الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يطعن في الصحابة يحمل عليهم حملة ما كنا نرضاها منه، فإذا كان الشيخ يرد بعض الأحاديث لتوهين بعض الحفاظ لها، أو توقفهم فيها فإننا رأيناه قد اخترق حصن إجماع الأمة، لا من حيث رد أحاديث لم تحم حولها من قبل شبهة، وإنما كذلك من حيث نقض هذه القاعدة، وهي كون الصحابة عدولًا، فهو تارة يتهم أبا هريرة وابن عباس بكثرة النقل عن أهل الكتاب من بني إسرائيل، مع أن ابن عباس رضي الله عنهما ثبت عنه النهي عن سؤال أهل الكتاب شيئًا كما ورد في صحيح البخاري وقد تقدم هذا من قبل في الجزء الأول "التفسير اتجاهاته وأساسياته"، كما تقدم قول الشافعي رضي الله عنه، بأنه لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلا نحو مائة حديث. وتارة أخرى يشتط فيختط لنفسه طريقًا عجبًا. إذ يزعم بأن الصحابة رضوان الله عليهم، كانوا ينقلون عن كعب وأضرابه، حتى عن التابعين وينسبونه للرسول صلى الله عليه وسلم، ويرد على كون الصحابة عدولًا، بأنها أغلبية لا مطردة، وهذا من شأنه أن يعري السنة ورجالها من كل ما يجب لهم من قدسية وتقدير، وأن يكون بعد ذلك كسرًا لباب عظيم من أبواب الإسلام، ليلج منه كل حاقد وطامع وطاعن.
جـ - علامات الساعة:
وهناك موضوع جدير بالبحث طرقه الشيخ، أعني به علامات الساعة، ومن الإنصاف أن أقرر هنا أنّ الشيخ رشيدًا، بذل كل جهد ليكون في بحثه هذا موضوعيًا يكتب بتجرد من كل نزعة صابغًا بالصبغة العلمية كل مسألة تناولها، ولقد أسيء فهم كتابته عند بعضهم، كما أعجب بها آخرون، والإنصاف والأمانة العلمية يقضيان علينا ويستلزمان منا أن نتتبع أقواله، فنرى ما فيها من جهد علمي وثغرات وهفوات.
عرض الشيخ رشيد لموضوع علامات الساعة في سورتي الأنعام والأعراف. ولكنه أسهب في هذه الأخيرة، ففي سورة الأنعام عند تفسير قوله تعالى (1) {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا
(1) تفسير المنار جـ 8 ص 210.
يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ} [الأنعام: 158] يقول: (وأقوى الأحاديث الواردة في طلوع الشمس من مغربها، ما رواه البخاري في كتاب الرقاق، عن أبي هريرة أن رسول صلى الله عليه وسلم قال (لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين {لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا
…
} واخرج الترمذي وأحمد وغيرهما عن أبي هريرة أيضًا، وقد رفعه (ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل، طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض) وهو مشكل مخالف للأحاديث الأخرى الواردة في نزول المسيح بعد الدجال وإيمان الناس به، والمشكلات في الأحاديث الواردة في أشراط الساعة كثيرة، أهم أسبابها فيما صحت أسانيده، واضطربت المتون، وتعارضت أو أشكلت من وجوه أخرى، أن هذه الأحاديث رويت بالمعنى، ولم يكن كل الرواة يفهم المراد منها، لأنها في أمور غيبية، فاختلف التعبير باختلاف الأفهام، على أنهم اختلفوا في ترتيب هذه الآيات، ومما استشكل أن علة عدم قبول الإيمان بعد طلوع الشمس من مغربها، لا تنطبق على من رآها أو رويت له بالتواتر
…
هذا. وإن أبا هريرة رضي الله عنه لم يصرح في هذه الأحاديث بالسماع عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيخشى أن يكون قد روى بعضها عن كعب الأحبار وأمثاله فتكون مرسلة).
وإذا كان الشيخ يقف من أبي هريرة رضي الله عنه هذا الموقف، فإنه يتعداه إلى غيره من الصحابة رضوان الله عليهم، فهو يشكك في حديث أبي ذر رضي الله عنه الذي أخرجه البخاري، يقول:(ومن هذه الأحاديث في الباب حديث أبي ذر جندب بن جنادة، الذي يعد متنه من أعظم المتون إشكالًا، فهو يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم سأله: أتدري أين تذهب الشمس إذا غربت؟ قال: قلت لا أدري. قال: إنها تنتهي دون العرش فتخر ساجدة، ثم تقوم حتى يقال لها ارجعي. فيوشك يا أبا ذر أن يقال ارجعي من حيث دخلت، وذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها، لم تكن آمنت من قبل (1).
(1) صحيح البخاري كتاب بدء الخلق باب رقم 4، رقم الحديث 3199.