الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
زوجها، وما يخص طوْرَ منتصف العمر من مشكلات التَّرَمُّلِ أن المرأة -أو الرجل- قد يفقد شريك الحياة، بينما الأصدقاء الآخرون يعيشون حياةً زوجيةً عادية، ولهذا قد تتغير العلاقات الاجتماعية بالأصدقاء؛ فالأرمل آخر من يدعى -وقد تُنْسَى دعوته- في المناسبات الاجتماعية، في الوقت الذي يصعب عليه في هذا السن هجر الحياة كما يحدث بالفعل لمن هو في مرحلة الشيخوخة، والسبب في ذلك أن الشخص في طور منتصف العمر لا يزال يمارس حياته المهنية والاجتماعية المعتادة، ولهذا فإن التَّرَمُّلَ في طور منتصف العمر خبرة شديدة الإيلام، وخاصة مع ما يصاحبها من شعورٍ قاسٍ بالوحدة، وشعورٍ قويٍّ بالاغتراب.
العزوبية: أما المظهر الأخير للوحدة الزواجية في هذا الطور فهو العزوبية Singlehood، فهناك نسبة من الأشخاص الذين يبلغون منتصف العمر دون أن يتزوجوا أبدًا، وللأسف فإنه لا تتوافر لدينا بحوث كافية عن هذه الفئة ومشكلات التوافق التي تعاني منها، ولعل أكثر مشكلات هذه المجموعة حِدَّةً أن عليهم تقبُّل هويتهم الاجتماعية كعزاب، والتي تحمل بعض السمات المميزة، وعليهم أن يخططوا لشيخوخة محرومة من أيِّ دعمٍ اجتماعيٍّ أو وجدانيٍّ، وهم أقل حمايةً ضد المرض والفقر، ومن ذلك مثلًا أنهم حين يتعرضون لأي اضطراب نفسيٍّ أو خلل صحي، فالأكثر شيوعًا أن يودعوا في المؤسسات على عكس المتزوجين منهم، الذين عادةً ما يلقون الرعاية في نطاق الأسرة "الزوجة والأبناء".
النمو المهني:
تتوافر للمرء في مرحلة منتصف العمر فرصة جديدة ليصبح منتجًا في عمله، والإنتاجية في هذا الطور تعني إنتاج السلع والأفكار والخطط السياسيات، والتي تصدر عن الراشدين الكبار بمعدلٍ أكثر ارتفاعًا مما كان عليه الحال من قبل، كما أن إنتاجيتهم قد تعني نقل ما يعرفونه للآخرين -الذين يكونون عادةً أصغر سنًّا- وخاصة وأن فرصة الراشد في منتصف العمر تكون أكبر لاحتلاله موقعًا قياديًّا في عمله، وهو يفعل في عمله -ما يفعله كوالد في أسرته- حين يوفر للأجيال الجديدة ما يرثونه عنه، فإذا لم يوفَّق الراشد في هذا الطور من عمره من تحقيق ذلك، يشعر بالعقم أو الجمود "بمعناه عند إريكسون"، ويشعر بالاغتراب عن كلِّ ما أنتجه وما خلفه وراءه.
ويرى هافيجهرست "Wolman 1982" أن إحدى مهام النموِّ الهامة في هذا الطور الوصول إلى دور مهني مرن، يبدو مثيرًا ومنتجًا ومرضيًا من الوجهة المالية والاجتماعية، ويتفق معه في ذلك ليفنسون وزملاؤه الذين لاحظوا أن مرحلة
منتصف العمر هي فترة تقييم الذات حول النموِّ المهني؛ حيث الأهداف الماضية يُعَادُ النظر فيها في ضوء الإنجازات الراهنة، والأشخاص الذين ينجزون -أو يظنون أنهم أنجزوا- أهدافًا مهنية محددة في الماضي، يشعرون بالرضا عن أنفسهم، ويكونون صورة موجبة للذات، وعلى العكس من ذلك، فإن اعتراف الشخص بأنه لم يحرز في هذا الطور مستوًى مهنيًّا مناسبًا "رئيس قسم، رئيس عمال، مدير مصلحة، إلخ" يقوده ذلك إلى إعادة تقييم أهداف حياته، وغالبًا ما يعيد تقييم ذاته، والأشخاص الذين يجدون صعوبةً في إعادة التوافق بين أهدافهم المهنية ومطامحهم فيها، وبين حقائق مواقف الحياة الخاصة بهم، قد يشعرون بالإحباط، بالإضافة إلى الشعور بالعقم والجمود.
وعمومًا فإنه خلال الرشد الأول يحرز معظم الرجال والنساء أعلى مكانة ودخل في حياتهم المهنية، ومع ذلك فإنهم يظهرون فروقًا واضحة في التقدم في المكانة والدخل مع زيادة العمر، وترجع هذه الفروق إلى درجة الالتزام بالعمل والميل للنجاح، ومقدار دافع الإنجاز، بالإضافة إلى بعض سمات الشخصية التي تميِّز الأكثر نجاحًا، وخاصةً سمة السيطرة والقيادة، ومن الطريف أنه لا توجد فروقٌ بين المجموعتين في درجة الرضا عن الحياة، على الرغم من اختلاف مواضع كلٍّ منهما في السُّلَّمِ المهنيّ، وقد أكدت البحوث أن بعض متغيرات الشخصية في المراهقة يمكن أن تتنبأ بالنجاح المهنيّ بعد ذلك "في طور الرشد الأوسط"، ويشمل ذلك الإمكانات والقدرات العقلية، والميول من ناحية، وعوامل أخرى مثل: الطموح والإنتاجية والاستقلال والموضوعية والتسامح مع المواقف الغامضة، والمرونة، وخاصةً مرونة الأدوار من ناحيةٍ أخرى.
ومع ذلك فعلينا أن ندرك الحقائق المفجعة في العالم الذي نعيش فيه، فليس بالكفاءة وحدها يتقدم الإنسان، فلا يزال للوساطة والمحسوبية والنفاق وانتهاز الفرص دورها في تحديد من يحصل على مفاتيح النجاح، وبها قد يحقق النموّ المهني أو الترقي الوظيفي، وبدونها قد يفقد كل ذلك.
ومن المتغيرات الهامة المرتبطة بالنموّ المهني في هذه المرحلة ما يتصل بطبيعة المجتمع الحديث، وما يتسم به من سرعةٍِ في التغيُّر على نحوٍ يجعل الشخص في منتصف العمر يجد أن المهارات التي تعلمها في فترة مبكرة من حياته المهنية لم تعد مفيدة أو فعَّالة، كما كان حالها من قبل؛ فالتقدم التكنولوجي غَيَّرَ تغييرًا جذريًّا عالم العمل بالنسبة للجميع "أصحاب الياقات البيضاء وأصحاب
الياقات الزرقاء جميعًا"، ومن ذلك مثلًا أن الآلة الكاتبة اليدوية تنقرض، وحلَّت محلها بشكلٍ متزايدٍ الآلات الكاتبة الكهربائية والإلكترونية، والتي هي في سبيلها لتخلي الطريق لآلات تجهيز الكلمات بالحاسوب "الكومبيوتر"، وتوجد تغيرات مناظرة تحدث تقريبًا في كل مجالٍ من مجالات الحياة المهنية، وفي مواجهة هذه المفاجآت يجد العاملون أنفسهم -وخاصة في منتصف العمر- أنهم في حاجةٍ إلى إعادة التعلُّم وإعادة التدريب، وتنفق المؤسسات الكثير سنويًّا على برامج التدريب والتنمية المهنية، وهذا الموضوع سنتناوله بالتفصيل في الفصل التالي.
ويبقى مظهر هامٌّ وأخيرٌ من مظاهر الحياة المهنية في مرحلة وسط العمر، وهو أنه مع اقتراب المرء من التقاعد وبلوغ سن المعاش يبدأ في سؤال نفسه "ماذا سوف أفعل بوقتي؟ وتظهر قيمة هذا السؤال إذا علمنا أن معظم الناس في هذا الطور لديهم فرصٌ أكبر لممارسة أنشطة وقت الفراغ، وخاصةً بعد ترك الأبناء المنزل واستقلالهم، ولهذا فإن من أهم أهداف طور الرشد الأوسط إحداث التكامل بين العمل والأسرة ووقت الفراغ، إلّا أن مما يُؤْسَفُ له أن وقت الفراغِ لا يمثِّلُ مكانةً عاليةً في سُلَّمِ القيمِ عند الإنسان في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، بل إننا كثيرًا ما ننظر بشيء من الشك نحو أولئك الذين يبذلون بعض الوقت في الهويات أو الألعاب الرياضية أو النشاط الاجتماعي التطوعي، على الرغم من أن أنشطة وقت الفراغ قد تساعد الإنسان على تخطي صراع الأدوار في مراحل عمره المختلفة، وعلى إشباع حاجاته بطرقٍ لا توفرها لها جوانب الحياة الأخرى -وخاصة في العمل.
وتختلف طبيعة نشاط الفراغ مع دخول المرء مرحلة منتصف العمر؛ فبينما كان معظم هذا الوقت خلال الرشد المبكر ينفق مع الأسرة، نجد معظمه بعد استقلال الأبناء ينفق على الأنشطة الشخصية التعبيرية، وتزداد أهمية مسألة وقت الفراغ مع بدء التخطيط للتقاعد، وقد وجد الباحثون أن أولئك الذين لديهم أنشطة غير مهنية لا يشعرون بأزمة التقاعد، أما أولئك الذين "يعيشون للعمل" وحده، فإنهم يتعرضون لصدمة التقاعد حقًّا، ومرة أخرى تفيد أنشطة وقت الفراغ في أن يتعامل المرء مع التغير في الدور؛ من شخصٍ عاملٍ إلى شخصٍ غير عامل، وهو أحد معالم العمر الثالث للإنسان.