الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وطريقة تركيبه الذاتي، والله سبحانه يقول:{وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا} [الإسراء: 106] فالفرق مقصود والمكث مقصود كذلك، ليتم البناء التكويني المؤلف من عقيدة في صورة (منظمة حية) لا في صورة نظرية معرفية
…
).
نماذج من تفسيرات العقيدة:
ولا بد لنا من أن نعرض هنا لبعض النماذج من تفسير سيد لآيات العقيدة لنقف على رأيه من قرب، وعلى كيفية عرضه لهذه الآيات سواء أكانت تتعلق بالألوهية والحاكمية أم الغيب أم الأنبياء أم الساعة وأشراطها.
1 -
ففي جانب التشريع والتحاكم إلى شريعة الله، يتحدث الأستاذ سيد قطب عن مسائل العقيدة في تفسيره لمقطع سورة المائدة، مؤكدًا أن مسألة التشريع والحكم من أخطر قضايا العقيدة، وهذه المسألة من أهم المسائل التي بنى سيد قطب فكره عليها في الظلال يبدأ بقوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ} [المائدة: 41] إلى قوله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50] إنه يقول في تقديمه لهذه الآيات:
يتناول هذا الدرس أخطر قضية من قضايا العقيدة الإسلامية والمنهج الإسلامي ونظام الحكم والحياة في الإسلام
…
إنها قضية الحكم والشريعة والتقاضي -ومن ورائها قضية الألوهية، والتوحيد والإيمان والقضية في جوهرها تتلخص في الإجابة على هذا السؤال.
أيكون الحكم والشريعة والتقاضي حسب مواثيق الله وعقوده وشرائعه التي ستحفظ عليها أصحاب الديانات السماوية واحدة بعد الأخرى وكتبها على الرسل وعلى من يتولون الأمر بعدهم ليسيروا على هداهم، أم يكون ذلك كله للأهواء المتقلبة والمصالح التي لا ترجع إلى أصل ثابت من شرع الله والعرف
الذي يصطلح عليه جيل أو أجيال؟ وبتعبير آخر أتكون الألوهية والربوبية والقوامة لله في الأرض وفي حياة الناس؟ أم تكون كلها أو بعضها لأحد من خلقه يشرع للناس ما لم يأذن به الله؟ .
الله سبحانه يقول: إنه هو الله لا إله إلا هو، وأن شرائعه التي سنّها للناس بمقتضى ألوهيته لهم وعبوديتهم له، وعاهدهم عليها وعلى القيام بها، هي التي يجب أن تحكم هذه الأرض، وهي التي يجب أن يتحاكم إليها الناس، وهي التي يجب أن يقضي بها الأنبياء ومن بعدهم من الحكام
…
والله سبحانه يقول: إنه لا هوادة في هذا الأمر ولا ترخيص في شيء منه ولا انحراف عن جانب ولو صغيرًا، وإنه لا عبرة بما تواضع عليه جيل أو اصطلح عليه قبيل مما لم يأذن به الله في قليل ولا كثير.
والله سبحانه يقول: إن المسألة في هذا كله مسألة إيمان أو كفر، إسلام أو جاهلية، شرع أو هوى، وإنه لا وسط في هذا الأمر، ولا هدنة ولا صلح، فالمؤمنون هم الذين يحكمون بما أنزل الله، لا يحرفون منه حرفًا، ولا يبدلون منه شيئًا، والكافرون الظالمون الفاسقون هم الذين لا يحكمون بما أنزل، وأنه إما أن يكون الحكام قائمين على شريعة الله كاملة فهم في نطاق الإيمان، وإما أن يكونوا قائمين على شريعة أخرى مما لم يأذن به الله فهم الكافرون الظالمون الفاسقون، وأن الناس إما أن يقبلوا من الحكام والقضاة حكم الله وقضاءه في أمورهم فهم مؤمنون
…
وإلا فما هم المؤمنين
…
ولا وسط بين هذا الحكم أو ذاك ولا حجة ولا معذرة ولا احتجاج بمصلحة، فالله رب الناس يعلم ما يصلح للناس ويضع شرائعه، وليس لأحد من عباده أن يقول: إنني أرفض شريعة الله أو إنني أبصر بمصلحة الخلق من الله، فإن قال بلسانه أو بعقله فقد خرج من نطاق الإيمان
…
إن أخص خصائص الألوهية هي الحاكمية والذي يشرع لمجموعة من الناس يأخذ فيهم الألوهية ويستخدم خصائصها فهم عبيده
لا عبيد الله، وهم في دينه لا في دين الله، والإسلام يجعل الشريعة لله وحده ويخرج الناس من عبادة العباد إلى عباد الله وحده .. ) (1).
2 -
وفي جانب حديثه عن أشراط الساعة ومشاهد القيامة وأهوال الحشر، يتناول الأستاذ سيد المقطع الأخير من سورة النمل الذي يبدأ بقوله تعالى {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} [النمل: 59] إلى نهاية السورة في تقديمه لهذا المقطع أو تفسيره الإجمالي كما يمكن أن يسمى.
وهو يبدأ بالحمد لله والسلام على من اصطفاهم من عباده الأنبياء والرسل ومنهم الذين ورد قصصهم من قبل، يفتتح بذلك الحمد وهذا السلام جولة عن العقيدة، جولة في مشاهد الكون وأغوار النفس وأطواء الغيب في أشراط الساعة، ومشاهد القيامة وأهوال الحشر التي يفزع لها من في السماوات والأرض إلا من شاء الله.
في هذه الجولة يقفهم أمام مشاهدات في صفحة الكون، وفي أطواء النفس، لا يملكون إنكار وجودها، ولا يملكون تعليلها بغير التسليم بوجود الخالق الواحد المدبر القدير.
ويتولى عرض هذه المشاهدات في إيقاعات مؤثرة تأخذ عليهم أقطار الحجة وأقطار المشاعر، وهو يسألها أسئلة متلاحقة، من خلق السماوات والأرض؟ من أنزل من السماء ماء
…
؟ من جعل الأرض قرارًا؟
…
وفي كل مرة يقرعهم، أءِله مع الله؟ وهم لا يملكون أن يدعوا هذه الدعوى ولا يملكون أن يقولوا إن إلهًا مع الله يفعل من هذا كله شيئًا وهم مع هذا يعبدون أربابًا من دون الله.
وعقب هذه الإيقاعات القوية التي تقتحم القلوب لأنها إيقاعات كونية تملأ صفحة الوجود من حولهم أو إيقاعات وجدانية يحسونها في قلوبهم
…
(1) الظلال (2/ 887 - 891) بتصرف.
يستعرض تكذيبهم بالآخرة وتخبطهم في أمرها ويعقب عليه بتوجيه قلوبهم إلى مصارع الغابرين الذين كانوا مثلهم يكذبون ويتخبطون
…
) وبعد الانتهاء من هذا التفسير الإجمالي يبدأ بالتفصيل في بيان ما اشتملت عليه هذه الآيات من آيات كونية لإيقاظ القلب والعقل للحياة.
وفي تفسيره لقول الله تعالى: {وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ} [النمل: 82]
…
يقول:
(ورد ذكر خروج الدابة المذكورة هنا في أحاديث كثيرة بعضها صحيح، وليس في هذا الصحيح وصف للدابة، إنما جاء وصفها في روايات لم تبلغ حد الصحة؛ لذلك نضرب صفحًا عن أوصافها، فما يعني شيئًا أن يكون طولها ستين ذراعًا وأن تكون ذات زغب
…
الخ هذه الأوصاف التي افتن فيها المفسرون، وحسبنا أن نقف عند النص القرآني والحديث الصحيح الذي يفيد التوبة وحق القول على الباقين، فلم تقبل منهم توبة بعد ذلك وإنما يقضي عليهم بما هم عليه
…
عندئذ يخرج الله لهم الدابة تكلمهم، والدواب لا تتكلم ولا يفهم عنها الناس، ولكنهم يفهمون اليوم ويعلمون أنها الخارقة المنبئة باقتراب الساعة
…
وقد كانوا لا يؤمنون بآيات الله ولا يصدقون باليوم الموعود.
ومما يلاحظ أن المشاهد في سورة النمل مشاهد حوار وأحاديث بين طائفة من الحشرات والطير وسليمان عليه السلام
…
فجاء ذكر الدابة وتكليمها الناس متناسقًا مع مشاهد السورة وجوها محققًا لتناسق التصوير في القرآن وتوحيد الجزئيات التي يتألف منها المشهد العام) (1).
3 -
ويتناول الأستاذ سيد في تفسيره لمقطع من سورة التوبة موضوعين خطيرين هما:
(1)(5/ 2667).