الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أن الكفار من أهله استحلوا إيذاءك أيها النبي) تعلم أن الواو (وأنت حل)، تدل على أن الجملة التي بعدها حال مما قبلها، وهكذا في كل مكان من هذا النوع (1).
وقد رأينا لداعي الاختصار، وضيق حيز الصفحات، من الرغبة في إيفاء بعض المقامات حقها، بتدعيمها بالأدلة من القرآن نفسه، أن نكتفي بذكر رقم الآية وسورتها أو صفحتها من المصحف نفسه، بدل ذكر ألفاظ الآيات كلها) (2).
تأثره بالإمام محمد عبده:
وليس غرضي الحديث هنا عن طريقة الأستاذ في التفسير وما لها وما عليها، إنما الذي أهدف إلى بيانه هو شيء واحد، وهو تأثر المفسر الفاضل بآراء الأستاذ الإمام، في كثير من مواضع تفسيره، وسأكتفي بذكر بعض الشواهد على ذلك.
1 -
يقول في تفسير قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 106](3)(ما نترك تأييد نبي متأخر، بمعجزة كانت لنبي سابق، أو ننسي الناس هذه المعجزة السابقة، لطول العهد بها، إلا وأيدنا هذا الرسول المتأخر بمعجزة خير من السابقة في قوة الإقناع وإثبات النبوة).
2 -
ويقول في تفسير آية الوصية من سورة البقرة (4).
(فرض عليكم أن يوصي كل من حضرته الوفاة للوالدين اللذين لا يرثان، كالأجداد مع وجود الآباء، والوالدين الكافرين، لأنه من البر المطلوب لهما شرعًا، والأقربين من الفقراء، فإن لم يكن في قرابته فقراء يوصي ندبًا لفقراء المسلمين، فإن مات ولم يوص، وجب على الورثة أن يخرجوها عنه لأن
(1) هذا الذي ذكره الشيخ لا يمكن أن يدركه أي قاريء بل أكثر قراء تفسيره.
(2)
المقدمة، وهذا أيضًا فيه من الصعوبة على القارئ ما لا يخفى.
(3)
تيسير التفسير ص 21.
(4)
تيسير التفسير ص 35.
فرضها ثابت بالآية وبحديث البخاري (حق على كل مسلمٍ ألا يبيت ليلتين -بعد سماع الآية- إلا ووصيته مكتوبة عنده). فرحم الله امرأ حافظ عليه، ولم يغتر بمن يقول إن الآية منسوخة، فإن العلماء المحققين أبطلوا قوله هذا.
(بالمعروف) أي يوصي لمن ذكروا بالمتعارف بين الناس، أنه يكفي صدقة في مثل ماله (حقًّا) أي الإيصاء واجب وجوبًا حقًّا.
3 -
ويفسر الموت في قوله تعالى {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَال لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} [البقرة: 243] بالموت الأدبي والإذلال للعدو كما يفسر إحياء الله لهم، بأنه إخراج جيل جديد أرجع ملكهم (1).
4 -
ويفسر {الكرسي} في آية (الكرسي) بأنه السلطان والعظمة والقدرة (2).
5 -
ويقول في تفسير قوله تعالى: {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} [آل عمران: 44](3)(وأخيرًا اتفقوا على أن يقترعوا فمن خرجت له القرعة أخذها، فأحضروا أقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة تبركًا بها، ووضعوها في جراب، وأمروا بعض الغلمان ممن في بيت المقدس، أن يدخل يده ويخرج قلمًا، فالذي يخرج قلمه يكفل مريم).
6 -
ويفسر قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ} [آل عمران: 81] بقوله (4):
(واذكر حين أخذ الله العهد على النبيين، وعلى أممهم بواسطة أنبيائهم، مؤكدين العهد على أن الذي أعطيتكم إياه من كتاب وحكمة، إذا جاءكم به
(1) تيسير التفسير ص 50.
(2)
تيسير التفسير ص 53.
(3)
تيسير التفسير ص 70.
(4)
تيسير التفسير ص 76.
رسول آخر مصدقًا للكتاب الذي معكم، لتؤمنن بهذا الرسول ولتنصرنه على من يحاربه).
7 -
ويفسر قوله تعالى: {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [النساء: 1] بأنه خلق من نوعها زوجها (1).
8 -
يذكر بأن المقصود بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 33] الزوج والزوجة، لأن من عادة عقد الزواج أن يضع كل من طرفيه يمينه في يمين الآخر.
9 -
في تفسير سورة القمر، يميل الشيخ إلى إنكار انشقاقه في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن معنى {وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} ، أي وضح الأمر حتى لم يعد صالحًا للجدل، أو أنه سينشق بين يدي الساعة.
10 -
يقول في حادثة الإسراء (2)(واعلم أن العلماء قد اختلفوا قديمًا وحديثًا في الإسراء -هل كان بالروح والجسد أم بالروح فقط، يقظة أو منامًا. وبهذا الاختلاف خرج كونه يقظة من باب العقائد الواجبة إلى باب العلم الذي يرى فيه كل واحد ما يطمئن إليه قلبه).
11 -
وفي تفسير سورة الأعراف، يذكر في معنى قوله تعالى {وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ} [الأعراف: 46] يقول (وبين الجنة والنار وأصحابها، سور قد اعتلاه رجال أي ونساء، وهؤلاء الواقفون على الأعراف هم من استوت حسناتهم وسيئاتهم) بينما يقول في تفسير قوله تعالى {وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ} [الأعراف: 48] (كرر ذكرهم ولم يقل ونادوا، لأن المنادين هنا غير المتقدمين، والموضوع غير الموضوع، فالمراد بأصحاب الأعراف هنا قوم ممن كانوا في مكة أيام طغيان كفار قريش، والرجال المنادى عليهم هم
(1) تيسير التفسير ص 97.
(2)
تيسير التفسير ص 365.
رؤساء المشركين) (1).
12 -
وفي سورة النمل يذكر في تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ} [النمل: 82] يقول: (قال الراغب الأصفهاني (والمراد بالدابة هنا جمع من الأشرار، الذين هم في الجهل بمنزلة) ويساعده {نَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} [الأنفال: 22] وما ورد في الحديث الصحيح من قوله صلى الله عليه وآله وسلم (إذا كان أمراؤكم شراركم فبطن الأرض خير من ظهرها) وقوله (من الأرض إشارة إلى أن هؤلاء الأشرار كالحشرات، التي توجد بطريق التولد من التراب، لا بطريق التوالد والتناسل المعروف، وأن طبعه سفلي ليس فيه من سمو العالم العلوي شيء، ومعنى تكليمهم الناس أنهم يأمرونهم فيطيعون، أي أنهم أصحاب الكلمة كما هو شأن كبار المجرمين مع غيرهم، وقوله {أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ} [النمل: 82] تعليل لاستحقاقهم العذاب، والأصل لأن الناس الخ
…
ورد عن ابن عباس قال تكلمهم من الكلم بفتح وسكون، وهو الجرح بفتح الجيم، فالتكليم التجريح الكثير، والمراد الإيلام للناس حسيًا، بما يصيبهم في أجسامهم، ومعنويًا بما يصيبهم في أرزاقهم، ويصح على هذا أن يراد بالدابة، كل الحشرات التي يبتلى بها الناس عند انتشار معاصيهم، كالطاعون وغيره، ومثل ما حصل لقوم فرعون
…
لقول الله سبحانه {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى: 30] وإن ما ألجأنا إلى مخالفة عادتنا في الاختصار في هذه الموضوع الرغبة في تنبيه القارئ إلى خطر الإسرائيليات، التي أدخلها اليهود على المسلمين، حتى كادت تشوه صفاء الإسلام وسماحته) (2).
(1) تيسير التفسير ص 199 - 200.
(2)
تيسير التفسير ص 504.
من هذه الشواهد يتبين لنا مدى تأثر الشيخ عبد الجليل عيسى بمدرسة الأستاذ الإمام، سواء أكان ذلك في تحكيم العقل في النص، أم في الرغبة في تضييق نطاق الخوارق، ولئن أغرب الشيخ في تفسير آية الأعراف، فإنه كان أكثر إغرابًا في آية الإسراء، وكان أكثر شططًا وبعدًا عن السياق والمأثور في تفسيره آية النمل، ولقد قال إنه أطال في تفسيرها لينبه القارئ على خطر الإسرائيليات، وكان بإمكان الشيخ أن يكتفي بما جاء في الأخبار الصحيحة، كما فعل كثير من المفسرين، مع أن عبارته توهم أن كل ما ورد عن الدابة إنما هو من الإسرائيليات، وليس الأمر كذلك، سامح الله الشيخ وجزاه عن حسن نيته خيرًا.
وأكتفي بما ذكرت عن أعلام مدرسة الشيخ محمد عبده في التفسير، تلك المدرسة التي أرادت أن تجلي معنى القرآن للمسلمين، بما يتفق مع روح العصر الذي يعيشون فيه، وأن ترد عنه شبه الأعداء وكيد الخصوم، وأن تُنبّه على سنن الله التي لا تتخلف في شؤون الحياة، ولكنها أرخت العنان للعقل، فتعدى حدوده، ووقفت مع كل قديم موقف الناقد الممحص، فأصابت حينًا، وتجنّت وأخطأت حينًا آخر، ومع كثرة ما لها من هفوات، إلا أن لها، والحق يقال، دورًا فعالًا في محاربة البدع والخرافات، ومحاولة إيقاظ المسلمين والدفاع عن الإسلام ورد شبهات المستشرقين والمستغربين وللمجتهد إن أخطأ أجر.