيخوخة العادية؛ فالشيوخ العاديون "الذين لم يدخلوا بعد طور أرذل العمر" لا يظهر لديهم نقص شديد في الخلايا العصبية إلّا في مناطق محدودة من المخ "Terry & Greson، 1976".

ومع ذلك فإن الشيخوخة العادية ليست بلا حدود، لقد أكدت البحوث الحديثة "Gottfries، 1986" أن هناك قدرًا كبيرًا من التشابه في التغيرات البنيوية والبيوكيمائية في المخ بين المسنين من نمط "الشيخوخة العادية" الذين يتقدمون كثيرًا في السن، وأولئك الذين يعانون من الاضطرابات السابقة التي يتصف بها من يدخلون بالفعل طور أرذل العمر "ما تتمثل في أنواع الاضطرابات الوظيفية والعضوية التي تناولنها" ولعل هذا ما دفع بعض العلماء المعاصرين إلى اقتراح أحد الفروض الذي لا يزال في حاجة إلى أدلة حاسمة، وهو أن عملية الشيخوخة العادية إذا تآزرت معها عوامل بيئية سلبية، قد تؤدي إلى ظهور أعراض الخبل والخرف التي تميز طور أرذل العمر.

وبالطبع فإن البيئة السلبية تؤثر في الإنسان في مختلف مراحل عمره، وقد عرضنا أمثلة لذلك طوال الفصول السابقة من هذا الكتاب، إلّا أن أثرها الخطير في هذا الطور الذي يتمثل في ظهور صور التدهور والاضطراب التي تناولناها في هذا الفصل يعني أن الشيخوخة المتأخرة تحمل درجات متفاوتة من خصائص أرذل العمر، وقد عرض "Finch، 1986" بالتفصيل للتغيرات البنيوية والفسيولوجية والبيوكيميائية التي تطرأ على المخ الإنساني نتيجة لمحض التقدم في السن، حتى إنه ليبدو لنا أن التحول إلى طور أرذل العمر مرحلة لا بُدَّ أن يصل إليها من يعيشون

ص: 654

طويلًا، حتى ولو لم يتعرضوا للإصابة بمرض مخي خطير من الأنواع التي تناولناها آنفًا. صحيح أن المعالم السلوكية للتدهور لدى المسنين العاديين الذين يبلغون هذا لطور قد لا تكون خطيرة وحادة كما هو الحال لدى المسنين المرضى، إلّا أنهم -على نحوٍ أو آخر- لا بُدَّ أن يبلغوا أرذل العمر، ولو بدرجة أقل حدة.

فهذه سنة الله سبحانه وتعالى في نمو الإنسان.

ص: 655