الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأخذ بأسباب القوة والعز والسيادة العادلة في الدنيا، ونيل السعادة الكبرى في الأخرى. وليس هذا عن العاملين ببعيد، وما هو على الله بعزيز.
رجاء وتفاؤل:
إن المطلع على أحوال الأمم الإسلامية يعلم أنها قد شعرت بالداء، وأحست بالعذاب، وأخذت في العلاج، وإن ذلك، وإن كان يبدو - اليوم - قليلًا، لكنه - بما يحوطه من عناية الله، وما يبذل فيه من جهود المصلحين - سيكون بإذن الله كثيرا.
وعسى أن يكون في ذلك خير لأمم الأرض أجمعين، حقق الله الآمال وسدد الأعمال، بلطف منه وتيسير، إنه نعم المولى ونعم النصير (1).
* * *
4 - الفرقان
المفردات والتراكيب:
(تبارك) مادة (ب ر ك) كلها ترجع إلى معنى الثبوت، منها: بروك الإبل، استناختها، والبركة كالقربة مثل الحوض يثبت فيها الماء. والبراكاء الثبات في الحرب، ومنها البركة بمعنى النماء والزيادة، ولا ينمو ويزيد إلا ما كان ثابت الأصل، وشأن ثابت الأصل أن ينمو ويزيد، فلم تخرج عن معنى الثبوت وتبارك من البركة فمعناه تزايد خيره.
والله تعالى له الكمال، ومنة الإنعام، فتبارك: أي تزايد كماله وإنعامه، فلا تُحصى إنعاماته، ولا تحد كمالاته.
(1) التفسير ص 189 - 197.
وثبوت الكمال ينافي وينفي ضده؛ فيقتضي التنزه عن النقص.
فانتظم اللفظ ثلاثة معاني:
التنزه عن النقص، والاتصاف بالكمال، والإفاضة للإنعام. (فتبارك تقدس وتعاظم) الفعل الأول مفيد للأول والفعل الثاني مفيد للثاني والثالث.
(نزل) مادة (ن ز ل) كلها ترجع إلى معنى الهبوط من عل، والحلول في أسفل.
ونزل المضاعف أبلغ في المعنى من أنزل، وقد يفيد كثرة النزول كما هنا؛ لأنه نزله مفرقًا على نيف وعشرين سنة. وقد يفيد القوة في نزول واحد، كما في قوله تعالى:{لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} [الفرقان: 32]؛ لأن تنزيل أقوى من إنزال التفصيل.
(الفرقان) أصله مصدر فرق بمعنى فصل. وهو أبلغ في الدلالة على المعنى من فرق المصدر المجرد، بما فيه من زيادة الألف والنون، كما كان القرآن أبلغ من القراءة لذلك.
وهو هنا اسم من أسماء هذا الكتاب الكريم.
(نذير) مادة (ن ذ ر) كلها ترجع إلى الإعلام والتحتيم، فمنها: نذر على نفسه الصوم أوجبه وحتمه وأعلم به، ونذر بالعدو كفرح علم به، وأنذره أعلمه، ولا يستعمل إلا في إبلاغ ما فيه تخويف، فهو إعلام بتأكيد وتحتيم. ونذير هنا بمعنى منذر من فعيل بمعنى مفعل.
(الذي نزل) عرف المسند إليه بالموصولية لزيادة تقرير الغرض الذي إليه سيق الكلام (1) لأن الغرض بيان كمالات الله تعالى، وإنعاماته، وتنزيل الفرقان منها، فهو من أعظم نعم الله على البشر، ومن آيات الله الدالة على قدرته وعلمه وحكمته.
(1) وذلك لأن الموصول يقتضي صلة توضحه وتشرحه.
(عبده) إضافة تشريف لأنه أكمل العباد (1).
المعنى:
تقدس وتعاظم الرب الذي نزل الكتاب الذي يفرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال وحزبيهما من الناس. مفصلًا آيات آيات على محمد صلى الله عليه وآله وسلم أكمل عباده؛ ليكون بذلك الكتاب - لجميع الإنس والجن - منذرًا لهم يعلمهم بعذابه، ويخوفهم بشديد عقابه إن لم يعبدوه وحده، ويخلعوا غيره من آلهتهم الباطلة، ويدخلوا في الدين الذي جاءهم به وهو الإسلام.
توحيد:
هذا الفعل وهو (تبارك) لا يسند إلا إلى الله تعالى؛ (2) ذلك لأن العظمة الحقيقة بالكمال والإنعام والتقديس بالتنزه التام ليسا إلا له. وما من كامل من مخلوقاته إلا وهو جل جلاله الذي كمله. وما من منعم عليه منهم إلا وهو تعالى الذي أنعم عليه، وما من زكي منهم إلا وهو - سبحانه - الذي زكاه.
سلوك:
هذا الرب الكامل المكمل، المنعم المتفضل القدوس، هو الذي أنزل هذا الفرقان. فإذا أردت أن ترقى في درجات الكمال، وتظفر بأنواع الإنعام وتزكي نفسك الزكاء التام، فعليك بهدى هذا الفرقان، فهو بساط القدس، ومعراج الكمال، ومائدة الإكرام.
(1) للإمام بحث شاف واف كاف في "من هدى النبوة" في بيان معنى العبد والعبودية، فارجع إليه إن شئت ص 35 وما بعدها. وخلاصته: أن العبد في اللغة هو خلاف الحر. والعبودية هي طاعته مع الخصوع والتذلل والمملوكية التي هي أصل المعنى مستلزمة لها، وحقيقة العبودية لله أنها وصف ثابت عام في كل مخلوق في دائرة خلقه وقبضة أمره: العبودية لله طاعته والخضوع له، وبذلك يحصل الكمال للفرد الطائع الخاضع، وبذا يحصل السعادتين في الدنيا والآخرة، ولذا وصف نبيا بالعبودية في التقريب والتكريم.
(2)
أي لا يقال لمخلوق تبارك وتعالى.
وقد سئلت عائشة -رضي الله تعالى عنها - عن خلق النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: "كان خلقه القرآن".
فقه واستنباط:
تحكيم القرآن في كل شيء:
لما سمى الله كتابه الفرقان، علمنا أنه به يفرق بين الحق والباطل، وأهل هذا وذاك. فهو الحكم العدل، والقول الفصل بين كل متنازعين يدعي كل منهما أنه على الحق، فيما هو عليه من عقد، أو قول، أو عمل.
فما تقابل حق وباطل، وما تعالجت حجة وشبهة إلا وفي هذا الكتاب الحكيم ما يفرق ما بينهما (1). وإنما يتفاوت الناس في إدراك ذلك منه على حسب ما عندهم من قوة علم، وصدق بصيرة، وحسن إخلاص.
فعلينا - إذن - أن يكون أول فزعنا في الفرق والفصل إليه.
وأن يكون أول جهدنا في استجلاء ذلك من نصوصه ومراميه، مستعينين بالسنة القولية والعملية على استخراج لآليه.
فإذا حكم قبلنا وسلمنا وكنا مع ما حكم له، وفارقنا ما حكم عليه؛ فالله سماه الفرقان، لنعلم أنه فارق بنفسه، ولنعمل بالفرق به، ولا يكمل إيماننا بأنه الفرقان، إلا بالعلم والعمل.
الإنذار بالقرآن:
ولما جعل - تعالى - غاية تنزيل الفرقان أن يكون عبده نذيرًا اقتضى ذلك أن نذارته تكون بالقرآن؛ لتقوم الحجة، وتتم الحكمة، وتحصل الفائدة وتشمل النعمة.
(1) ما فرطنا في الكتاب من شيء.
وقد صرح بهذا في قوله تعالى:
{كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ} [الأعراف: 2].
{وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} [الأنعام: 19].
{فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} [ق: 45].
{وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة: 6].
فعلينا - إذن - أن نعلم أن القرآن هو كتاب النذارة والهداية، فنستخرج أصولها وفنونها من آياته، وهذا حظ العلم. وأن يكون اهتداؤنا في أقسنا وهدينا لغيرنا به وهذا حظ العمل وهما ركنا الإيمان.
تطبيق وتحاكم:
تنازع ورده إلى القرآن:
في العالم الإسلامي كله اليوم طائفتان من المؤمنين (1)، يتنازعان خطة الهداية والنذارة والتذكير.
ولكل منهما - في سلوكها للقيام بتلك الخطة - سبيل.
وكل منهما تدعي أنها على الصواب، وأنها الأحق والأولى بنفع العباد.
فرأينا أن نطبق فصل الفرقان عليهما، وننظر: كيف يفرق ما بينهما ومن هي المصيبة أو المخطئة. وفي ضمن ذلك تحاكمهما إليه وفصل النزاع بينهما بحكمه.
وإنما اخترناهما للتطبيق والتمثيل، لخطر الخطة التي تنازعا عليها، وعظيم النفع والضرر الذي يحصل من خطأ المخطئ، وصواب المصيب بها. ولأن الهداية والنذارة والتذكير أمور لها أنزل القرآن، فتنازعهما عليها تنازع عليه.
(1) يشير إلى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وعلى شاكلتها، وإلى الطرفية.
فأحق فصل أن نمثل به لنعلمه هو فصله بين المتنازعين فيه.
وها نحن نعرض بعض حال كل طائفة في قيامها بالخطة، ثم نسوق آيات القرآن، وننظر من أسعد الطائفتين بها:
الطائفة الأولى:
يذكرون من يدعونهم بغير القرآن بأحزاب وأورد من وضعهم، لا مما ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا قليلًا.
ولهم عليهم في أموالهم حق في أوقات من السنة معلومة.
والطائفة الثانية:
يذكرون الناس بالقرآن فيأمرونهم بقراءته وتدبره، ويبينون لهم معانيه، ويحثونهم على التمسك به والرجوع إليه.
ويدعونهم إلى الأذكار النبوية الثابتة في الكتب الصحاح، لرجوعها إلى القرآن لحكم قوله تعالى:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} [الحشر: 7].
ولا يطلبون عليهم في ذلك أجرًا.
حكم الله:
والله تعالى يقول في الحال الأول {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ} [ق: 45] وغيرها من الآيات المتقدمة في هذا المجلس.
ويقول - تعالى - في الحال الثاني لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم:
{قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا} [الفرقان: 57].
{قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى: 23].
ويقول في آية صريحة صراحة تامة في بيان من يجب أن يتبع من الدعاة:
{اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [يس: 21].
ومن هم المهتدون؟ هم المتبعون للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لقوله تعالى: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف: 158]. واتباعه بالنسبة لموضوعنا هو اتباعه في طريق دعوته الخلق إلى الله.
وقد ثبت بالقرآن أنه كان يدعو بالقرآن، ويذكر به، وأنه لا يسئل على ذلك أجرًا.
بأن - والحمد لله - بما ذكرنا حكم القرآن بين الطائفتين، واتضح طريق الحق في الدعوة والإرشاد لمن يريد سلوكه منهما.
والله نسأل لنا ولهم قبول الحق والتعاون عليه والقوة والإخلاص في الصدع به والثبات عليه.
شكوى النبي وتسليته وتثبيته
{وَقَال الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} [الفرقان: 30]
المناسبة:
لما ذكر تعالى ما قاله المشركون من الباطل في معارضة القرآن، والإعراض والصد عنه. وما قالوه من عبارات الحسرة والندامة يوم القيامة، على ما كان منهم من ذلك في الدنيا - ذكر ما قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الشكوى لربه بهم من تركهم للقرآن العظيم وهجره.
المفردات والتراكيب:
(مهجورا): متروكًا مقاطعًا مرفوعًا عنه.
(الرسول): محمد صلى الله عليه وآله وسلم، (وقومه) قريش.
في قوله: (يا رب): إظهار لعظيم التجائه، وشدة اعتماده. وتمام تفويضه لمالكه ومدبر أمره، وموالي الإنعام عليه.
وفي التعبير عنهم بقومه وإضافتهم إليه، وفي التعبير عن القرآن باسم الإشارة القريب - بيان لعظيم جرمهم بتركهم للقرآن، وهو قريب منهم في متناولهم (1)، وقد أتاهم به واحد منهم، أقرب الناس إليهم، فصدوا، وأبعدوا في الصد عمن هو إليهم قريب من قريب، وهذا أقبح الصد وأظلمه.
وفي قوله: (اتخذوا) إلخ
…
بيان أنهم جعلوا الهجر ملازمًا له ووصفًا من أوصافه عندهم. وذلك أعظم من أن يقال: هجروه، الذي يفيد وقوع الهجران منهم، دون دلالة على الثبوت والملازمة.
المعنى:
قال الرسول شاكيًا لربه: إن قومي الذين أرسلتني إليهم بالقرآن لأتلوه عليهم، قد صدوا عنه وتركوه، وثبتوا على تركه وهجره.
استنتاج واعتبار:
في شكوى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من هجرة القرآن دليل على أن ذلك من أصعب الأمور وأبغضها لديه.
وفي حكاية القرآن لهذه الشكوى وعيد كبير للهاجرين بإنزال العقاب بهم إجابة لشكوى نبيه.
ولما كان الهجر طبقات أعلاها عدم الإيمان به
…
فلكل هاجر حظه من هذه الشكوى وهذا الوعيد.
(1) ولا مانع أن تكون الإشارة بالقرب للعظمة، كقوله تعالى:{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} ، خاصة وقائلها الرسول.
تنزيل:
هجر المسلمين للقرآن:
ونحن - معشر المسلمين - قد كان منا للقرآن العظيم هجر كثير في الزمان الطويل، وإن كنا به مؤمنين:
1 -
بسط القرآن عقائد الإيمان كلها بأدلتها العقلية القريبة القاطعة فهجرناها، وقلنا: تلك أدلة سمعية لا تحصل اليقين، وأخذنا في الطرائق الكلامية المعقدة، وإشكالاتها المتعددة، واصطلاحاتها المحدثة، مما يصعب أمره على الطلبة فضلًا عن العامة.
2 -
وبين القرآن أصول الأحكام، وأمهات مسائل الحلال والحرام، ووجوه النظر والاعتبار، مع بيان حكم الأحكام وفوائدها في الصالح الخاص والعام، فهجرنا، واقتصرنا على قراءة الفروع الفقهية مجردة بلا نظر، جافة بلا حكمة، محجبة وراء أسوار من الألفاظ المختصرة، تفنى الأعمار قبل الوصول إليها.
غلو وتنطع
3 -
وبين القرآن مكارم الأخلاق ومنافعها، ومساويء الأخلاق ومضارها وبيَّن السبيل للتخلي عن هذه والتحلي بتلك، مما يحصل به الفلاح بتزكية النفس والسلامة من الخيبة بتدسيتها.
فهجرنا ذلك كله، ووضعنا أوضاعًا من عند أنفسنا، واصطلاحات من اختراعاتنا، خرجنا في كثرها عن الحنيفية السمحة إلى الغلو والتنطع.
وعن السنة البيضاء إلى الأحداث والبدع، وأدخلنا فيها من النسك الأعجمي، والتخيل الفلسفي ما أبعدها غاية البعد عن روح الإسلام، وألقى بين أهلها بذور الشقاق والخصام، وآل الحال بهم إلى الخروج من أثقال أغلالها، والاقتصار على بقية رسومها للانتفاع منها، ومعارضة هداية القرآن بها.
4 -
وعرض القرآن علينا هذا الكون وعجائبه ونبهنا على ما فيه من عجائب الحكمة ومصادر النعمة، لننظر ونستفيد ونعمل.
فهجرنا ذلك كله إلى خريدة العجائب، وبدائع الزهور، والحوت والصخرة، وقرن الثور! .
5 -
ودعانا القرآن إلى تدبره وتفهمه، والتفكر في آياته ولا يتم ذلك إلا بتفسيره وتبيينه، فأعرضنا عن ذلك وهجرنا تفسيره وتبيينه.
فترى الطالب يفني حصة كبيرة من عمره في العلوم الآلية، دون أن يكون طالع ختمة واحدة في أصغر تفسير كتفسير الجلالين مثلًا، بل ويصير مدرسًا متصدرًا ولم يفعل ذلك!
وفي جامع الزيتونة - عمره الله تعالى - إذا حضر الطالب بعد تحصيل التطويع في درس تفسير، فإنه ويا للمصيبة يقع في خصومات لفظية، بين الشيخ عبد الحكيم وأصحابه، في القواعد التي كان يحسب أنه فرغ منها. من قبل، فيقضي في خصومة من الخصومات أيامًا أو شهورًا؛ فتنتهي السنة وهو لا يزال حيث ابتدأ أو ما تجاوزه إلا قليلًا دون أن يحصل على شيء من حقيقة التفسير. وإنما قضى سنته في المماحكات بدعوى أنها تطبيقات للقواعد على الآيات. كأن التفسير إنما يقرأ لأجل تطبيق القواعد الآلية، لا لأجل فهم الشرائع والأحكام الإلهية.
فهذا هجر آخر للقرآن، مع أن أصحابه يحسبون أنفسهم أنهم في خدمة القرآن! .
وعلمنا القرآن أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو المبين للناس ما نزل إليهم من ربهم، وأن عليهم أن يأخذوا ما أتاهم، وينتهوا عما نهاهم عنه، فكانت سنته العملية والقولية تالية للقرآن. فهجرناها كما هجرناه، وعاملناها بما عاملناه، حتى إنه ليقل في المتصدرين للتدريس - من كبار العلماء في أكبر المعاهد - من يكون قد ختم كتب الحديث المشهورة كالموطأ والبخاري ومسلم ونحوها، مطالعة، فضلًا عن غيرهم من أهل العلم، وفضلًا عن غيرها من كتب السنة (1).
(1) وخرج الإمام بعد هذه التبعة بأن أتم القرآن الكريم تفسيرًا، وأتم موطأ مالك شرحًا وجمعنا منه =
وكم وكم وكم بيّن القرآن! ! ! وكم وكم وكم قابلناه بالصد والهجران! ! !
بيان واستشهاد:
شر الهاجرين للقرآن هم الذين يضعون من عند أنفسهم ما يعارضونه به، ويصرفون وجوه الناس إليهم، وإلى ما وضعوه عنه، لأنهم جمعوا بين صدهم وهجرهم في أنفسهم وصد غيرهم، فكان شرهم متعديًا، وبلاؤهم متجاوزًا وشر الشر وأعظم البلاء ما كان كذلك.
وفي هؤلاء جاء ما ذكره الإمام ابن القيم، في كتاب (أعلام الموقعين) عن حماد بن سلمة، ثنا أيوب السختياني عن أبي قلابة عن يزيد بن أبي عميرة، عن معاذ بن جبل، قال:
فتن وبدع:
"تكون فتن، فيكثر المال، ويفتح القرآن، حتى يقرأه الرجل والمرأة والصغير والكبير، والمنافق والمؤمن".
فيقرؤه الرجل فلا يتبع، فيقول: والله لأقرأنه علانية، فيقرؤه علانية فلا يتبع. فيتخذ مسجدًا ويبتدع كلامًا ليس من كتاب الله، ولا من سنة رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم. فإياكم وإياه، فإنه بدعة وضلالة".
قال معاذ ثلاث مرات. أهـ.
فانظر في قطرنا وفي غير قطرنا، كم تجد ممن بنى موضعًا للصلاة، ووضع كتبًا من عنده، أو مما وضعه أسلافه من قبله، وروّجها بين أتباعه، فأقبلوا عليها وهجروا القرآن (1).
= أيضًا مجالس التذكير في "من هدى النبوة".
(1)
يشير إلى ما ابتدعه بعض الطرقيين.
وربما يكون بعضهم قصد بما وضع النفع فأخطأ وجهه، إذ لا نفع بما صرف عباده عن كتاب الله. وإنما يدعى لله بكتاب الله؛ ولذلك سمى صنيع هذا الوضع بدعة وضلالة، وحذر معاذ منه وأكد في التحذير بالتكرير.
وهذا الحديث وإن كان موقوفًا على معاذ، فهو في حكم المرفوع، لأنه بمغيب مستقبل، وهذا ما كان يعلمه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، إلا بتوقيف من النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد تحقق مضمونه في المسلمين منذ أزمان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
سبيل النجاة:
لا نجاة لنا من هذا التيه الذي نحن فيه والعذاب المنوع الذي نذوقه ونقاسيه.
إلا بالرجوع إلى القرآن: إلى علمه وهديه.
وبناء العقائد والأحكام والآداب عليه.
والتفقه فيه وفي السنة النبوية شرحه وبيانه.
والاستعانة على ذلك بإخلاص القصد، وصحة الفهم، والاعتضاد بأنظار العلماء الراسخين، والاهتداء بهديهم في الفهم عن رب العالمين.
وهذا أمر قريب على من قرَّبه الله عليه، ميسر على من توكل على الله فيه.
وقد بدت طلائعه - والحمد لله - وهي آخذة في الزيادة إن شاء الله، وسبحانه من يحيي العظام وهي رميم (1).
* * *
(1) التفسير ص 245 - 286.