الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الجسم؛ فالخلل في جهاز مناعة الجسم، ويشمل ذلك التحكم في الإصابة بالأمراض المعدية، يُعَدُّ مسئولًا، ولو بدرجة جزئية عن الشيخوخة؛ فمع التقدم في السن يضعف جهاز المناعة العادي، ويؤدي ذلك إلى زيادة احتمال الإصابة بالأمراض التي تؤثر في أنسجة الجسم؛ فمع هذا الضعف المناعي يصبح الجسم أكثر عرضة لأثر الفيروسات والبكتريا والفطريات، كما يزداد تعرض الخلايا لظهور الأورام السرطانية الخبيثة، وقد يتحول نظام المناعة إلى جهاز يدمر خلايا الجسم نفسها، وهذا ما يُسَمَّى استجابات المناعة المستقلة autoimmune responses، بينما لا يستطيع مقاومة العناصر الدخيلة المدمرة للجسم الإنساني، إلّا أن ما يجب أن ننبه إليه أن هذا الاتجاه -كغيرة من الاتجاهات- لا يفسِّر حدوث الشيخوخة العادية بقدر ما يفسر حدوث المرض في مرحلة التقدم في السن.
ثانيًا: النظريات النفسية الاجتماعية:
بينما حاولت النظريات البيولوجية تناوُل الأساس المادي للشيخوخة، تحاول النظريات النفسية الاجتماعية أن تتناول الأسس السلوكية لهذه العمليات وما يترتب عليها من نتائج، ولعلنا نذكر أن الهدف من النظرية السيكولوجية في النموِّ الإنساني ليس الربط بين العمر والسلوك، بقدر ما هو الربط بين السلوك ومجموعة من الأهداف التي تحتاج لبعض الوقت لكي تحدث، وعلى ذلك فإن الشيخوخة في هذا السياق لها بعض الارتباط بالعمر، ولكنها ليست ناجمة عنه؛ فالعمر في ذاته -كما قلنا من قبل- لا يتسبب في حدوث أيّ شيء. والوظائف النمائية -كما يطلق أحيانًا على أنماط السلوك المرتبطة بالعمر- لا تتعدى مجرد وصف العلاقة بين العمر والتغيرات في أنماط معينة من السلوك -تحدث مع نمو الفرد وتوجهه نحو اكتمال النضج "الرشد" أوالتدهور "الشيخوخة"؛ والوظائف النمائية بحكم طبيعتها تشير إلى علاقات بسيطة بين الزمن وسلوك الإنسان، لا إلى علاقات مركبة. وعلى ذلك، فإن النظرية النفسية الاجتماعية للشيخوخة لها حدودها في قدرتها على وصف أنماطٍ نموذجية من السلوك المرتبط بالعمر ،مَادَامَ الأفراد الذين ندرسهم لا يتطابق سلوكهم تمام المطابقة مع الفئات السلوكية العامة التي تقترحها النظرية.
والنظرية النفسية الاجتماعية شأنها شأن النظريات البيولوجية لها وظيفة توصيفية، فهي تحاول تحديد أنماط السلوك المرتبطة بما يمكن أن نسمية "الشيخوخة الناجحة أو المتوافقة"، وكذلك طول العمر أو الإعمار، وفي كثير من الحالات يشار إلى الشيخوخة الناجحة كميًّا في ضوء عدد السنوات التي يعيشها
المعمر، وليس كيفيًّا في ضوء نوعية الحياة التي عاشها. وفي حدود هذا التمييز الجوهري يجب علينا دائمًا أن نعيد قراءة التراث النفسي والاجتماعي للبحوث التي أجريت حول هذا الموضوع الهام، فليس كلُّ من طال عمره كميًّا عاش حياة خصيبة مجدية بالفعل.
وقد تكون الصعوبات السابقة وراء عدم وجود نظرية نفسية اجتماعية متكاملة للشيخوخة حتى الآن، وبالطبع فإن المهام الرئيسية لمثل هذه النظرية، مثلها في ذلك مثل النظرية البيولوجية هي:
1-
تحديد درجة وطبيعة العوامل النفسية الاجتماعية التي ترتبط بالتغيرات التي تحدث خلال سنوات الرشد الإنساني، وتقود الإنسان إلى شيخوخته.
2-
تحديد مقدار نجاح أو فشل القوى المسئولة عن هذه التغيرات في مراحل العمر المختلفة من دورة حياة الإنسان، وأثر ذلك على المستوى التوافقي للفرد، وبخاصةٍ في شيخوخته.
3-
تحديد المدى الذي يحدثه إنجاز بعض المهام الخاصة بمرحلة عمرية معينة -كالشيخوخة- في تعويض الإحباط الناجم عن الفشل في إحراز مهام أخرى.
وقد اقتُرِحَتْ نماذج نفسية اجتماعية عديدة لمحاولة تحقيق هذه المهام في مرحلة الشيخوخة، وتفاوتت في درجات نجاحها، ولعل أهمها نموذجان؛ هما: نموذج التحرر من الالتزامات disengagimint، ونموذج النشاط Activity، وهما النموذجان اللذان نعرضهما فيما يلي، أما النماذج الأخرى الأكثر عمومية مثل نموذج إريكسون ولوينثال، فسوف نتناول ما يتصل بالشيخوخة فيهما في الفصول التالية.
1-
نموذج التحرر من الالتزامات:
ظهر هذا النموذج لأول مرة عام 1961، على يد كامنج وهنري "Cummint & Henry، 1961" كمشروعٍ طموحٍ تعرَّضَ بعد ذلك لكثير من الخلاف والتعديل، وقد حقَّقَ وظيفة النظرية الجيدة في أنه استثار الكثير من البحوث، وفي هذا النموذج يتم التركيز على السلوك الانسحابي من التفاعل الاجتماعي الذي يحدث في مرحلة الشيخوخة باعتباره عملية طبيعية وعامة وحتمية؛ فمع التقدم في السن يبدأ الجسم أولًا عملية التحرر من الالتزام؛ فالعينان والأذنان وغيرهما من أعضاء الحس تصبح أقل قدرة على التعامل مع معلومات العالم الخارجي، وفي نفس الوقت يبدأ المجتمع في البعد عن الشخص المسن، وعلى ذلك فعملية التحرر من اللالتزمات هي عملية انسحاب طبيعي.
وفي هذا النموذج يُعَدُّ الانسحاب خبرة إيجابية لدى المسنين، ولهذا تؤدي الشيخوخة إلى مزيدٍ من التعامل والانشغال بالذات، ونقص في الاستثمار الانفعالي مع الأشخاص الآخرين أو مع الأحداث الخارجية. معنى ذلك أن المسنين يمارسون التحرر من الالتزامات كعمليةٍ طبيعية، وليس كعملية مفروضة عليهم من المجتمع.
2-
نموذج النشاط:
ظهر هذ النموذج في عام 1970 على يد مادوكس "Madox 1970"، كاحتجاج على النموذج السابق، ففي رأيه أن التحرر من الالتزام هو تغيُّر في الشخصية تتم به المراحل المبكرة وليس المراحل المتأخرة من حياة الإنسان، واقترح نموذجًا بديلًا لتفسير سلوك المسنين؛ هو نموذج النشاط؛ فمع التقاعد "وهو أحد المؤشرات الهامة للشيخوخة" يظل الشخص في حاجة إلى أن يظل منتجًا وسعيدًا؛ فالراشدون النشطون أكثر سعادة من الراشدين المنسحبين، بل إن السعادة ترتبط في جوهرها بالاندماج والتكيف، ولهذا فمن الواجب مساعدة المسنين على البحث عن بدائل للأدوار التي بلغت نهايتها إذا أرادوا أن يحققوا لأنفسهم شيخوخة ناجحة.
ويفترض نموذج النشاط على وجه الخصوص، أن على المسنين البحث عن بدائل لأدوار رئيسية أربعة كانت سائدة من قبل حتى نهاية طور الرشد الأوسط "بلوغ الأشد"، وهي: فقدان العمل، ونقص الدخل، وضعف الصحة، والتغير في بنية الأسرة، وإذا أمكن للمسنِّ تعويض هذه الأدوار المفقودة، فإنه يحقق لنفسه تكيفًا ناجحًا في شيخوخته؛ فالشيخوخة هي مرحلة فرص جديدة للأدوار الاجتماعية، وليس مرحلة انسحاب كلي من الحياة الاجتماعية.
والواقع أن نموذج النشاط كنظيره نموذج التحرر من الالتزامات تبسيطٌ مخلٌّ لعملية التقدم في السن، ولا يصلح أحدهما أو كلاهما -حتى الآن- في تفسير ظاهرة التوافق الجيد مع الشيخوخة، والأصح النظر إليها على أنهما يشيران إلى أنماطٍ خاصةٍ من الشيخوخة لا نمطًا محددًا ينطبق على الجميع، ولا يزال الميدان مفتوحًا لمزيد من الاجتهاد الجاد والجهد المبدع، ولعل علماء النفس المسلمين يقتحمون الميدان مزودين بذخيرتهم العظيمة من كنزهم الثمين: كتاب الله الخالد، وسنة نبيه الكريم، وتراث السلف الصالح والتابعين.