الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يناسبه -يحيون أهل الجنة ويبكتون أهل النار). وهنا نراه قد التزم بالمنهج الذي خطه لنفسه.
ولكننا نراه يخالف هذا المنهج، حينما يحدد من هم أصحاب الأعراف، فإنه لم يقف عند الإيمان بظاهر النص، وهو أن هناك رجالًا يسمون أصحاب الأعراف، بل حددهم بأنهم عدول الأمم، والشهداء على الناس وفي مقدمتهم الأنبياء والرسل، واستشهد بآيات لا تدل على ما ذهب إليه.
وكما يفهم من كلام الأستاذ عدم احتجاجه بأحاديث الآحاد، في قضايا العقيدة نراه يؤول بعض هذه الأحاديث، كما فعل عند تفسير قول الله تعالى:{وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 43]، حيث أتى بقول الرسول صلى الله عليه وسلم (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله .. ) قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال:(ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته) فهو يقول (أما الحديث فمعناه- أن هذا الجزاء الذي يحصل عليه الطائع، ليس بدلًا مماثلًا لطاعته، وليس جزاءً مساويًا كالشأن بين البدلين، وإن كانت الطاعة هي التي أوجبته وتسببت فيه، والمعنى: لن يدخل أحدكم الجنة بعمل يساويها وما فيها من نعيم، ففضل الله عظيم سابغ، باعتبار جعله الجنة بدلًا من عمل محدود قليل، لا يطاولها ولا يقابلها في ذاته)(1) ونحن نعلم أن الجدل حول هذا الموضوع، احتدم بين المعتزلة وغيرهم، فحينما يرى المعتزلة أن العمل أساس في دخول الجنة، وأن دخولها بسببه حقيقة، يرى غيرهم خلاف ذلك، وهكذا نلمح آثارًا لمدرسة الاعتزال في تفسير الشيخ، وإن لم تبلغ ما بلغته عند آخرين من رجال هذه المدرسة.
3 - رأيه في تفسير بعض آيات الأحكام:
من المعلوم بداهة، أن الأستاذ الأكبر كغيره من رجال مدرسة الإمام، ينادون
(1) تفسير القرآن الكريم ص 496.
بفتح باب الاجتهاد على مصراعيه، فمن الظلم أن تكبل العقول ويحجر عليها، ومن المؤسف أن يوصف الإسلام بالجمود
…
هكذا يقررون، لذا فإن من الأهمية بمكان، معرفة آراء الشيخ شلتوت في بعض الأحكام، التي عرضت لها الآيات القرآنية، وسأعرض هنا لبعض آرائه من خلال تفسيره:
أ- فعند قوله تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [المائدة: 5] يعرض الشيخ لمسألتين: الأولى: حكم الأطعمة المستوردة من بلاد الكتابيين- ويذكر فيها رأيين للعلماء، رأي الجمهور: وملخَّصُه، أنها حلال ما لم نتأكد أنه ذكر عليها اسم غير الله، والرأي الآخر وهو أنها حلال ما لم يكن من المحرم لذاته، وهو الميتة والدم ولحم الخنزير، ويأتي الشيخ شلتوت بالفُتيين اللتين أصدرتهما لجنة الفتوى بالأزهر، وكانت الأولى في عهد الشيخ المراغي، وهي موافقة لفتوى الشيخ محمد عبده، أما الثانية أعني رأي الجمهور، فقد صدرت بعد ذلك في عهد الشيخ عبد المجيد سليم رحمهما الله ويرجح الشيخ رأي الجمهور فيقول: (وقد يكون من ذلك الاجتهاد، المقارنة بين هاتين الفُتيين، وإن الناظر في المعنى الذي لأجله حرم ما حرم على المؤمنين، وهو الابتعاد عما اتصل به ما ينافي التوحيد كذكر اسم غير الله، أو الذبح على النصب، وعما كانه تحريمه لمعنى في نفسه كالميتة وما عطف عليها لا يرى بدا من الحكم، بأن ذلك التحريم لا يرفعه إن كان الحيوان ملكًا لغير المسلم، أو طعامًا له، فإنه لم يعهد أن يحرم بشيء لمعنى على طائفة، ثم يباح لها إذا كان لغيره مع وجود معنى التحريم فيه. وإذا نظرنا إلى أن التكاليف الإسلامية وما تضمنته من تحليل وتحريم -وهي في واقعها، وفيما أراد الله من جعل الرسالة المحمدية وشرائعها- عامة لجميع الناس، وأن الناس جميعًا مكلفون بها، يظهر لهذا الرأي قوة فوق قوته. نعم جعل الشارع سبحانه عدم
إيمانهم بالرسالة قبيحًا لتركهم وما يدينون، وإن كان باطلًا في ذاته، وذلك تسامح منه سبحانه قضت به محبة الأمن والاستقرار، وعدم الإكراه في الدين، وهذه مبادئ قررها الإسلام صونًا للجماعة وحفظًا للنظام، أما قول المرجحين للإباحة "إن الله أباح طعام أهل الكتاب للمؤمنين وهو يعلم ما يقولون ويفعلون" فيقابله أنه سبحانه أباحه للمؤمنين وهو أيضًا يعلم ما حرمه عليهم، ويعلم أنهم يعلمونه، ويعلمون أن تحريمه لم يكن لأنه ملك لهم، بل لمعنى متصل به ومتحقق فيه ولا تأثير لصفة الملك عليه.
هذا موقفنا بين الفوتيين، وبعبارة أخرى بين الرأيين، ولكل مجتهد نصيب (1).
المسألة الثانية: -التزوج بالكتابيات- فبعد أن يذكر رأي المانعين والمثبتين، يرى أنه لا حجة في المنع فإنه وقف لحكم الآية أو نسخ لها، ولا دليل على ذلك.
ب- عند تفسيره لقول الله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ} [الأنعام: 151] يعرض لمسالة مهمَّة وهي حكم الإجهاض. ولقد أبدى الشيخ فيها رأيه، متفقًا مع أصول الشريعة وأقوال الفقهاء، غير ملتفت إلى هؤلاء الذين يريدون التجديد ولو على حساب دينهم، يقول:(وقد اتفقت أقوال الفقهاء على أن إسقاط الحمل قبل نفخ الروح فيه حرام، لا يحل لمسلم أن يفعله توهمًا منه أنه لا حياة فيه، فلا جناية بإسقاطه فلا حرمة، والتحقيق أنه حرام، لأن فيه حياة محترمة، هي حياة القبول والاستعداد، ثم ينقل عن الإمام الغزالي رضي الله عنه وعن بعض كتب الفقه، ما يؤكد ما ذهب إليه (2).
جـ - عند تفسير آية الوضوء في سورة المائدة (3)، يذهب في حكم التيمم للمسافر ما ذهب إليه الشيخ محمد عبده والسيد رشيد رضا من إباحة التيمم للمسافر مطلقًا، وينقل ما قالاه عند تفسير آية النساء، كما يرى عند تفسير قول الله
(1) تفسير القرآن ص 292 - 294.
(2)
التفسير ص 411.
(3)
التفسير ص 305.
تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] وجوب غسل الرجلين غير معتد بخلاف الشيعة وغيرهم.
د - عند تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204)} [الأعراف: 204] يتكلم عن استنباطات الفقهاء معلنًا أنها لا تعجبه ثم يأتي برأيه، وهو إن دل فإنما يدل على أصالة وفكر ثاقب، يقول الشيخ:(ثم توجه إليهم الأمر بالاستماع والإنصات إذا تلي عليهم القرآن، {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204)} [الأعراف: 204] فلا يقولون كما اعتادوا: {لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ} [فصلت: 26] ولعلهم إذا استمعوا وأنصتوا وقفوا على حقيقته وظهرت لهم أسراره، وعرفوا أنه المعجزة التي لا تطلب بعدها معجزة، فيستغنون به عن طلب المعجزات، ولا يقولون إذا لم تأتهم بآية من الآيات التي يقترحونها {لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا} [الأعراف: 203]، اختلقتها وافتعلتَها من تلقاء نفسك. هذا هو الوجه الذي ينبغي أن تفهم به هذه الآية الكريمة، ولا يعجبني تخريجها على أنها تشريع خاص للمؤمنين، فيما يختص بتحريم الكلام في الصلاة أو بالسكوت عند الخطبة، أو بالقراءة خلف الإمام، كما يذهب إليه كثير من العلماء، ويجعلونها مثار جدل ونقاش حول المسائل الثلاث، فإنها على أي وجه من هذه الوجوه، لا تلتئم مع السياق، ولا مع وقت النزول، والقراءة خلف الإمام سرًّا أو جهرًا، من المسائل الجزئية التي تختص بالمؤمنين في صلاتهم، ويبعد كل البعد أن يوكل بيان عدد الركعات والكيفيات الأولى للصلاة، إلى بيان الرسول عن طريق الوحي الباطني، دون أن يتعرض القرآن لشيء من ذلك، ثم يُعنى القرآن بخصوص القراءة خلف الإمام سرًّا أو لا سرًّا ولا جهرًا؟ فما أبعد هذه الآية عن هذه المسألة، ما أبعد هذه السورة في موضوعها وفي وقت نزولها عن الاهتمام بمثل هذا) (1)، وهكذا يتناسب فهم الشيخ مع سياق السورة وكونها مكية النزول.
(1) تفسير القرآن الكريم للشيخ ص 506، 507.