الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فيقول: (إن أبي وهبني حياة يشاركني فيها علي ومحروس - وهما أخوان له كانا مزارعين - والسيد جمال الدين وهبني حياة أشارك فيها، محمدًا وإبراهيم وموسى وعيسى والأولياء والقديسين). ولقد أدرك جمال الدين ذكاء الشيخ، وقوة شخصيته وعلو همته، فكان يقول "أي ملك في جلدك؟ " وحينما أخرج من مصر خرج وهو مطمئن إلى أنه قد خلف وراءه من ورث علمه وإصلاحه (1).
العامل الثالث:
من تلك المؤثرات في شخصية الشيخ، كان ذلك التطواف وتلك الرحلات في البلدان الأوروبية، حيث اطلع على نظمها وأساليب الحياة فيها، والتقدم العلمي الذي وصلت إليه، فكان لذلك كله أثر غير خاف في منهجه الاصلاحي والعلمي.
تلك أهم العوامل القريبة التي كان لها أثرها الكلي في حياة الشيخ، وربما كانت هناك عوامل أخرى نابعة من ثقافته الخاصة، كدراسته عن المعتزلة وغيرهم، ممن لهم أثر في التراث الإسلامي.
ثالثًا: آراء الشيخ في الإصلاح:
أما نزعته في الإصلاح، فتتجلى في مظاهر متعددة، فكتابته في الصحف والمجلات، وتكوينه الجمعيات المختلفة، خيرية أو ثقافية، وما كان يصدره من فتاوى، وما كان له من جهد شخصي في إغاثة المنكوبين وإغاثة البؤساء، كل ذلك إنما يدل على شفافية نفس الشيخ، وحرصه على نهضة أمته، وحب الخير لها، وتخليصها من استبداد الحاكم وسلطان الأجنبي. وكان يرى أن هذا الإصلاح وتلك التوعية، لا ينبغي أن تكون طفرة، بل لا بد فيها من التؤدة والحكمة، ومن هنا لم يكن يؤمن بالعنف، والوصول عن طريق الثورات. لذلك لم يكن من مؤيدي الثورة العرابيّة في بدايتها - كما أسلفت -، وإن انخرط فيها بعد ذلك.
(1) تاريخ الأستاذ الإمام 1/ 24.
وكان يدعو إلى إصلاح الأزهر بالطريقة التي رآها مناسبة. وتمت بعض الخطوات في حياته، إلا أن آماله سرعان ما تبددت، حين اصطدم بالواقع الصلب. وكان يعتقد أنه لا ينبغي أن نثور على كل جديد، فإن من هذا الجديد ما هو ضروري للأمة، ولو كان مستعارًا حيث يقول الشيخ:
(ويمكننا أن نعرف كثيرًا من شؤون الإسلام وتاريخه من الكتب الإفرنجية، فإن فيها ما لا نجده في كتبنا، إن العالم المسلم، لا يمكن أن يخدم الإسلام من كل وجه يقتضيه حال هذا العصر، إلا إذا كان متقنًا للغة من اللغات الأوروبية، تمكنه من الاطلاع على ما كتب أهلها في الإسلام وأهله، من مدح وذم وغير ذلك من العلوم)(1).
وقد ساعده على نشاطه الإصلاحي تبوؤه لمناصب حساسة في الحكومة، ويستحسن أن أنقل هنا كلمة للشيخ توضح مقاصده وغايته من الإصلاح:
(ارتفع صوتي بالدعوة إلى أمرين عظيمين: الأول تحرير الفكر من قيد التقليد، وفهم الدين على طريقة سلف الأمة، قبل ظهور الخلاف، والرجوع في كسب معارفه إلى ينابيعها الأولى، واعتباره من ضمن موازين العقل البشري التي وضعها الله لترد من شططه وتقلل من خلطه وخبطه. وأنه على هذا الوجه يعد صديقًا للعلم، باعثًا على البحث في الكون، وداعيًا إلى احترام الحقائق الثابتة، مطالبًا بالتعويل عليها، في أدب النفس والإصلاح والعمل .. والأمر الثاني إصلاح أساليب اللغة العربية في التحرير، سواء كان في المخاطبات الرسمية، أم في المراسلات بين الناس - وكانت أساليب الكتابة في مصر تنحصر في نوعين كلاهما يمجه الذوق وتنكره لغة العرب: الأول ما كان مستعملًا في مصالح الحكومة وما يشبهها، وهو ضرب من ضروب التأليف بين الكلمات رث خبيث غير مفهوم، ولا يمكن رده إلى لغة من لغات العالم، لا في صورته ولا في مادته، والنوع الثاني: ما كان يستعمله الأدباء والمتخرجون في الجامع الأزهر، وهو ما كان يراعى فيه السجع، وإن كان
(1) تاريخ الأستاذ الإمام 1/ 127.
باردًا، وتلاحظ فيه الفواصل، وأنواع الجناس وإن كان رديئًا في الذوق، بعيدًا عن الفهم، ثقيلًا على السمع، غير مؤد للمعنى المقصود، ولا ينطبق على آداب اللغة العربية .. ولا يزال هذا النوع موجودًا في عبارات المشايخ. وهناك أمر آخر كنت من دعاته والناس جميعًا في عمى عنه، ولكنه الركن الذي تقوم عليه حياتهم الاجتماعية وما أصابهم الوهن والضعف والذل إلا بخلو مجتمعهم منه، وذلك هو التمييز بين ما للحكومة من حق الطاعة على الشعب، وما للشعب من حق العدالة على الحكومة، نعم كنت فيمن دعا الأمة المصرية إلى معرفة حقها على حاكمها، وهي لم يخطر لها هذا الخاطر على البال من مدة تزيد على عشرين قرنًا. دعوناها إلى الاعتقاد بأن الحاكم، وإن وجبت طاعته، من البشر الذين يخطئون وتغلبهم شهواتهم، وأنه لا يرده عن خطئه، ولا يقف طغيان شهوته إلا نصح الأمة له بالقول والفعل. جهرنا بهذا القول والاستبداد في عنفوانه، والظلم قابض على صولجانه، ويد الظالم من حديد، والناس كلهم عبيد له أي عبيد.
ولم أكن في كل ذلك الإمام المتبع، ولا الرئيس المطاع، غير أني كنت روح الدعوة وهي لا تزال بي في كثير مما ذكرت قائمة. ولا أبرح أدعو إلى عقيدتي في الدين، وأطالب بإتمام الصلاح في اللغة وقد قارب، أما أمر الحكومة والمحكوم، فتركنه للقدر يقدره، وليد الله بعد ذلك تدبره، لأنني قد عرفت أنه ثمرة تجنيها الأمة من غراس تغرسه، وتقوم على تنميته السنون الطوال. فهذا الغرس هو الذي ينبغي أن يعنى به الآن والله المستعان، أصبت نجاحًا في كثير مما عنيت به، وأخفقت في كثير مما وجهت عزيمتي إليه، ولعل لذلك أسبابًا، بعضها ما غرز في طبعي وشيء منها احتف حولي، وطائفة من أصالتي في الرأي أو خطلي) (1) وكلمة الشيخ هذه يشعر قارئها، ويحس المتأمل فيها، بأنها كانت نفثة أخرجها الشيخ من فؤاده، وكانت عصارة ألم فيه اليأس تارة، والأمل أخرى. على أن نزعة الشيخ وآراءه في الإصلاح، كانت مثار نقاش وجدل بين خصومه ومؤيديه، في حياته وبعد وفاته.
(1) الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده 3/ 539 وما بعدها.