الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تسيطر عليه فكرة فهو يخرج هذه الكلمات من قلبه، بعد أن تفيأ هذه الظلال القرآنية المباركة، فارتفع علو نفس وعزة مسلم وكبرياء مؤمن بغير بغي أو طغيان، والتفت حوله فإذا بأمة انسلخت من القرآن لتتفيأ ظلًا غير ظليل، لا يغني من اللهب، فبثها خواطره ومشاعره وعصارات فكره ووجدانه، علها تخلص من شرودها في تيهها الرهيب، ومن هذا القبس ندرك أن هذا التفسير كان محاولةً جديدة لبناء العقيدة في النفوس وإحياء الإسلام في المشاعر وفي واقع الحياة كلها، فلا عجب أن يكون هذا التفسير مختلفًا اختلافًا كبيرًا عن منهج كثير من التفاسير وبخاصة التقليدية منها.
إن صاحب الظلال ليس غرضه ملء كنابه بالاصطلاحات العلمية والفنية وليس غرضه أن يوفق بين القرآن وبين نظريات العلم الحديث ليرضي رغبات الكثيرين، وليس غرضه أن ياسر عواطف الناس بالقصص المشوقة والآثار الغريبة، وإنما هدفه من هذا التفسير أن يرتفع بالمسلمين من حماة الجاهلية وأوحال الرذائل التي ارتكسوا فيها، إلى القمة السامقة، حيث العزة والعلاء ورضوان الرحمن وسعادة الدنيا والآخرة.
منهجه في التفسير:
يحدد سيد منهجه في التفسير بأنه يقصد فيه عرض القرآن من جديد مع بيان ما اشتمل عليه هذا القرآن من نظم اقتصادية واجتماعية وسياسية، وأن يستنقذه من ركام التفسيرات اللغوية والنحوية والفقهية والتاريخية والأسطورية أيضًا، وهو في عرضه للتفسير يسلك طريقة تكاد تكون خاصة به، فهو يأتي أولًا بمقدمة للسورة يستعرض فيها مقاصدها ويحلل موضوعاتها، وهو في ذلك لا يترك فرصة تمر إلا ويفرغ فيها عواطفه ويبث ما في نفسه من وجد، وما في فكره من مسائل وقضايا في نفس القارئ، هذه المقدمة لا يكاد الإنسان ينتهي من قراءتها إلا وقد كونت لديه فكرة تامة عن أبعاد السورة وغايتها، وغالبًا ما يكون في مقدمته ذا نفس طويل فقد تزيد المقدمة على خمسين صفحة، والذي دعاه لهذا تميز كل سورة من سور القرآن
بشخصيتها الخاصة وطابعها ونسقها، يقول عن ذلك في مقدمة سورة البقرة:(ومن ثم يلحظ من يعيش في ظلال القرآن أن لكل سورة من سوره شخصية مميزة، شخصية لها روح يعيش معها القلب كما لو كان يعيش مع روح حي مميز الملامح والسمات والأنفاس، ولها موضوع رئيسي أو عدة موضوعات رئيسية مشدودة إلى محور خاص، ولها جو خاص يظلل موضوعاتها كلها، ويجعل سياقها يتناول هذه الموضوعات من جوانب معينة تحقق التناسق بينها وفق هذا الجو، ولها إيقاع موسيقي خاص إذا تغير في ثنايا السياق فإنما يتغير لمناسبة موضوعية خاصة، وهذا طابع عام في سور القرآن جميعًا، ولا يشذ عن هذه القاعدة طوال السور كهذه السورة (1).
وبعد الانتهاء من المقدمة يقسم السورة إلى وحدات حسب موضوعاتها، وربما يأتي إلى الوحدة كذلك فيقدم لها، بمعنى أنه يعطي عنها فكرة إجمالية كما يقول ثم يبدأ بتفصيل التفسير.
وعلى الرغم من اهتمام سيد بالموضوعات القرآنية، والتدرج في الأحكام، واستخلاص النتائج من مقدماتها، على الرغم من اهتمامه بذلك كله، فإنه قد سلك الجادة المثلى حينما جعل تفسيره حسب ترتيب المصحف، ولم يفسره حسب ترتيب النزول كما فعل بعض الكاتبين وهذا ما ستعرفه فيما بعد.
ويعلل ذلك بقوله:
(ذلك أن الترتيب الزمني للنزول لا يمكن القطع فيه الأن بشيء -اللهم إلا من ناحية أن هذا قرآن مكي وهذا قرآن مدني على وجه الإجمال، على ما في هذا من خلافات قليلة- فأما الترتيب الزمني المقطوع به من ناحية زمن نزول كل آية أو كل مجموعة من الآيات أو كل سورة فيكاد يكون متعذرًا، ولا يكاد يجد الإنسان فيه اليوم شيئًا مستيقنًا، إلا في آيات معدودات تتواتر بشأنها الروايات أو تقطع بشأنها
(1)(1/ 23).
بعض الروايات
…
وعلى كل ما في محاولة تتبع آيات القرآن وسوره وفق الترتيب الزمني للنزول من قيمة ومن مساعدة على تصوير منهج الحركة الإسلامية ومراحلها وخطواتها فإن قلة اليقين في هذا الترتيب تجعل الأمر شاقًا، كما أنها تجعل النتائج التي يتوصل إليها تقريبية ظنية وليست نهائية يقينية
…
وقد ترتب على هذه النتائج الظنية التقريبية نتائج أخرى خطيرة
…
لذلك آثرت في هذه الظلال أن أعرض القرآن بترتيب سوره في المصحف العثماني مع محاولة الإلمام بالملابسات التاريخية لكل سورة -على وجه الإجمال والترجيح- والاستئناس بهذا في إيضاح الجو والملابسات المحيطة بالنص -على وجه الإجمال والترجيح أيضًا-.
ولكي نلم بفكرة تامة عما احتواه التفسير لا بدّ أن نقسم البحث عنه إلى موضوعين اثنين:
أما الموضوع الأول -فهو ما شارك فيه التفاسير الأخرى كفواتح السور والآيات الكونية المتشابهة وآيات الأحكام وما شابه ذلك.
أما الموضوع الثاني -فهو الموضوع الذي امتاز به هذا التفسير وهو تجلية العقيدة الإسلامية في هذا القرآن، والتركيز على منهجية هذا القرآن للبشرية كلها في نواحي حياتها المختلفة، ولقد حرص المفسر أن يبث هذه المعاني في مواضع كثيرة من تفسيره وأن يؤكدها، وإننا لنجده يبين للمسلمين هذا المنهج القديم الذي لا ينبغي أن يعدل عنه بحجة واضحة دافعة ومنطق سليم وأسلوب جذاب
…
هذا القرآن هو كتاب هذه الدعوة، وهو روحها وباعثها، وهو قوامها وكيانها، وهو حارسها وراعيها وهو بيانها وترجمانها، وهو دستورها ومنهجها وهو في النهاية المرجع الذي تستمد منه الدعوة -كما يستمد منه الدعاة- وسائل العمل ومناهج الحركة. وزاد الطريق
…
ومعجزة القرآن البارزة تكمن في أنه نزل لمواجهة واقع معين في حياة أمة معينة، في فترة من فترات التاريخ محددة وخاض بهذه الأمة معركة كبيرة حولت تاريخها وتاريخ البشرية كلها معها، ولكنه مع هذا يعاني ويواجه وعليه أن يوجه