الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بنصه في كتاب اليواقيت والجواهر للشعراني .. هذا ما كتبته من التعليق على كلمة شيخنا في قرب الوجود وطبع أولًا واطلع هو عليه. ثم استشكله بعض إخواننا السلفيين، بأنه مخالف لمذهب السلف، فإنهم يتأولون، أو يفسرون القرب بالعلم كالمتكلمين ويقولون إن الله تعالى فوق عباده، بائن من خلقه مستوٍ على عرشه، وعبارة الأستاذ على إجمالها أقرب إلى مذهب السلف من تأويل المتكلمين ومن وافقهم من السلفيين) (1).
ولا بد لنا أن نبني أمرًا على ما ذكره السيد محمد رشيد رضا من تعليق على كلمة الأستاذ الإمام، ألا وهو أن الأستاذ الإمام قد أخذ من معين مدرسة التصوف، وأكثر من الإفادة من كتب حجة الإسلام، ولكنه في نهاية الأمر استطاع أن يستقل بفهمه ورؤيته للمسائل الشرعية دون تعصب أو تقليد، وهذا ما دعا رشيدًا لأن يقول: وعبارة الأستاذ على إجمالها أقرب إلى مذهب السلف من تأويل المتكلمين، ومن وافقهم من السلفيين فهل كان هذا الأخذ من المدرسة السلفية باستقلال كما كان من مدرسة المتصوفة؟ هذا ما سيأتيك نبؤه بعد حين.
2 - المدرسة السلفية:
لقد تأثر الأستاذ بهذه المدرسة كثيرًا، ويبدو هذا جليًّا في المظاهر التالية:
أ- عقيدة السلف:
لقد صرح الأستاذ الإمام بأنه على طريقة السلف في فهم آيات الصفات، وأن هذه الطريقة تلتقي وطريقة الخلف، إذ لا بد للكلام من فائدة يحمل عليها، فبعد أن بين الطريقتين وما تمتاز به كل منهما، قال: وأنا على طريقة السلف في وجوب التسليم والتفويض فيما يتعلق بالله وصفاته وعالم الغيب، وإننا نسير في فهم الآيات على كلا الطريقتين لأنه لا بد للكلام من فائدة يحمل عليها لأن الله عز وجل لم يخاطبنا بما لا نستفيد منه معنى) (2).
(1) المنار جـ 2 ص 168.
(2)
المنار (1/ 252).
فالأستاذ الإمام رحمه الله يرى أن طريقة السلف لا تتصادم مع طريقة الخلف بل تجتمعان، فهو يسلم ويفوض، ومن جهة أخرى يفهم الآيات على طريقة التأويل ليحمل عليها فائدة.
وههنا لا بد من إيضاح أمر وهو أنه قد شاع وجود طريقتين في فهم الصفات الخبرية: طريقة السلف وطريقة الخلف، فمن تبع الأولى تبرأ من الثانية، ومن تمسك بالثانية خالف الأولى، وهذا كلام يخلو من الدقة، إذ إن الطريقتين قد أخذ من معينهما السلف، فكما أن الإثبات والتفويض والتسليم نهج قد اتبعوه، فكلذلك التأويل قد سار عليه كبار الصحابة والتابعين ولذا لا يصح ألبتة أن ينسب إلى السلف طريقة ومذهب ويسلب عنه الآخر.
وفوّض وسأكتفي بإيراد مثال واحد على التفويض في شأن الملائكة، لأنني سأناقش بعض تأويلاته لاحقًا إن شاء الله.
يقول عند تفسيره لقول الله عز وجل: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ} [الانفطار: 10 - 11]: "ومن الغيب الذي يجب علينا الإيمان به، ما أنبأنا به في كتابه، من أن علينا حفظة يكتبون أعمالنا حسنات وسيئات. ولكن ليس علينا أن نبحث عن حقيقة هؤلاء ومن أي شيء خلقوا، وما هو عملهم في حفظهم وكتابتهم. هل عندهم أوراق وأقلام ومداد كالمعهود عندنا، وهو ما يبعد فهمه، أو هناك ألواح ترسم فيها الأعمال، وهل الحروف والصور التي ترسم هي على نحو ما نعهد، أو إنما هي أرواح تتجلى لها الأعمال، فتبقى فيها بقاء المداد في القرطاس، إلى أن يبعث الله الناس. كل ذلك لا نكلف العلم به، وإنما نكلف الإيمان بصدق الخبر، وتفويض الأمر في معناه إلى الله. والذي يجب علينا اعتقاده من جهة ما يدخل في علمنا، هو أن أعمالنا تحفظ وتحصى، ولا يضيع منها نقير ولا قطمير) (1).
(1) تفسير جزء عم ص 24.