الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهذا الأسلوب البديع وذلك التقسيم المنطقي يخلفان أثرًا في نفس القارئ يتفاعل مع الآيات الكريمة.
ومع هذا فإننا نرى الأستاذ في بعض الأحيان يحلق بنا في أجواء علم الكلام والمسائل الفلسفية، ولكن بمقدار ما لذلك من صلة في الموضوع الذي يتحدث عنه، فلكل مقام مقال، ولكل سياق من الموضوعات عبارات وألفاظ، فقد لا يحسن الأسلوب السهل اليسير في مكان كما يحسن في آخر، وقد يجذب الأسلوب الجزل الرصين القراء في مكان، ويدفعهم عن القراءة في مكان آخر، فنراه مثلًا عند تفسير سورة الإخلاص يقول:(الأحد هو الواحد الذي لا كثرة في ذاته، فهو ليس بمركب من جواهر مختلفة؛ فليس بمادي، ولا هو من أصول متعددة غير مادية، كما يزعم بعض أرباب الأديان من أنه أصلان فاعلان، أو أنه ثلاثة أصول تعتبر واحدًا، وهي متعددة، سواء عقل ذلك أم لم يعقل، فإن الله بريء منه؛ لأن العقلاء أجمعت على موجد العالم وهو الله واجب الوجود. ووجوب الوجود يستلزم ببداهة العقل وحدة الذات، لأن التعدد في الذات مستلزم لافتقار المجموع إلى الأجزاء، فلا يكون المجموع المسمى بالله، أو موجد العالم واجب الوجود. وكذلك الأفراد نفسها لا يكون كل واحد واجب الوجود، لأنه يختلف عن الآخر بميزة، وذلك المميز غير ما يشتركان فيه من الوجود، فيكون كل منهما مركبًا، والمركب غير واجب كما ذكرنا. فلم يبق إلا أن يكون واجب الوجود واحدًا فالله أحد)(1)
…
وهذا الكلام ربما يبدو غريبًا بعيدًا عن أفهام كثير من الناس الآن. لكننا إذا تصورنا العصر الذي كتب فيه نجد أنه لا بعد فيه ولا غرابة، وهذا القول لا نراه من الأستاذ إلا حينما تدعو إليه الحاجة.
3 - عدم تجاوزه النص في مبهمات القرآن:
أما منهج الأستاذ في مبهمات القرآن الكريم، فإنه يقوم أول ما يقوم على دقة في
(1) تفسير سورة الفاتحة وست سور أخرى، ص 122.
الفهم، وذلك بالوقوف عند حدود ما ذكره القرآن. فلو كان فيما وراء ذلك حكمة وفائدة، لما أغفلها النص، وهذا المنهج وإن رأيناه عند بعض المفسرين قديمًا، إلا أنه كان للأستاذ الفضل الأكبر في إحيائه حديثًا، وتتجلى لك تلك البراعة في مقدرة الشيخ على ترك ما أبهم القرآن بل الدعوة إلى هذا المنهج لا التطبيق فحسب، إذا تأملت معي الحبارات الآتية: يقول عند قوله تعالى {قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ} [البروج: 4]: (وأصحاب الأخدود قوم كافرون، ذوو بأس وقوة، أصابوا قومًا مؤمنين غاظهم إيمانهم، فحملوهم على الكفر، وأكرهوهم أن يرتدوا إليه فأبوا، فشقوا لهم شقًا في الأرض وحشوه بالنار، وجاءوا بالمؤمنين واحدًا واحدًا وألقوهم في النار
…
أما تعيين أصحاب الأخدود. وأين كانوا ومن هم أولئك المؤمنون وأين كان منزلهم من الأرض فقد كثرت فيه الروايات .. غير أن المؤمن لا يحتاج في الاعتبار، وإشعار الموعظة قلبه إلى أن يعرف القوم والجهة، وخاصة الدين الذي كان عليه أولئك أو هؤلاء، حتى يطير وراء القصص المشحونة بالمبالغات، والأساطير المحشوة بالخرافات، وإنما الذي عليه هو أن يعرف من القصة ما ذكرناه أولًا. ولو علم الله خيرًا في أكثر من ذلك لتفضل علينا به) (1).
وكذلك عند تفسيره قول الله تعالى: {فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 54] في سورة البقرة يذكر ما قاله (الجلال)، وما جاء في التوراة عن العدد الذي قتل ثم يقول (والقرآن لم يعين العدد. والعبرة المقصودة من القصة لا تتوقف على تعيينه فنمسك عنه)(2).
وعند تفسيره قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ} [البقرة: 58] يقول: ونسكت عن تعيين القرية كما سكت القرآن) (3).
(1) تفسير جزء عم ص 58 - 59.
(2)
تفسير المنار جـ 1 ص 320.
(3)
تفسير المنار جـ 1 ص 324.