الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أ- سياج العقيدة.
ب- موقف المسلمين الحركي من أهل الكتاب:
ونحيل القارئ على ما ذكره سيد هناك، دون الحاجة إلى نقله هنا، فهو كلام طويل.
وكلام قطب في تفسير هذا المقطع من الأمور التي يتجلى فيها رأيه، وربما يبدو عنيفًا شديدًا في تقريراته التي قررها هذا من جهة.
ومن جهة أخرى فإنه يبدو مناقضًا لكثير من المفسرين المحدثين، ومن جهة ثالثة فإن هذا المقطع يصور لنا بصدق تصويرًا ليس فيه أدنى ريب المنهج الذي يسير عليه سيد في فهم القرآن، كما يظهر لنا صراحته اللامتناهية وهو يطرق موضوعًا من الموضوعات المهمة التي لا تتعلق بعقيدة المسلمين فحسب، بل بما ينبغي أن يكونوا عليه في منهجهم الحركي، فهل كان هذا العنف -إن صحت تسميته- ملائمًا لما قرره القرآن من ناحية، ولظروف المسلمين التي يعيشونها من ناحية أخرى؟ ! !
هذا ما سأتحدث عنه إن شاء الله عند تقويم التفسير.
سيد والمدرسة العقلية:
لا نستطيع أبدًا أن نتصور أن مفسرًا للقرآن بله متحدثًا عن هذا الدين جاء بعد الشيخ محمد عبده دون أن يأخذ عنه أو يقبس منه أو يتأثر به، فلقد كان للشيخ ومدرسته أثر عظيم في اتساعه وانتشاره كما مر معنا، ولكن هؤلاء متفاوتون في ما يأخذون ويستحسنون، أو يردون ويرفضون. والذي يهمنا هنا أن ندرك مدى تأثر صاحب الظلال بهذه المدرسة.
مما لا شك فيه أن هناك أمورًا كثيرة يلتقي فيها الأستاذ مع هذه المدرسة فمحاربته الإسرائيليات والتركيز على وجوب صلة المسلمين بكتابهم، وعدم الخوض في مصطلحات العلوم، وإعادة كتابة التفسير بأسلوب سهلٌ، وعدم تحميل
النص القرآني ما لا يحتمل، والابتعاد بالتفسير عن التعصب المذهبي، كل أولئك وغيرها مما يشترك فيه سيد مع هذه المدرسة، ولعله قد أفادها منها كذلك، ولكن ليس معنى هذا أن الرجل يؤمّن على كل ما قاله هؤلاء، كما أنه ليس معنى ذلك أن الرجل كان يقف لهؤلاء بالمرصاد، يترصد عباراتهم لينقضهما، ولكنه كان يقتبس حينًا مستحسِنًا ويردّ حينًا آخر؛ وذلك لأنه كان ذا منهج خاص به منبثق من فقهه لعقيدته (1) وهنا لا بد أن نعرض لنماذج من الظلال لنستشف من خلالها صلته بهذه المدرسة.
إن من يقرأ في الظلال لا يجد صعوبة عليه أن يقع على بعض النقولات التي ينقلها سيد عن المنار مستحسنًا بعضها ومناقشًا بعضها الآخر.
فها هو عند تفسيره لسورة البلد يقول: (وللأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده في هذا الموضع من التفسير للسورة في جزء عم) لفتة لطيفة تتسق في روحها مع روح هذه (الظلال) فنستعيرها منه هنا
…
قال رحمه الله (ثم أقسم بوالد وما ولد ليلفت نظرنا إلى رفعة هذا الطور من أطوار الوجود، وهو طور التوالد، وإلى ما فيه من بالغ الحكمة وإتقان الصنع، وإلى ما يعانيه الوالد والمولود في إبداء النشء وتكميل الناشئ وإبلاغه حده من النمو المقدر له، فإذا تصورت في النبات ما تعاني البذرة في أطوار النمو، من مقاومة عوامل الجو ومحاولة امتصاص الغذاء مما حولها من العناصر إلى أن تستقيم شجرة ذات فروع وأغصان وتستعد، إلى أن تلد بذورًا أخرى تعمل معها وتزين الوجود بجمال نظرها -إذا أحضرت ذلك في ذهنك وارتقيت إلى ما فوق النبات من الحيوان والإنسان، حضر لك من أمر الوالد والمولود فيها ما هو أعظم ووجدت من المكابدة والعناء الذي يلاقيه كل منهما في سبيل حفظ الأنواع واستبقاء جمال الكون بصورها مما هو أشد وأجسم)(2).
(1) يتحدث سيد رحمه الله عن التزام هذا المنهج في البحث في مقدمة سورة الأنعام وهو يلوم كثيرًا الذين يلزمون أنفسهم بمناهج في التفسير غريبة عن طبيعة هذا الدين.
(2)
(6/ 3909).
ولكننا إذا تخطينا هذه المواضع، وكنا على صلة بما تقرره مدرسة الشيخ حول كثير من مسائل التفسير، نجد أن صاحب الظلال يقف من كثير من هذه المسائل على طرفي نقيض مع أعلام هذه المدرسة -مؤسسها ومن جاء بعده- ولكنه في بعض هذه المسائل لا يعرض لآراء هذه المدرسة، وإن كان يخالفها في الرأي، وذلك كحديثه عند تفسير الآيات التي تذكر الملائكة والسحر ومقام إبراهيم، فمن المعلوم أن للشيخ ومن سلك منهجه آراء خاصة في هذه الأمور لا داعي لذكرها، ولكن صاحب الظلال في مواضع كثيرة يعرض بصراحة لهذه المدرسة مبديًا عدم ارتياحه لمنهجها في البحث تارة، وللنتائج التي توصلت إليها تارة أخرى، يقول سيد معلقًا على عبارة (علماء أوروبا الأحرار) التي أوردها صاحب المنار: يجب أن ننبه في الظلال إلى دلالة مثل هذه العبارات (الأحرار) في مدرسة الشيخ محمد عبده وتلاميذها فقد كانت المدرسة بجملتها متأثرة بمناهج تفكير وأفكار غربية غريبة على منهج التفكير الإسلامي الخاص، وكان هذا التأثر يجعلها تنظر إلى كتاب أوروبا المناهضين للكنيسة بوصفهم أحرارًا، وكذلك الكتّاب الذين يكتبون عن الديمقراطية والحرية الغربية، وكذلك الأوضاع الأوروبية، نظرة استحسان، وكانت تدعو إلى الأخذ بما تسميه (الصالح من هذه الأفكار والأوضاع) بناء على ذلك التأثر
…
وهذا مزلق خطر كان يعطف عليه لورد كرومر وأمثاله من الصليبيين، والأمر في حاجة إلى نظرة أعمق وأوسع، وإلى استقلال واستغناء بالمنهج الإسلامي.
وها هو يعلق على ما قاله السيد رشيد رضا من أن الله أقام بناء الدعوة على أساس البراهين العقلية والعلمية المقنعة والملزمة يعلق سيد بقوله: (لا بد أن ننبه هنا إلى منهج مدرسة الأستاذ الشيخ محمد عبده المتأثرة بفلسفة غربية عن الإسلام وهي فلسفة ديكارت مما جعلها تركز تركيزًا شديدًا على العقل وتعطيه أكثر من مجاله في مسائل العقيدة، فلا بد أن نضيف إلى البراهين العقلية والعلمية البراهين الفطرية البديهية كذلك في هذا الدين، ومجاوبتها لكل الكينونة البشرية، بما فيها العقل والذهن (وعند قول السيد رشيد رضا بأن الرسول صلى الله عليه وسلم عاهد المشركين في الحديبية
على السلم والأمان حبًا للسلم ونشر دينه بالإقناع والحجة يقول سيد (هذا كلام صحيح إذا أريد به أن نشر العقيدة بالإقناع والحجة هو قاعدة هذه الحركة، ولكنه يتجاوز مداه المأمون حين يراد به أن الجهاد في الإسلام لا يكون إلا دفاعًا عن المسلمين، وأن السلم واجب في غير هذه الحالة كما يتجه المؤلف رحمه الله. (كما يذكر في أثناء حديثه عن الجهاد أن السيد رشيد رضا حاول أن يلم بحلقات سلسلة الأسباب التي أدت إلى الأحكام النهائية الواردة في سورة براءة، ولكنه لم يحاول أن يلم بأصل الاختلاف الجذري الدائم الذي ينشئ هذه السلسلة بحلقاتها (1) وهكذا يستمر معقبًا كلما سنحت له فرصة، فهو مثلًا لا يرضى بتفسير الشيخ محمد عبده (للنفاثات والحسد) ويقول إن هذا من ميل المدرسة العقلية لتضييق نطاق الغيبيات.
ولكننا إذا أردنا تفصيلًا شاملًا وبحثًا وافيًا، لرأي صاحب الظلال في المدرسة العقلية كما يسميها فإننا نجد ذلك كله عند تفسيره لسورة الفيل ويقول سيد رحمه الله (2):
(ويرى الذين يميلون إلى تضييق نطاق الخوارق والغيبيات وإلى رؤية السنة الكونية المألوفة تعمل عملها، أن تفسير الحادث بوقوع وباء الجدري والخصبة أقرب وأولى، وأن الطير قد تكون هي الذباب والبعوض التي تحمل الميكروبات فالطير هو كل ما يطير (ثم يسوق ما قاله الشيخ محمد عبده في تفسيره للسورة والذي يختمه بقوله:
(ونحن لا نرى أن هذه الصورة التي افترضها الشيخ الإمام
…
أو تلك. التي جاءت بها بعض الروايات من أن الحجارة ذاتها كانت تخرق الرؤوس والأجسام .. لا نرى أن هذه الصورة أو تلك أدل على قدرة الله ولا أولى بتفسير الحادث
…
إنّ
(1) الظلال (3/ 1587، 1588).
(2)
(6/ 3976 - 3979).
سنة الله ليست فقط هي ما عهده البشر، وما تعرف البشرية من سنة الله إلا طرفًا يسيرًا يكشفه لهم بمقدار ما يطيقون
…
فهذه الخوارق كما يسمونها- هي من سنة الله ولكنها خوارق بالقياس إلى ما عهدوه وما عرفوه.
ومن ثم فنحن لا نقف أمام الخارقة مترددين ولا مؤولين -متى صحت الرواية- أو كان في النصوص وفي ملابسات الحادث ما يوحي بأنها جرت خارقةً ولم تجر على مألوف الناس ومعهودهم. وفي الوقت ذاته لا نرى أن جريان الأمر على السنة المألوفة أقل وقعًا ولا دلالة من جريانه على السنة الخارقة للمألوف. فالسنة المألوفة هي في حقيقتها خارقة بالقياس إلى قدرة البشر
…
فأما في هذا الحادث بالذات فنحن أميل إلى اعتبار أن الأمر قد جرى على أساس الخارقة غير المعهودة
…
نحن أميل إلى هذا الاعتبار؛ لا لأنه أعظم دلالة، ولا أكبر حقيقة، ولكن لأن جو السورة وملابسات الحادث تجعل هذا الاعتبار هو الأقرب
…
فما يتناسق مع جو هذه الملابسات كلها أن يجيء الحادث غير مألوف ولا معهود بكل مقوماته وبكل أجزائه، ولا داعي للمحاولة في تغليب صورة المألوف من الأمر في حادث هو في ذاته وبملابساته مفرد فذ
…
إننا ندرك ونقدر دوافع المدرسة العقلية
…
فلقد كانت هذه المدرسة تواجه النزعة الخرافية الشائعة التي تسيطر على العقلية العامة في تلك الفترة كما تواجه سيل الأساطير والإسرائيليات التي حشيت بها كتب التفسير والرواية، في الوقت الذي وصلت فيه الفتنة بالعلم الحديث إلى ذروتها، وموجة الشك في الدين إلى قمتها، فكانت هذه المدرسة تحاول أن ترد إلى الدين اعتباره على أساس أن كل ما جاء به موافق للعقل، ومن ثم تجتهد في تنقيته من الخرافات والأساطير، كما تحاول أن تنشئ عقلية دينية تفقه السنن الكونية وتدرك ثباتها وأطوارها
…
ولكن مواجهة ضغط الخرافة من جهة، وضغط الفتنة بالعلم من جهة أخرى، تركت آثارها في تلك المدرسة
…
من المبالغة في الاحتياط والميل إلى جعل مألوف السنن الكونية هو القاعدة الكلية لسنة الله، فشاع في تفسير الأستاذ الشيخ محمد عبده كما شاع في تفسير تلميذيه الأستاذ رشيد رضا والأستاذ الشيخ عبد القادر المغربي رحمهم الله جميعًا- شاع في هذا التفسير الرغبة
الواضحة في رد الكثير من الخوارق إلى مألوف سنة الله، دون الخارق منها، وإلى تأويل بعضها، بحيث يلائم ما يسمونه (المعقول) وإلى الحذر والاحتراس الشديد في تقبل الغيبيات.
ومع إدراكنا وتقديرنا للعوامل البيئية الدافعة لمثل هذه الاتجاه، فإننا نلاحظ عنصر المبالغة فيه، وإغفال الجانب الآخر للتصور القرآني الكامل، وهو طلاقة مشيئة الله وقدرته من وراء السنن التي اختارها، سواء المألوف منها للبشر أو غير المألوف- هذه الطلاقة التي لا تجعل العقل البشري هو الحاكم الأخير ولا تجعل هذا العقل هو مرد كل أمر غيبٍ يتحتم تأويل ما لا يوافقه كما يتكرر هذا القول في تفسير أعلام هذه المدرسة
…
إن هناك قاعدة مأمونة في مواجهة النصوص القرآنية لعل هنا مكان تقريرها
…
إنه لا يجوز لنا أن نواجه النصوص القرآنية بمقررات عقلية سابقة ولا مقررات عامة، ولا مقررات في الموضوع الذي تعالجه النصوص، بل ينبغي أن نواجه هذه النصوص لنتلقى منها مقرراتنا الإيمانية ومنها نكون قواعد منطقنا وتصوراتنا جميعًا، فإذا قررت لنا أمرًا فهو المقرر كما قررته
…
ومن ثم لا يصلح أن يقال إن مدلول هذا النص يصطدم مع العقل فلا بد من تأويله- كما يرد كثيرًا في مقررات أصحاب هذه المدرسة، وليس معنى هذا هو الاستسلام للخرافة، ولكن معناه أن العقل ليس هو الحكم في مقررات القرآن، ومتى كانت المدلولات التعبيرية مستقيمة واضحة فهي التي تقرر كيف تتلقاها عقولنا، وكيف تصوغ منها قواعد تصورها ومنطقها تجاه مدلولاتها وتجاه الحقائق الكونية الأخرى .. ).
ولعل من المفيد هنا أن أختم هذا البحث بما أورده سيد في كتابه (خصائص التصور الإسلامي):
(لما أراد الشيخ محمد عبده أن يواجه الجمود العقلي في الشرق والفتنة بالعقل في الغرب جعل العقل البشري ندًّا للوحي في هداية الإنسان، ولم يقف به عند أن