الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سابعًا: ظهور علم نفس النمو الحديث
مع اقتراب القرن التاسع عشر من نهايته، بدأ في التشكيل مجال للدراسة العلمية جوهر اهتمامه هو النمو الإنساني، ولأول مرة نجد أشخاصًا ليسوا في الأصل من الفلاسفة أو الفسيولوجيين أو البيولوجيين يكرسون جهودهم لملاحظة الإنسان وجمع البيانات لبناء هذا العلم الجديد، وعلى الرغم من أنه من الصعب أن نختار تاريخًا بذاته يحدد نشأة النمو الإنساني كعلم، فإننا نرى أن فترة نصف القرن التي تمتد بين ثمانينات القرن التاسع عشر "1880 وما بعدها" وعشرينات القرن العشرين "1920-1952"، هي الفترة التكوينية لهذا العلم، وهي في نفس الوقت فترة الخصوبة العلمية للعالِمِ الأمريكي العظيم ج. ستانلي هول "1844-1924" الذي يعد المؤسس الشرعي لهذا العلم.
لقد تنبيه ستانلي هول إلى نقائص سير الأطفال المعتمدة على دراسة طفل واحد، فاتجه إلى جمع بيانات أكثر موضوعية من عينات كبيرة من الأطفال، وتركز اهتمامه خاصة على طبيعة تفكير الطفل، واستعان على دراستها بالطريقة التي ابتكرها جالتون وهي الاستخبار "أو الاستبيان"، وحاول توظيفها في مجال اكتشاف محتوى عقول الأطفال، على حد تعبيره، ونشر أول دراسة له حول الموضوع عام 1891 S. Hall، ولعل أهم ما لفت نظره أن فهم الأطفال للعالم المحيط بهم يتزايد بسرعة فائقة خلال مرحلة الطفولة المبكرة، كما اكتشف أيضًا أن طريقة الطفل في الاستدلال تبتعد كثيرًا عن القواعد التي يحددها المنطق الصوري، وكانت هذه الدراسة أول بحث علمي في التاريخ يلتزم بأصول وقواعد منهج البحث، يجري على نطاق واسع ويشمل عينة كبيرة من الأطفال النامين، وربما لهذه الزيادة العلمية يستحق ج. ستانلي هول، فضل أن يكون مؤسس علم نفس النمو الحديث.
وفي عام 1904 ثم في عام 1905 نشر له كتابه الشهير عن المراهقة في مجلدين "S. Hall، 1904، 1905"، ويعود الفضل إلى ستانلي هول في ابتكار مصطلح المراهقة Adolscence للعبير عن هذه المرحلة الهامة في النمو الإنساني.
وكانت لستانلي هول إنجازاته الأخرى التي تدعم له مكانته في الريادة، لقد كان أول أمريكي يحصل على درجة الدكتوراه في علم النفس عام 1878 بعد دراسته في جامعة هارفارد على يد الفيلسوف والمربي العظيم وليم جيمس "لاحظ أنها قبل إنشاء معمل فوندت في ليبزج عام 1879"، وله شهرته في إنشاء الجمعية الأمريكية لعلم النفس "أشهر الجمعيات السيكولوجية في العالم"، وفي إصدار وتحرير عدد من المجلات العلمية السيكولوجية، لعل أهمها مجلة علم النفس النشوئي journal of Genetic Psychology التي لا تزال تصدر حتى الآن، والتي اهتمت على مدى القرن العشرين ببحوث النمو الإنساني، بالإضافة إلى تدريب عدد كبير من علماء نفس النمو، ونشر الكثير حول جوانب النمو الإنساني خلال مراحل الطفولة والمراهقة والشيخوخة.
وعلى الرغم من هذه الإنجازات الكبيرة فإن أثر ستانلي هول هبط بسرعة بعد وفاته، ولعل من أسباب ذلك اتساع نطاق اهتماماته، والتي لم تسمح له بتناول أيّ موضوع على نحو أكثر عمقًا من التحليل العام السطيح. ولهذا لم يقدم
نموذجًا نظريًّا واضحًا للنمو الإنساني، كما يلاحظ على كتاباته أنها لم تتسم بدرجة كافية من الدقة بحيث تسمح بالتعرف على فروض قابلة للاختبار، وعلى الرغم من أنه ركَّزَ على قيمة الملاحظة غير المتحيزة والبحث التطبيقي والأسس البيولوجية للسلوك، إلّا أنه تحيز في بعض كتاباته عند تناول المسائل الخلافية، ومن ذلك: المبالغة في تأكيد دور الفطرة على حساب الخبرة؛ فالنضج عنده -وهو نتاج الوراثة- هو الأكثر مسئولية في التأثير على مسار النمو الإنساني، وربط في سبيل ذلك بين البيولوجيا التطورية عند داروين، والفلسفة الطبيعية عند روسو.
وشاعت في كتاباته العبارة الشهيرة "النمو الفردي هو تكرار ملخص للتطور البشري" وهي فكرة دحضتها البحوث الحديثة في النمو، ومن أفكاره الأخرى التي لم تعد مقبولة في علم النفس الحديث افتراضه أن المراهقة هي سلسلة حتمية في كل الأحوال من الصراعات الانفعالية، تصل إلى حدِّ وصفها بأنها مرحلة "العواصف والشداد" storm and stress، وهو افتراض أكدت الدراسات الثقافية المقارنة أنه حالة خاصة للمراهق في المجتمع الغربي الصناعي الحديث.
ومع ذلك، فإن فضل ستانلي هول أنه ارتاد الميدان، ولعله في ذلك لا يختلف عن ولهلهم فلوندت، منشيء علم النفس التجريبي الحديث، لقد كان الإنجاز العملي التطبيقي لكلٍّ منهما يفوق كثيرًا إبداعه السيكولوجي.