الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شفاعة الشافعين، ولا يغني مال يعطى فدية عن العاصين، ولا تنفع صداقة لدى الرؤساء وذوي الثراء، كما كانت تجري في الدنيا نفعًا، وبها تحل كل مهمة هنا انتقل إلى تقرير أصول الدين من توحيد الله وتنزيهه حتى يستشعر العبد، عظيم سلطانه ووجوب الطاعة لأمره، والإذعان لحكمه والوقوف عند حدوده، وبذل المال في سبيله وعدم الركون إلى شفاعة الشافعين، ولا الفدية بمال ولا بنين.
الإيضاح:
{اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} أي الإله الحق الذي يستحق أن يعبد، هو الله الواحد الصمد، ذو الملك والملكوت، الحي الذي لا يموت، القائم بتدبير أمر عباده يكلؤهم ويحفظهم ويرزقهم.
{لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} أي لا يعتريه نوم ولا مقدماته، وإذا كان كذلك، كان قائمًا بتدبير شؤون عباده، في جميع الأوقات آناء الليل وأطراف النهار، وقد جاء النظم الكريم بحسب الترتيب الطبيعي في الوجود، فنفى ما يعرض أولًا وهو السِّنَة، ثم ما يتبعها وهو النوم، أو بعبارة أخرى -هو ترق في نفي النقص عنه، فإن من لا تغلبه السِنَة، قد يغلبه النوم لأنه أقوى، فذكر النوم بعد السِنَة، ترق من نفي الأضعف إلى نفي الأقوى.
والخلاصة- أن هذه الجملة مؤكدة لما قبلها، مقررة لمعنى الحياة والقيومية على أتم وجه، إذ من تأخذه السِنَة والنوم، يكون ضعيف الحياة ضعيف القيام بشؤون نفسه وبشؤون غيره.
{لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} فكل من فيهما وما فيهما ملكه وعبيده، خاضعون لمشيئته وهو المصرف لشؤونهم الحافظ لوجودهم، وهذه الجملة تأكيد ثان لقيوميته، واحتجاج بها على تفرده في الألوهية، لأنه تعالى خلقهما بما فيهما.
{مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} أي من ذا الذي يستطيع من عبيده أن يغير ما مضت به سنته، وقضت به حكمته، وأوعدت به شريعته، من تعذيب ذوي العقائد
الباطلة والأخلاق السافلة، الذين أفسدوا في الأرض وانحرفوا عن جادة الدين، إلا إذا أذن له ربه، ونحو هذا قوله:{يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [هود: 105] وهذا تمثيل لانفراده بالملك والسلطان في ذلك اليوم، وأن أحدًا من عباده لا يجرؤ على الشفاعة أو التكلم بدون إذنه -وإذنه غير معروفٍ لأحد من خلقه- وفي ذلك قطع لأمل الشافعين، والذين يركنون إلى الشفاعة، التي كان يقول بها المشركون وأهل الكتاب.
{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} أي يعلم أمور الدنيا التي خلفوها، وأمور الآخرة التي يستقبلونها، وهذه الجملة مؤكدة لنفي الشفاعة، إذ من كان عالمًا بكل شيء فعله العباد في الماضي، وفيما هو حاضر بين أيديهم، وفيما يستقبلهم، وكان ما يجازيهم به مبنيًا على هذا العلم، كانت الشفاعة على هذا النحو المعروف ممَّا يستحيل عليه تعالى، لأنها لا تتحقق إلا بإعلام الشفيع المشفوع عنده، من أمر المشفوع له وما يستحقه ما لم يكن يعلم، وما ورد من أحاديث الشفاعة، فهو محمول على الدعاء، الذي يفعلُ الله تعالى عقبه ما سبق في علمه الأزلي أنه سيفعله، مع أننا نقطع بأن الشافع لا يغير شيئًا من علمه، ولا يحدث تأثيرًا في إرادته، وبذلك تظهر كرامة الله لعبده، بما أوقع من الفعل عقب دعائه، قاله شيخ الإسلام ابن تيمية.
{وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} أي ان أحدًا من خلقه لا يحيط بما يعلمه إلا إذا شاء ذلك، والشفاعة تتوقف على إذنه تعالى، واذنه لا يعلم إلا بوحي منه، وإنما يعرف إذنه تعالى بما حدده من الأحكام في كتابه، فمن بين أنه مستحق لعقابه فلا يجرؤ أحد أن يدعو له بالنجاة، ومن بين أنه مستحق لرضوانه على هفوات زلَّ بها، لم تحول وجهه عن الله تعالى، إلى الباطل والفساد، ولم تدس روحه حتى تسترسل في الخطايا، فهو واصل إليه على ما وعد به في كتابه، وما تفضل به على عباده.
{وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} أي إن علمه تعالى محيط بما يعلمون مما عبر عنه بقوله {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} ، وبما لا يعلمون من شؤون سائر الكائنات، ويرى جمع من المفسرين منهم القفال والزمخشري، أن الكلام تصوير لعظمته وتمثيل لكبريائه، ولا كرسي ولا قيام ولا قعود، وقد خاطب سبحانه عباده في تعريف ذاته وصفاته، بما اعتادوه في ملوكهم وعظمائهم.
والخلاصة -أن الكرسي شيء يضبط السماوات والأرض، نسلم به بدون بحث في تعيينه، ولا كشف عن حقيقته، ولا كلام فيه بالرأي دون نص عن المعصوم.
{وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا} أي ولا يثقله حفظ هذه العوالم بما فيها، ولا يشق عليه ذلك، وإنما لم يذكر ما فيهما لأن حفظهما مستتبع لحفظه.
{وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيم} أي وهو المتعالي عن الأنداد والأشباه، العظيم على كل شيء سواه، فهو المنزه بعظمته عن الاحتياج إلى من يعلمه بحقيقة أحوالهم ويستنزله عما يريد من مجازاتهم على أعمالهم.
والخلاصة -أن هذه الآية تملأ القلب مهابة من الله وجلاله وكماله، حتى لا تدع موضعًا للشفعاء الذين يعظمهم المغرورون، ويتكلمون على شفاعتهم، فأوقعهم ذلك في ترك المبالاة بالدين، فخويت القلوب من ذكر الله، وخلت من خشيته جهلًا منها بما يجب من معرفته، وأفسدت فطرتهم الأهواء والجهالات، فلا يجدون ما يلهون به إلا كلمة (الشفاعة)، ومن اغتر بها فشيطانه هو الذي يوسوس له ويمده في الغي.
فهذه النفوس لم تعرف عظمة الله، ولم تستشعر بالحياء منه، ولم تحترم دينها وشريعتها، إذ آية ذلك بذل المال والروح في إعلاء كلمته، لا تعظيمه بالقول دون أن يصدق ذلك العمل.
وإنك لترى المسلمين يترنمون بهذه الآيات، وقلما تحدث لأحد منهم ذكرًا يصرفه عن الشفاعات، ويرجو النجاة بعمل الصالحات، وهو مؤمن كما وعد الله