الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب السادس: المرحلة الثالثة في حياة الإنسان"ضعف المسنين
"
الفصل التاسع عشر: حدود المرحلة الثالثة في حياة الإنسان
الشيخوخة في اللغة والثقافة:
يُطْلَقُ مصطلح العمر الثالث للإنسان أو المرحلة الثالثة في حياة الإنسان في هذا الكتاب على مرحلة "الضعف الثاني" بعد مرحلة الرشد أو القوة، كما يحددها القرآن الكريم بقوله تعالى:{ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً} "الروم: 54".
وتُوجَد في تراث علم النفس المعاصر تسميات كثيرة لهذه المرحلة، فهي الرشد المتأخر late adulthood أو الإعمار aging أو التقدُّم في السن elderly أو الشيخوخة senescence أو ما بعد النضج post-maturity، أما اللغة العربية فهي حافلة بألفاظ كثيرة تدور معانيها حول هذه المرحلة وخصائصها، وقد أمكننا أن نحصر أربع عشرة كلمة تدور حول حدود هذه المرحلة وهي:
1-
الكبير وهوالطاعن في السن.
2-
الشيخ وهو الذي استبانت فيه السن، ويقال أنه من بلغ الخمسين حتى آخر العمر أو إلى الثمانين.
3-
المخلد وهو الذي أسنّ ولم يشب.
4-
المسنّ وهو الذي ارتفع عن المخلد.
5-
النهشل وهو المسن، وفيه بقية ولم يذهب بعد كل شبابه.
6-
الخنشل وهو المسن القوي.
7-
القحم "القحوم" وهو الذي ارتفع عن السن، وقيل: هو الكبير السن جدًّا، وقيل: هو الشيخ العجوز الخرفان.
8-
القحر وهو الذي أسنَّ وفيه جلد "الأنثى قحرة".
9-
الهرم وهو الشيخ الفاني "والأنثى هرمة".
10-
الهم: وهو الشيخ الفاني "الجمع أهمام والأنثى همة".
11-
الهم: وهو الفاني الهرم.
12-
الدردبيس: وهو الشيخ، وتستخدم الكلمة خاصةً للإشارة إلى العجوز الفانية.
13-
العاتي: وهو السن الكبير، ويقال: الشيخ عتي على وزن فعول.
وتوجد طائفة أخرى من الكلمات العربية تدور حول خصائص هذه المرحلة من النواحي الجسمية والعقلية نذكر منها:
1-
المقلحم: وهو الذي تضعضع لحمه.
2-
الدالف: وهو الماشي مشي المقيد، وفوق الدبيب، وأدلفه الكبر، أي: جعله يدلف.
3-
الرضمان: وهو من ثقل عدوه.
4-
العشمة: هو الرجل الذي ضمر وانحنى.
5-
المقشب: وهو اليابس من الكبر.
6-
الماج: وهو الذي لا يستطيع أن يمسك ريقه من الكبر.
7-
الهرشف: وهو الكبير المهزول.
8-
الخرف: وهو الشيخ إذا فشل عقله لكبره.
9-
المفند "بتفح النون وبتشديدها": وهو الشيخ الذي كثر كلامه من الخرف، والفند هو الخرف وإنكار العقل لهرم أو مرض.
10-
النعثل: وهو الشيخ الأحمق.
11-
الهبل: وهو المضطرب من الكبر.
12-
المكوهد: وهو المرعش من الكبر والضعف.
13-
العنجل: وهو الشيخ الذي انحسر لحمًا وبدت عظامه.
14-
الدحمل: وهو الشيخ الناحل المتجعد الجلد.
15-
القعضم: وهو المسن الذاهب الأسنان.
16-
المقوس: وهو الشيخ المنحني الظهر.
17-
الروق: وهو من طال به العمر حتى سقطت أسنانه.
ولعل المتأمل في قائمتي الألفاظ السابقة يكتشف أنها جميعًا تدل على أن هذه المرحلة من النموِّ تتسم بالتدهور والهبوط والضعف الذي يحدث في جميع جوانب
حياة الإنسان، وهي مرحلة يشترك فيها الإنسان مع الحيوان؛ فالتغيرات التي تطرأ على جلد الإنسان وشعره وقامته وقوة عضلاته ونشاطه وكفاءته في الاستجابة، نكاد نَجِدُ ما يناظرها عند الحيوان عندما يدخل في طور الشيخوخة، ومع ذلك فإن هذا المرحلة في حياة الإنسان تتسم بالدينامية والتفاعل كغيرها من مراحل حياته، وتمر بتحديات التكيُّف ومشكلات التوافق التي تحتاج إلى المعالجة، حتى يمكن للمرء أن يستمر في حياته.
هي هذه حقائق الحياة فعلًا وحقًّا، وكان بالطبع يمكن تقبُّلها على أنها تغيرات طبيعية، وعندئذ لا تكون لها آثار تذكر على توافق الإنسان، إلّا أن ما يحدث في الأغلب أن معظم الثقافات الإنسانية تركِّزُ على أهمية الشباب والرشد، أما ما يتردد فيها عن الشيخوخة والتقدُّمِ في السن فهي أفكار نمطية تتسم بأنها سلبية في جوهرها. ولعل أوضح الأدلة على ذلك ما يفيض به الفولكلور الثقافي من إشاراتٍ غير محبذة لهذا العمر الإنساني، وأكثر الأمثلة وضوحًا في هذا السياق الأمثال الشعبية، صحيحٌ أن فيها بعض إشارات موجبة عن الشيخوخة والشيبة وسواهما، إلّا أن الطابع الغالب عليها عامَّةً هو الطابع السلبي، ويبدو لنا أن انطباعاتنا عن الشيخوخة تعتمد على خبراتٍ تعوزها القيم الموجبة، وعلى معلومات غير دقيقة حول طبيعة الأفراد وخصائصهم في هذه الفترة من دورة الحياة.
وتوجد مجموعة من الأفكار النمطية حول هذه المرحلة: فالمسنون مرضى فقراء غير مهمين، غير أصحاء، وغير ودودين، وحزانى ومساكين، وتوجد مصادر كثيرة لهذه الاتجاهات السلبية نحو المسنين: أحدها ما أشرنا إليه من تراثٍ فولكلوري، فإذا أضفنا إليه التراث الأدبي الذي يقرأه الإنسان عادةً في مراحل الصبا والشباب، والصورة السلبية فيه عن الشيخوخة، والذي يتم به تشكيل الأفكار والمعتقدات والاتجاهات والآراء، فإن ذلك يؤدي إلى تدعيم هذه الصورة السلبية، ناهيك عن الدور الحاسم الذي تقوم به وسائل الثقافة والإعلام الحديثة "وخاصة السينما والتليفزيون"، ودور الإعلانات في عصرنا الحاضر، والتي تركز جميعًا على الشباب، بل هي موجهة في جوهرها للشباب.
وقد يكون أكثر العوامل قوةً نقص الخبرات الموجبة مع المسنين، وخاصةً في مرحلة الطفولة، وتؤكد بعض الدراسات الحديثة أنه حين يقضي الطفل بعض الوقت في تعاملٍ مباشرٍ مع المسنين، تتحول انطباعات الأطفال من السلبية إلى الإيجابية، ولعل هذا يدعونا إلى التحسُّرِ على العصر النبيل الذي انقضى حين كان الجد والحفيد يتفاعلان معًا تحت سقفٍ واحدٍ.