الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل العشرون: طور الشيخوخة
التغيرات الجسمية
…
الفصل العشرون: طور الشيخوخة
أشرنا في الفصل السابق إلى أن مرحلة المسنين والتي تتحدد اعتباطيًّا بتجاوز الراشد سن الستين أو بعدها بقليل، يمكن أن تنقسم إلى طورين؛ أحدهما هو طور الشيخوخة، وثانيهما طور أرذل العمر، وسوف نخصص الفصل الحالي للطور الأول، أما الطور الثاني فموضوعه الفصل القادم، ونعرض فيما يلي التغيرات التي تطرأ على الراشدين؛ بحيث تدخلهم في هذه المرحلة الختامية من حياة الإنسان.
التغيرات الجسمية:
يجب أن ننبه منذ البداية أن الفرد لا ينتقل مباشرة إلى الشيخوخة ببلوغه سن الستين أو الخامسة والستين "سن التقاعد الرسمي"؛ فالشيخوخة عملية تدريجية تحدث فيها التغيرات ببطء، ولعل أهم ما يتسم به هذا الطور بصفة عامة بدء تحول النمو الإنساني في الاتجاه العكسي، فبينما كان النمو في المراحل السابقة يتجه نحو التحسن والترقي والتنمية بمعدلات مختلفة، فإنه مع بدء الشيخوخة يبدأ التدهور بمعدلات بطيئة في البداية، ثم يتسارع هذا المعدل تدريجيًّا حتى يصل إلى أقصاه في طور أرذل العمر.
وأوضح علامات هذا التدهور تكون في مظهر الجسم ونشاطه، وقد عَبَّرَ القرآن الكريم عن ذلك بوضوح عند الإشارة إلى دعاء نبي الله زكريا لربه، وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى:
{قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} [مريم: 4] .
ولعل أهم علامات الشيخوخة ما يطرأ على المظهر الجسمي الخارجي من تغيرات، فحالما يدرك الراشد تحول شعره إلى اللون الرمادي "استعدادًا للشيب"، أو إلى الأبيض "الشيب الفعلي"، وظهور بعض التجاعيد في الجبهة وحول العين، والشعور بجفاف الجلد وتغضنه، يشعر أنه هذا الطور الجديد. صحيح أن
بعض هذه التغيرات قد يبدأ في الظهور في طور منتصف العمر، وربما قبله، إلّا أنها تكون حينئذ بطيئة، وقد يدفع النشاط والحيوية اللذان من سمات هذه المراحل الإنسان إلى عدم الاهتمام بها، إلّا أنها تتراكم تدريجيًّا بحيث تصل مع الشيخوخة إلى الحد الذي لا تخطئه عين، وتقدم "المرآة" دليلًا قاطعًا وحاسمًا على أن المرء تجاوز عمر "القوة"، وبدأ ضعف المشيب.
ولعل أكثر التغيرات وضوحًا في المظهر الجسمي والذي يزداد ظهورًا مع التقدم في سنوات الشيخوخة انحناء القامة على نحوٍ يبدو لنا كما أن هناك نقصًا في الطول، وهذه الخاصية التي تظهر في صورة تقوّس الظهر، وسقوط الرأس إلى الأمام، وانثناء الأطراف الدنيا، والأرداف ربما تعود إلى سنوات سابقة تعرض القوام فيها بالفعل للتشويه، ثم يزداد الأمر سوءًا مع طور الشيخوخة بسبب ضعف العضلات وأوتار هذه العضلات "التي تربط بين العضلة والعظم"، والتكلس المتزايد في أربطة العظام، وضمور فقرات العمود الفقري، وزيادة نحافة العظام ورقتها، وهو ما أشار إليه القرآن الكريم في الآية السابقة بوهن العظام، وقد يؤدي العامل الأخير إلى نقصٍ حقيقيٍّ في الطول، وليس مجرد نقص ظاهريٍّ نتيجة لانحناء القامة.
ويحتل موضوع العضلات والعظام موضعًا خاصًّا في تحديد العلامات الظاهرة للشيخوخة؛ فإذا كان تكوين العظام واللحم "العضلات" مرحلة جوهرية في تكوين الجنين -كما أشار القرآن الكريم وكما أوضحنا في هذا الكتاب عند تناول مرحلة ما قبل الولادة- فإن العظام واللحم "العضلات" أيضًا أول ما يتدهور من بناء الجسم الإنساني.
فمن الخصائص المميزة للعضلات أن خلاياها لا تجدد نفسها -على عكس الجلد مثلًا، ويرتبط التقدم في السن أساسًا بضمور خلايا العضلات وموتها، ويبدو أن أكبر زيادة في كثافة العضلات تكون عند مطلع طور بلوغ الأشد "39-50 سنة"، ثم تبدأ تدريجيًّا في الضمور مع نقص بطيء في ألياف العضلات، سواء من حيث العدد أو السمك، ومع زيادة الأنسجة الدهنية مع التقدم في السن، فإن نسبة أقل من وزن الجسم تصبح حينئذ من العضلات، أما النسبة الأكبر فتكون للدهون، بل إن هذه الدهون التي كانت في مراحل العمر المبكرة "حتى منتصف طور بلوغ الأشد" تقع بين الجلد والنسيج العضلي، تصير لدى الأصحاء من المسنين الذين بلغوا الستين أو السبعين من العمر، متغلغلةً داخل العضلات نفسها، وحتى لو كان
وزن المرء في سن الستين مساويًا لوزنه حين كان في الخامسة والعشرين، فإن جسم المسن يحتوي على كمية من الدهون أكبر من جسمه حين كان شابًّا، إلّا أن القاعدة العامة أن المرء في مرحلة الشيخوخة يفقد بعض وزنه بعد أن يكون زاد هذا الوزن زيادة كبيرة في طور بلوغ الأشد، والملاحَظ بصفة عامة أن الرجال ينقص وزنهم بمعدل أسرع من النساء.
وقد حاول الباحثون الإجابة على السؤال الهام وهو: هل يرجع ضمور العضلات في الشيخوخة إلى محض التقدم في السن؟ وقد وجد البعض أن ضمور العضلات يرتبط ارتباطًا وثيقًا بعدم استخدامها، ولهذا ففي رأيهم أن هذا الضمور قد يكون -ولو جزئيًّا على الأقل- نتيجةً حتميةً لنقص النشاط الجسمي عند المسنين، وهو ما يفرضه المجتمع الحديث عليهم، ولهذا تظهر على عضلات المتقدمين في السن تغيرات أخرى؛ أهمها: نقص في كلٍّ من القوة العضلية والمرونة وسرعة الحركة، ومما يدعِّم هذا الفرض أن القوة العضلية والجلد العضلي "قوة الاحتمال" لا يهبطان لدى المسنين الذين يؤدون الأعمال الحركية العنيفة، وفي هذه الأنشطة لم تكن هناك فروق بين الذين تجاوزا الستين من العمر والذين لا يزالون في طور الرشد المبكر. صحيح أن هناك بعض النقص في فعالية العضلات، إلّا أن السؤال الهام الذي لا يزال بدون إجابة حتى الآن هو: كيف -على الرغم من ذلك- تتناقص قوة العضلات لدى المسنين من الأصحاء والنشطين؟
والتغيرات التي تطرأ على العظام تتسم أيضًا بأنها تدريجية بطيئة، مثلها في ذلك مثل التغيرات التي تطرأ على العضلات "اللحم"، ويبدأ نقص كالسيوم العظام ابتداءً من سن الثلاثين، ويزداد معدل النقص تدريجيًّا حتى يصل إلى أعلى درجاته في الشيخوخة، وهو أسرع لدى النساء منه لدى الرجال؛ ففي بعض الدراسات المقارنة بين الجنسين، وُجِدَ أن النساء بين سن 55، 85 يفقدون حوالي 25% من حجم العظام، بينما لا يفقد الرجال إلّا 12% فقط، وعلى الرغم من هذا التدهور فإن الخلايا العظمية تظل لديها القدرة على التئام ما تتعرض له العظام من كسور، على الرغم من أن ذلك يستغرق وقتًا أطول مما كان عليه الحال من قبل.
ومن جوانب الإعجاز النفسي للقرآن الكريم إشارته إلى "وهن العظام" كعلامة بارزة على الشيخوخة، ويتمثل وهن العظام في جانبين؛ أولهما زيادة قابلية العظام في هذه المرحلة للكسر، وهي ما يُسَمَّى طبيًّا "هشاشة العظام" Ostioporis، ولا يزال السبب الجوهري لذلك غامضًا، وهناك عدة أسباب مقترحة منها نقص مستوى هورمون الإستروجين "ربما بسبب ظهوره مبكرًا نسبيًّا لدى النساء".
ونقص التدريب والممارسة، ونقص أنزيم لاكتاز lactase "وهو المسئول عن هضم اللبن"، وعدم القدرة على التكيف مع الطعام ذي الكالسيوم المنخفض، ونقص الكالسيوم في الطعام بصفة عامة، وزيادة إفراز الغدد جارات الدرقية، مع نقص مستوى الكالسيوم في الدم، وتستخدم مع هذه الحالة طرق مختلفة من العلاج باستخدام هورمون الإستروجين والكالسيوم وفيتامين "د" والفلوريد وغيرها، إلّا أنها جميعًا لا تؤدي إلى تحسن.
أما الجانب الآخر لوهن العظام في الشيخوخة فيتمثل في التهاب المفاصل المعروف باسم osteoarthritis، ويبدو أن هذا المرض مرتبط بالضغط الميكانيكي على المفاصل بسبب التغير في التركيب الكيميائي للكولاجين، مما يترتب عليه زيادة الاحتكاك بين نهايات العظام، ويزداد احتمال حدوث هذا المرض مع المفاصل التي تحمل الوزن الأكبر من جسم الإنسان "الركبة مثلًا".
ويتصل بالتغيرات التي تطرأ على العظام ما يحدث للأسنان؛ فعلى الرغم من أنه مع التقدم في السن تصبح الأسنان أكثر مقاومة للتسوس، إلّا أن المسنين يفقدون أسنانهم نتيجة النقص التدريجي في عدد خلاياها الذي يصل إلى حوالي النصف عند بلوغ السبعين، ومع أن عدد الألياف في الأسنان يزداد، فإن عدد الأوعية الدموية فيها يتناقص، أضف إلى ذلك شيوع التهابات اللثة التي تُسَمَّى perio dontal disease، والتي تؤثر على الأنسجة المحيطة بالأسنان على نحوٍ يسمح باختراق البكتريا لها وإضعافها ثم سقوطها، وتوجد صلة بين هذا المرض ومرحلة قابلية العظام للكسر الذي أشرنا إليه، حتى أن الأطباء الذين يشخصون وجود أحدهما يكتشفون عادةً وجود الآخر.
وتجب الإشارة هنا إلى أن بياض الشعر هو أكثر العلامات استخدامًا للدلالة على الدخول في العمر الثالث للإنسان، وقد اعتمد عليه الإنسان منذ أقدم العصور، وقد دَعَّمَ العلم الحديث ذلك؛ ففي دراسة قام بها دامون وزملاؤه Damon et al "في Perlumetter & Hall،1985" وجدوا أن بين 50 مقياسًا جسميًّا للشيخوخة، يُعَدُّ مؤشر بياض الشعر الأكثر دقةً وثباتًا كمؤشر على هذه المرحلة، وفي هذا دليل جديد على الإعجاز السيكلولوجي للقرآن الكريم، الذي أشار إلى العمر الثالث للإنسان بأنه "ضعف وشيبة"، ثم استخدم "اشتعال الرأس شيبًا" كمؤشر على هذا العمر.
وبالطبع فإن الوراثة تلعب دورًا هامًّا في معدل شيب الشعر حين يحل الشعر
الرمادي أو الأبيض محل اللون الطبيعي للشعر؛ فالبعض تظهر عنده بوادر ذلك في مرحلة المراهقة، والبعض لا تظهر هذه البوادر عنده إلّا عند بلوغ الستين، وربما بعد ذلك، وبصفة عامةٍ يمكن القول أن التحول في لون الشعر قد يرجع إلى نقص إنزيم معين، أو إلى نقص وسوء نشاط الخلايا المنتجة للصبغيات في حويصلات الشعر.
ومع الشيخوخة لا يتحول لون الشعر فقط، وإنما قد يسقط أحيانًا، وعلى الرغم من أن صلع الرأس قد يظهر في مراحل عمرية مبكرة، إلّا أنه أكثر شيوعًا في طور الشيخوخة. وبصفة عامة فإنَّ كثافة حويصلات شعر الرأس، عند كلٍّ من النساء والرجال، تخف ابتداءً من سن الخمسين من 615 إلى 485 حويصلة في السنتيمتر المربع الواحد، كما يسقط أيضًا -مع الشيخوخة- من أجزاء الجسم الأخرى، وخاصةً تحت الإبط، ويكون ذلك -عند المرأة الخاصة- ناتجًا عن انخفاض مستويات بعض الهرمونات في الجسم.
وتُعَدُّ شيخوخة الجلد أكثر إيلامًا -لدى المرأة الخاصة- من شيخوخة الشعر، فمن السهل صباغة الشعر، أما الجلد فمهما استُخْدِمَ معه من أنواع مستحضرات التجميل التي شاعت في وقتنا الحاضر، فإن ذلك لن يخفي تمامًا آثار الزمن "التجاعيد والغضون".
ومن الخصائص الأخرى للجلد عند التحول إلى الشيخوخة ظهور بقع سوداء عليه، وهي من أعراض الشيخوخة الثانوية، ومعها يزيد إنتاج صبغي اللون الأسود والمسمى ميلانين melanin، ويضاف إلى ذلك أن أشعة الشمس فوق البنفسجية تؤثر في إنتاج الخلايا لمركب DNA، وفي التركيب البروتيني للجلد، ويؤدي ذلك إلى عدم تجديد الجلد، ولذلك يتحول الجلد مع الشيخوخة إلى النحافة والجفاف والتجعد، وقد يزداد ذلك وضوحًا، بل قد يصاب الجلد بالسرطان، مع التعرّض الشديد للشمس، ويكون هذا الخطر أشد على البشرة البيضاء، إلّا أننا يجب أن ننبه إلى أن بعض هذه التجعيدات -وخاصة في جلد الوجه- قد تحدث عن محض استخدام عضلات الوجه، ولهذا فهي تحدث في اتجاه دفع العضلة في الجلد، وأشهرها الغضون حول العين وفي الجبهة، وغيرها مما يرتبط بتغيرات الوجه التي يتعوّدها الشخص.
وهذه الصورة التي وصفناها للعلامات الخارجية للشيخوخة كثيرًا ما عبَّر عنها بالرسم الفنانون التشكيليون، ولم يؤد الفن وحده إلى إشاعة هذه "الصور النمطية" للشيخوخة، ولكن أسهم فيها أيضًا الأدب، وتفيض ميادين الشعر