الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأولونَ رضي الله عنهم هذا المعنى فسمعنا حسانًا رضي الله عنه يقول:
فإن أبي ووالده وعرْضي
…
لعرْض محمد منكم وقاءُ
وسمعنا أبا بكر رضي الله عنه يبكي حين سمع قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن من أَمنِّ الناس على في نفسه وماله أبا بكر بن أبي قحافة" يقول: بأبي أنت وأمي يا رسول الله وهل أنفسنا وأموالنا إلا ملك يمينك.
فهل يفهم المسلمون الآن هذا
…
فيعلموا أن دينهم أولى بهم من أنفسهم وأموالهم، فيعملوا على مناصرته وإنقاذه
…
أم هم في غمرة ساهون
…
؟ اللَّهم فقهنا في دينك
…
وعلمنا من أسرار كتابك (1).
ثانيًا: نماذجُ من تفسيره العلمي المُسهَب:
ذكرتُ آنفًا أن هذا القسم من تفسير الشيخ البنا رحمه الله يتمثل فيما كتبه على صفحات مجلة المنار، حين فسَّر فواتح سورة الرعد، ونهج نهجَ الشيخ رشيد رضا، وسار على منواله، فبدأ الاختلاف واضحًا بين هذه الطريقة والطريقة التي قبلها. فإذا كانت النماذج السابقة تُجمل تفسير الآية، وتستطرد في دلالات فكرية وتربوية مستوحاة من معناها ومغزاها، فإن هذه النماذج يظهر فيها اللون العلمي لتفسير الشيخ البنا، وتبرز فيها شخصيتُه التفسيرية، كما برزت في النماذج السابقة شخصيتُه الدعوية التربوية.
وأختارُ هنا تفسير الشيخ رحمه الله للآية الأولى من سورة الرعد مع المقدمة التي أوردما بين يدي السورة، وتفسيره للآية السادسة من السورة نفسها.
1 -
قال الشيخ رحمه الله في بداية تفسيره لسورة الرعد:
يرى بعض العلماء أن من حرمة القرآن وتوقيره ألّا يقال سورة النحل وسورة
(1) جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية - السنة الرابعة- العدد 8 في 9 ربيع أول 1353 هـ/ 21 يونيه 1934 م.
الرعد وسورة البقرة
…
إلخ، ولكن يقال السورة التي يذكر فيها النحل والسورة التي يذكر فيها الرعد وهكذا. ولقد جرى على ذلك شيخ المفسرين الطبري فعنون لهذه السورة في تفسيره بقوله:"أول السورة التي يذكر فيها الرعد" وقد رد القرطبي على من قال بهذا الرأي فقال: هذا يعارضه قوله صلى الله عليه وسلم: "الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأ بهما في كل ليلة كفتاه". (أخرجه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود) ولعل هذا هو الأقرب إلى سماحة الإِسلام وابتعاده عن التعقيد الشكلي وفي اللغة والمجاز مَنْدُوَحة.
* مكان النزول:
قال ابن الجوزي: اختلفوا في نزولها على قولين:
أحدهما: أنها مكية رواه أبو طلحة عن ابن عباس وبه قال الحسن وسعيد بن جبير وعطاء وقتادة، وروى أبو صالح عن ابن عباس أنها مكية إلا آيتين إحداهما قوله تعالى:{وَلَا يَزَال الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ} [الرعد: 31]، والأخرى قوله تعالى:{وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا} [الرعد: 43].
والقول الثاني: أنها مدنية رواه عطاء الخراساني عن ابن عباس وبه قال جابر بن زيد، وروى عن ابن عباس أنها مدنية إلا آيتين نزلتا بمكة وهما قوله:{وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَال} [الرعد: 31]، وقال آخرون المدني منها قوله: {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ
…
} إلى قوله تعالى: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ} [الرعد: 12 - 14] وقال آخرون: نزلت آية منها بالجُحْفَة وهي قوله تعالى: {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي} [الرعد: 30] ، وتكاد الطبعات في المصاحف تُجْمع على أنها مدنية نزلت بعد سورة محمد صلى الله عليه وسلم.
ويلاحظ اضطراب الروايات عن ابن عباس رضي الله عنهما في تحديد المكي والمدني منها، ولعل ذلك من اشتباه الأمر على الرواة.
والذي يتفق مع القواعد العامة في تعريف المكي والمدني أن معظم هذه السورة الكريمة مكي.
فقد جعل العلماء من علامات المكي غالبًا أنه يعرض للعقائد وأدلتها من النظر في الكون واستجلاء عجائب طبع الله فيه مع الزجر والوعيد وبيانا جزاء المخالفين والمؤمنين؛ لأن ذلك هو الموافق لحال المخاطبين من الكفار والمشركين.
أما المدني فغالبه تقص فيه الأحكام التفصيلية من عبادات ومعاملات وغيرها. وأيضًا فمن علامات المكي أن يغلب فيه الخطاب والتعبير بـ {يَاأَيُّهَا النَّاسُ} ونحوها من ألفاظ العموم، على حين أن الخطاب والتعبير يغلب في المدني أن يكون بـ {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} ونحوها. والناظر في مقاصد السورة الكريمة يراها بحال المكيين وموقفه أَخْلَقُ فنحن نرجح القول بمكية معظمها
…
والله أعلم.
وعدد آياتها ثلاث وأربعون عند الكوفيين. وخمس وأربعون عند الشاميين، والسبب في ذلك اختلافهم في أن الآية الأولى هي:{المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ} أو إن {المر} وحدها آية و {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ} آية ثانية وما بقى بعدها ذلك آية ثالثة، فعلى الأول هي ثلاثة وأربعون، وعلى الثاني هي خمسة وأربعون، مع الاتفاق على جواز الوقف بل على استحسانه في كل موضع من هذه المواضع.
* المقاصد العامة في السورة:
عرضت السورة الكريمة لتقرير عظمة الخالق وإثبات المعاد والرد على منكريه مع التقديم لذلك بعرض الأدلة من ظواهر هذا الكون العجيب، والتقفية بضرب الأمثلة الرائعة لكل من الحق والباطل.
ثم عرضت بعد ذلك لقسمي المؤمنين والمخالفين وأوصاف كل منهما والأخلاق التي تنبتها في نفسه العقيدة وتنميها، وجزاء كل من الفريقين في الدنيا
والآخرة ثم تثبيت الرسول صلى الله عليه وسلم وارتقاب يوم الفصل الذي يعلم فيه الجاحدون لمن عقبى الدار.
وتستطيع أن تجمل هذه المقاصد السامية في أنها إثبات التوحيد والمعاد، وبيان ما ينتج من الإيمان بهما من أخلاق فاضلة وجزاء حسن كريم، والمقابلة بين ذلك وضده كما هي عادة القرآن.
* المناسبة بين هذه السورة الكريمة وما قبلها:
وتستطيع من ذلك أن تلمس المناسبة بين هذه السورة وبين السورة التي قبلها، ففي السورة التي قبلها أجمل يوسف عليه السلام عقيدة التوحيد في قوله:{يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39)} [يوسف: 39] وفي هذه السورة أفاض في بيان هذه العقيدة وتدعيمها بالأمثلة الواضحة والبراهين والأدلة.
وفي السورة التي قبلها تناول بالتحليل نفوس إخوة يوسف وما استولى عليها من أخلاق إذ ذاك دفعتهم إلى ما فعلوا بأخيهم ثم ما كان بعد ذلك من توبتهم ومسامحته إياهم واستغفار أبيهم لهم، وفي هذه بسط لأخلاق المؤمنين كالتأكيد لما ذكر هنالك والتبين له.
وفي سورة يوسف أجمل الإشارة إلى ما في الكون من روائع الآيات وإن أعرض الناس عنها ولم يكلفوا أنفسهم عناء النظر فيها فذلك قوله تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105)} [يوسف: 105]. وفي هذه السورة الكريمة تناول هذا الإجمال بالتفصيل المبين، فذكر من آيات الله في السماء والأرض والشمس والقمر والليل والنهار والماء والنبات والرعد والبرق
…
إلخ ما يلفت الأبصار الزائغة، ويسترعى الأفئدة الغافلة المعرضة.
ولما كانت سورة يوسف قد تناولت بالبيان والتفصيل ما كان من جدود اليهود والنصارى وهم أبناء يعقوب بالنسبة لأخيهم، ثم ختمت بأن في قصص هؤلاء
وغيرهم من أنبياء الله الذين قصَّ الله من نبئهم على رسوله صلى الله عليه وسلم عبرة لأولى الباب، وكان ذلك مظنة اعتراض من اليهود على عادتهم في التحريف والعناد، جاءت فاتحة سورة الرعد مؤكدة لكل هذه المعاني فذلك قوله تعالى:{وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ} وبذلك ينقطع عليهم سبيل الاعتراض ويتقرر المعنى في نفس القاري والسامع.
ولما كان ختام سورة يوسف قد عرض لحقيقة الدعوة القرآنية وسبيلها في قوله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف: 108] ، مع بيان أن هذه الدعوة ليست بدعًا من دعوات المرسلين، ولا مخالفة لما جاءوا به، وكانت المناسبة تامة بين السورتين، فقد جاء كذلك في ختام سورة الرعد عرض لهذه الدعوة الكريمة في قوله تعالى:{قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ} [الرعد: 36]، ثم ذكر بعدها طرفًا آخر من شؤون المرسلين من قبل لبيان أن محمدًا صلى الله عليه وسلم لم يكن في أحواله بدعًا منهم فقال:{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا} [الرعد: 38].
وإذا نظرنا إلى أن سورة يوسف كلها جاءت تفصيلًا لما وقع من ذرية يعقوب وأبنائه عليه السلام، رأينا أن ورود هذه الآية الكريمة في سورة الرعد إجمال في الدليل يتكئ على ذلك، وسيأتي التفصيل، فالمناسبة تامة ولا شك.
وثَمَّ وجوه أخرى من المناسبات يطول بنا الأمر إذا أردنا أن نتقصاها، وسيأتي بعضها خلال التفسير إن شاء الله.
{المر} الكلام في فواتح السور بهذه الحروف الكريمة تقدم مسهبا، واختار صاحب المنار في ذلك أنها أسماء للسور، وقد يُعتَرض على هذا القول بأن ذلك يتجه لو لم يكن لهذه السور أسماء، أما وقد سميت بعد ذلك فما الحكمة في تعدد التسمية؟ .
وقد أشار الحافظ ابن كثير إلى أن كل سورة تفتتح بمثل هذه الحروف ففيها الانتصار للقرآن وبيان أحقيته، مما يدل على أن المقصود بها لفت النظر إلى اختصاصه بالإعجاز، مع أنه مركب من جنس هذه الحروف التي تفتتح بها السور، ومن طرائفه في ذلك أنه نقل عن بعضهم: أن مجموع حروف الفواتح في القرآن أربعة عشر حرفًا يجمعها قولك: (نص حكيم قاطع له سر)، ولا شك أنه استئناس طريف ولكن غير مقصود طبعًا.
وقد قيل في تأكيد هذا المعنى -وهو أن هذه الحروف في فواتح السور للإشارة إلى الإعجاز- أنك لو أمعنت النظر في حروف كل سورة من السور التي تفتتح بالحروف المقطعة، لوجدت حروف الافتتاح أكثر الحروف دورانًا فيها، وعلى هذا القول نستطيع أن نفهم حكمة اختلاف هذه الفواتح فهي أحيانا:{الَم} فقط، وأحيانا {المص} وأحيانًا {الَر} وأحيانا {المر} وتتضح لك بهذا حكمة زيادة الميم في فاتحة الرعد بخلاف ما قبلها وما بعدها. ونُقل عن ابن عباس أن الحكمة في زيادة الميم في هذه الفاتحة أن معنى الفواتح السابقة في {الَرَ} فقط: أنا الله أرى، وأما في هذه فمعناها: أنا الله أعلم وأرى بزيادة أعلم، على ما نقل عن ابن عباس في أن هذه الحروف أجزاء كلمات، والقول الأول أوضح وأبين.
ومما يعجبني في حكمة افتتاح السور بهذه الحروف ما أشار إليه الحافظ ابن كثير أن المراد التحدي بنفس هذه الحروف، وبيان ذلك أن المعلوم لدى قريش ومن جاورها -بل لدى كل من عرف النبي صلى الله عليه وسلم واتصل به- أنه أميّ لم يقرأ ولم يكتب فحين يفجأ الناس باستفتاح كهذا في أول تلاوته للقرآن، فهو بلا شك سيسترعي التفاتهم لما يقرأ من جهة، وسيحملهم على التفكير في مصدر هذا العلم الجديد الذي طلع عليهم به من جهة أخرى، والتفكير سلم الهداية وأول خطوات الإيمان الصحيح، ثم نقول بعد هذا: والله أعلم بمراده بذلك، كما كان يقول سلفنا رضوان الله عليهم.
{تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ} إشارة إلى آيات القرآن الكريم وتأكيد لمعنى أحقيته ونزوله من عند الله تبارك وتعالى، وأنه لا شك فيه ولا مرية: إنه تبارك وتعالى لما أشار في سورة يوسف إلى القرآن الكريم وبيَّن أنه سيقص على نبيه فيه أحسن القصص، ثم ختم السورة بأن هذه القصص القرآنية عبرة لأولى الألباب وتصديق لما بين يديها من الكتب السماوية السابقة والشرائع الإلهية الماضية، وهي بعد ذلك كله تفصيل كل شيء ينفع الناس في دينهم ودنياهم، وهي كذلك هدى ورحمة لقوم يؤمنون بها ويصدقون، لما تقدم ذلك في فاتحة السورة وختامها، أكَّد ذلك المعنى في فاتحة هذه السورة فقال: تلك آيات الكتاب بخصائصها وروعتها وصفاتها النافعة الجليلة التي تقدمت، وهي حق من عند الله لا شك فيه ولا مرية.
{وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ} لما ذكر في الآية السابقة صفات هذه الآيات وأنها عبرة وتصديق وتفصيل وهداية ورحمة ختم ذلك بأن الذي يستفيد هذه الفوائد جميعًا إنما هم المؤمنون المصدقون، وقد ورد: أنه ما جلس أحد إلى القرآن إلا زاد أو نقص، فإن كان مؤمنًا زاد إيمانًا وهدى، وإن كان غير ذلك نقص:{وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (82)} [الإسراء: 82].
لما ذكر ذلك قرر في هذه الآية ناموسًا اجتماعيًا، وهو أن أكثر الناس لا يؤمنون، وقد تكرر هذا المعنى كثيرًا في القرآن الكريم، وقلما تذكر الكثرة إلا ومعها الضلالة والإعراض، وقلما تذكر القلة إلا ومعها الهداية والنور والإنتاج. وتأملْ ذلك في قوله تعالى:{وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103)} [يوسف: 103]، {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنعام: 116] ، {وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [الأعراف: 17] ، {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ} [البقرة: 243] {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا} [التوبة: 25]، إلى جانب قوله تعالى:{وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13] ،
{إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ} [ص: 24]، {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ} [آل عمران: 123] ، {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 249]
…
إلخ، تجدْ ذلك يكاد يكون مطردًا، وأنت إذا طالعت مصداق ذلك في شؤون الناس وأحوال الدعوات، وجدته صحيحًا مطردًا. فما من دعوة حق إلا كان أهلها قليلًا بالنسبة لمن يناوؤها من أهل الباطل والدهماء، ولكنك إلى جانب هذا تجد أن الغلبة دائمًا للقلة المحقة والنصر دائمًا إلى جانبها. وبذلك يتضح لك وجه الجمع بين ما سبق من وعد الله لدينه أن يظهره على الدين كله، مع تقرير أن أكثر الناس لا يؤمنون الإيمان الكامل الحق، ولو مع الحرص على ذلك، ومن ذلك تعلم أن قول ذلك العربي:(وإنما العزة للكاثر) لا يتمشى إلا إذا تساوت الفئتان في غير العدد من وسائل القوة وزادت إحداهما الكثرة، أما إذا يتميز أهل الحق من أهل الباطل فقد كتب الله الغلبة للمحقين مهما كان عدد خصومهم كثيرًا:{وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 47].
والسر في انصراف أكثر الناس عن الإيمان أن الإنسان تتجاذبه قوتان تحاول كل منهما أن تتغلب عليه وأن توجهه وجهتها: قوة الخير التي يؤازرها العقل ويرشدها الوحي ويقويها العمل الصالح، وقوة الشر التي تمدها الشهوات ويزينها الشيطان ويقود إليها الهوى، وتغري بها زخارف المادة وأعراض الحياة الدنيا ولذائذها، وتزداد ضراوة بالمعاصي والمخالفات.
ولما كان العقل والوحي وما إليهما من عالم النفس السامية الفاضلة، وكانت الشهوات والأهواء والزخارف المادية من عالم هذا الحس، وكان الإنسان ما دام في حياته الدنيا فهو إلى الحس أقرب وبه ألصق، ولا يقوى على مقاومة هذه الدوافع إلى الشر إلا بتوفيق رباني وإرادة قوية ومجاهدة دائمة وعزيمة صادقة، وهو ما يشق على أكثر النفوس، من هنا كان أكثر النوع الإنساني ماديًا دنيويًا إلا القليل الذي بلك عنان نفسه، وقوي على التصرف في عوالم حسه، واستعان بطاعة الله على تثبيت
هذا الإيمان الكريم وسلوك هذا المسلك القويم. وتأمل الإشارة إلى ذلك في قوله تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23)} [المعارج: 23]. وتأمل دوران هذا المعنى في كثير من الآيات التي ورد فيها ذكر الإنسان.
وانظر كيف أن صوارف الحس ونوازع النفس وتعلق الروح بالمادة، لا تزال تحاول أن تصرف الإنسان عن إيمانه لأقل المناسبات حتى بعد أن تثبت العقيدة وترسخ، وانظر مصداق ذلك في الآية الكريمة:{وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَال إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 138 - 139] ، وإلى ما كان من بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة حُنَين حينما مروا بشجرة للمشركين كانوا يعلقون عليها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط، فقالوا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"سبحان الله! ! هذا كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة، والذي نفسي بيده لَتركبن سَنَنَ من قبلكم". (رواه الترمذي عن أبي واقد الليثي رضي الله عنه.
تأمل ذلك كله لتعلم صدق هذا الناموس الخالد: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ} وليس معنى أنهم (لا يؤمنون) أن يكونوا جميعًا كفارًا ولا شك، بل يدخل في معنى الآية أن من الناس من لا يؤمنون ظاهرًا ولا باطنًا، وهم الكفار على اختلاف أنواعهم من وثنيين وكتابيين وملاحدة وزنادقة
…
إلخ، ومنهم من يؤمن ظاهرًا ولا يؤمن قلبه كالمنافقين، ومنهم من يؤمن قلبًا ولا يؤمن عملًا كعصاة المسلمين، ومنهم من لا يتحقق بصفات أهل الإيمان الباطنة مع قيامه بأعمالهم الظاهرة فيكون ناقص الإيمان، ومنهم من يتردد بين الشك والإيمان وهكذا.
والحكمة في تقرير هذا الناموس في كتاب الله تبارك وتعالى أمور:
منها: تعزية المصلحين الذين يقضون الزمن الطويل في الجهاد العنيف والكفاح
المُمِضِّ ثم يرون أنهم بعد ذلك كله لم يظفروا إلا بالعدد القليل من المؤمنين، وفيه إلى جانب هذه التعزية إرشاد لأصحاب الدعوات أن تكون وجهتهم في التكوين أولًا الكيف لا الكم، والإيمان الصادق بالمبدأ والعقيدة، لا العدد الكثير الذي لا يغني شيئًا، ولهذا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم شطر مدة الدعوة في مكة يتخير لها الأكفاء حتى مكث مدة طويلة ولمّا يبلغ أصحابه الأربعين ولكن الرجل منهم كان أمة وحده.
ومنها: إرشاد المؤمنين إلى وجوب حياطة إيمانهم بصلاح العمل ومجاهد النفس وسد الذرائع والبعد عن الشبهات واتباع سبيل الله حتى لا ينتكسوا ويعودوا بعد الإيمان الكامل إلى مرتبة دون هذه المرتبة، وأكثر ما يكون ذلك إذا قلدوا غيرهم من الأمم وسلكوا سبيل سواهم ممن لا يدين دينهم ولا يعتقد عقيدتهم:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [آل عمران: 100 - 101].
وفي الآية الكريمة إشارة إلى أن الإيمان لا يكون كاملًا حقيقيًّا إلا إذا اعتقد المؤمن أن هذا القرآن حق نزل من عند الله ثم عمل على إنفاذه وجعله حكمًا على نفسه والله أعلم (1).
2 -
وفي تفسير قوله: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (6)} [الرعد: 6] قال الشيخ البنا رحمه الله: "بعد أن فصلت الآيات السابقة مظاهر قدرة الله تبارك وتعالى وأدلة عظمته وعجائب صنعه في الكون، ذكرت الشبهات التي يتذرع بها الجاحدون في إنكار نبوة الأنبياء، ويبررون بها انصرافهم عما جاء به الرسل الكرام من الهدى والنور. ومن هذه الشبهات استبعاد أمر البعث والخلق الجديد بعد
(1) مجلة المنار -مجلد 35 - جزء (5) في غرة جمادى الثانية سنة 1358 هـ - 18 يوليو سنة 1939.
الموت والفناء، ومنها استبطاء العقوبة على التكذيب واستعجالها لتكون دليلًا على صدق المبلِّغ عن الله تبارك وتعالى في دعواه، ومنها اقتراح الآيات والمعجزات. فأما الشبهة الأولى فقد فصلتها الآية الكريمة وردتها في قوله تبارك وتعالى:{وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَال فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (5)} [الرعد: 5] ، وأما الشبهتان الباقيتان فقد أشير إليهما في الآيتين الكريمتين كما عرض لهما القرآن الكريم في سور كثير ماضية وتالية.
{وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ} ويطلبون إليك أن يوقع الله بهم العذاب والعقوبة قبل النعمة والعافية، وهذا خُلُقٌ من أخلاق الجاحدين المعاندين في كل زمان ومكان استكبارًا في الأرض وتعاليًا بالباطل وبَطَرًا على الحق، ولقد حكى الله عن قوم هود عليه السلام في سورة الأعراف:{قَالوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (70)} [الأعراف: 70]، كما حكى عن قوم نوح في سورة هود عليه السلام:{قَالوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (32) قَال إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ} [هود: 33]، كما حكى ذلك عن كفار قريش في كثير من الآيات ففي سورة الأنفال:{وَإِذْ قَالوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (32)} [الأنفال: 32]، وفي سورة العنكبوت:{يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (54)} [العنكبوت: 54]، وفي سورة يونس:{وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (48)} [يونس: 48].
وهذا الخُلُقُ غريب حقًّا في الإنسان، فإن مقتضى العقل السليم الذي يتحلّى به هذا الجنس البشري أن يطلب الهداية والعافية بدلًا من العذاب والنقمة، وما أظرف رد هذا السبأي الذي خاطبه معاويةُ بقوله: ما أجهلَ قومك حين ملَّكوا عليهم امرأةً، فقال: أجهلُ من قومي قومُك حين قالوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء، ولم يقولوا: فاهدنا له.
ولعل السر في ذلك أن الإنسان مفطور على نوع من التعالي والكبرياء يجعل قبوله للحق أمرًا شديدًا على نفسه لا يستطيعه إلا من ألهمه الله الرشد وهداه سواء السبيل.
وقد سبق في الجزء الأول من هذا التفسير إشارة لطيفة إلى هذا المعنى فقد جاء هنالك ما نصه: (إن كُلَّ قوة من قوى هذه الأرض وكُلَّ ناموس من نواميس الطبيعة فيها خُلِقَ خاضعًا للإنسان. وخُلِقَ الإنسان مستعدًا لتسخيره لمنفعته إلا قوة الإغراء بالشر وناموس الوسوسة بالإغواء الذي يجذب الإنسان دائمًا إلى شر طباع الحيوان ويعيقه عن بلوغ كماله الإنساني، فالظاهر من الآيات أن الإنسان لا يَغلب هذه القوة ولا يُخْضِعُها مهما ارتقى وكَمُلَ، وقُصارى ما يصل إليه الكاملون هو الحذرُ من دسائس الوسوسة، والسلامة من سوء عاقبتها بألا يكون لها سلطان على نفس الكامل تجعله مسخرًا لها وتستعمله بالشرور كما قال تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الإسراء: 65] ، وقال عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201)} [الأعراف: 201]، قال صاحب التفسير (1) -ثم زاد الأستاذ (2) هنا قوله-: أما سلطان تلك القوة في الفناء، ؤقطع حركة الوجود إلى الصعود، فلا يستطيع إخضاعه لقدرته من البشر كامل ولا يقاوم نفوذه عامل، وإنما ذلك لله وحده وهذا حكمها في الكائنات إلى أن تبدل الأرض غير الأرض والسماوات). أهـ.
والمراد بهذا الكلام -كما ترى-: بيان قوة الشر ونزعاته ووضوح أثرها في الوجود وسهولة انجذاب النفوس إليها وسرعة التصاقها بها، وليس المراد استحالة التخلص منها، فإن من عصمه الله تبارك وتعالى وحفظه ويسَّره لمغالبة الشرور وأعانه على مقاومة النزعات الفاسدة والوساوس المضلة كان منها بمنجاة -ولا شك- كما تشير إليه الآية الكريمة.
(1) المقصود بصاحب التفسير هو الأستاذ/ رشيد رضا.
(2)
المقصود بالأستاذ هو الإِمام/ محمد عبده.
ووجه العبرة فيما تقدم أن يَتنبَّه الإنسان لقوة هذه الناحية في نفسه وفي ناموس الخليقة، وأن يراقب نفسه مراقبة دقيقة، وأن يَخضد فيها دائمًا شوكة الكبرياء الكاذب والتأبِّي على الحق، وأن يلح على الله في الدعاء أن يجعله من أهل الهداية والتوفيق الذين لا يجد الشيطان إلى نفوسهم سبيلا.
{وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ} خلت: مضت وذهبت، والمثلات جمع مَثُلَة قال الراغب: والمَثُلَة نقمةٌ تنزل بالإنسان فيُجعل مثالًا يرتدع به غيرُه وذلك كالنَّكال وجمعه مُثُلات ومَثُلات، وقد أمثلَ السلطانُ فلانًا إذا نكَّلَ به. وقال ابن جرير يقول تعالى ذكره:(ويستعجلونك يا محمد مشركو قومك بالبلاء والعقوبة قبل الرخاء والعافية فيقولون {اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (32)} [الأنفال: 32] وهم يعلمون ما حل بمن خلا قبلهم من الأمم التي عَصَت ربها وكَذَّبت رسلها من عقوبات الله وعظيم بلائه، فمن بين أُمة مُسخت قرَدَة وأخرى خنازير، ومن بين أُمة أُهلكت بالرجفة وأخرى بالخسف، وذلك هو المَثلات التي قال الله جل ثناؤه:{وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ} والمَثلات: العقوبات المنكِّلات، والواحدة منها مَثُلَة بفتح الميم وضم الثاء ثم تجمع مَثُلات كما واحدةُ الصدقات صدقة ثم تجمع صدقات، وذُكر أن تميما من بين العرب تضم الميم والثاء جميعًا من المُثُلات، فالواحدة على لغتهم منها مثلة ثم تجمع مثل غرفة وغرفات، والفعل منه مثلت به أمثل مثلا بفتح الميم وتسكين الثاء، فإذا أردت أنك أقصصته من غيره قلت أمثلته من صاحبه أمثلة مثلا وذلك إذا أقصصته منه وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل). أهـ.
وفي الآية تبكيت لهم على هذه الغفلة التي تجعلهم يتناسون الاتعاظ بغيرهم وتجاهلِ ما حل بسواهم من السابقين، وفي المثل:(السعيد من وُعظَ بغيره والشقي من وُعظ بنفسه). وبهذا تقرر الآية الكريمة ناموس العبرة والعظة وتلفت إليه الأمم والشعوب.
واعلم أن العبرة والعظة لا تنحصر في الفرد ولا في الجماعة على الاعتبار بحال غيرهما وعاقبته، بل تكون كذلك في الفرد وفي الجماعة بها بما يقع لهما من الحوادث، فالفرد الذي يحرص على الاستفادة من تجاربه ونتائج أعماله يزيد صوابه دائمًا فتزيد سعادته، ويقل خطؤه فيزول شقاؤه، وكذلك الأمة والفرد الذي لا يعتبر ولا يستفيد من تجاربه ونتائج أعماله يظل على خطئه وضلاله فلا يلقى إلا الخسارة والوبال، وإلى هذا يشير حديث أبي هريرة رضي الله عنه:"لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين". (رواه أحمد في مسنده والبخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه). ولا يُعرض عن الانتفاع بالآيات والنذر إلا الجاحدون الذين لم يتمكن الإيمان من قلوبهم والله تبارك وتعالى يقول: {وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ} [يونس: 101].
ولو أن المسلمين راجعوا تاريخهم وتاريخ الأمم السابقة والمعاصرة وأنعموا في ذلك النظر لخلصوا بكير من العبر ولاستطاعوا أن يجدوا في صفحات هذا التاريخ دروسًا وافية تدفعهم إلى العمل وتجنبهم الأخطاء والزلل ولو ذهب الباحث يستقصي ذلك لأعجزه حصره، ولقد علم الناس لو يتعلمون.
ولا نريد أن نفيض في ذكر حوادث التاريخ وعبره فذلك ما لا يُستطاع، ولكنا نلفت أنظار المسلمين إلى عبرتين واضحتين في التاريخ الحديث: واحدة تتصل بتاريخهم وحياتهم، والثانية تتصل بتاريخ غيرهم وحياته.
* قامت الحرب العالمية الماضية سنة 1914 - 1918 وللمسلمين حكومة جامعة، ودولة واسعة، ووحدة قائمة، وإن كان قد دب في ذلك كله الضعف والوهن، ولكنهم زادوا هذا الضعف ضعفًا بتفرقهم وتباغضهم وتحاقدهم ونسيانهم الأخوة الإِسلامية ورابطة الدين والعقيدة التي هي أقدس الروابط وأوثق الوشائج والصلات، ودب فيهم دبيب الفكرة العنصرية، فالأتراك يحاولون تتريك عناصر الدولة وإظهار الشعائر الطورانية، والعرب يحلمون بالاستقلال على أساس من
الوحدة العربية، وبذلك دب إلى النفوس الإِسلامية داء الأمم من قبل: البغضاءُ وفسادُ ذات البَين التي تفسد أمر الدنيا والدين، وهبت عواصف الحرب فزادت دسائسها ومكائدها النفوس جفوةً وتباعدًا، وكان أن ثار العرب على الحكومة التركية وصار المسلمون قسمين كلُ قسم إلى صف عدو من أعداء دينهم وقوتهم وجامعتهم، وانتهت الحرب بتفريق جامعتهم وضياع الرسم الباقي من خلافتهم وانحلال حكومتهم، وكان ذلك جزاء وفاقًا بما كسبت أيديهم ومثلة منذرة بعاقبة المقصرين المفرطين .. هذه عبرة من تاريخنا يجب أن نطيل إليها النظر في هذا العصر الذي لا يعيش فيه إلا الأمم القوية بعددها وعدتها ورابطتها وإيمانها، ونعمل جاهدين لإحياء الجامعة الإِسلامية والوحدة المحمدية، ولا ننخدع أبدًا
…
أبدًا بهذه الوعود الكافرة الجاحدة، بل نعتمد على أنفسنا ونستمد النصر والتأييد من الله وحده وبذلك تعود إمامة المسلمين وتتجدد دولتهم.
وقامت هذه الحرب الحاضرة (1) بين قوتين عظيمتين في أوروبا بين الدولة الألمانية ومن شايعها من جانب وبين فرنسا وإنجلترا ومن شايعهما من جانب آخر، وما كان الناس يظنون أو يخطر ببالهم أن دولة غنية مجهزة مستعدة كفرنسا تُهزم شر هزيمة في أيام قلائل ويقضي على استقلالها وجيشها وسلطانها ويحتل عدوها أرضها ويتحكم في كل مقدراتها، هذا أمر لم يكن يخطر ببال أحد بمثل هذه السرعة العجيبة ولكن رئيس وزرائها (المسيو بيتان) قد أماط اللثام عن سر ذلك بكلمته المشهورة:(لقد أتت الهزيمة من الانحلال، ودمرت روح الملذات ما شيدته روح التضحية) وكان ذلك مصداقًا للناموس الإلهي الخالد في حياة الأمم والشعوب: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الأنفال: 53]، وقال تعالى:{وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16)} [الإسراء: 16] ومع هذا فما زال كثير من المسلمين يُعجَبون
(1) المقصود بالحرب الحاضرة هي الحرب العالمية الثانية من 1939 - 1946 م.
بحياة فرنسا الزائلة ويتغنون بآدابها وفنونها ومفاتنها التي صرفت شعبها عن الجد والتضحية إلى اللهو والملذات فحق عليها القول وصارت مَثُلَةً بين الدول في هذا المصير
…
(1) وهذه عبرة أخرى من تاريخ غيرنا ممن يعاصروننا ويتصلون بنا أوثق اتصال يجب كذلك أن نطيل النظر فيها، ونعمل جاهدين على بناء نهضتنا على دعائم قوية صحيحة من الجد والعمل والخلق والإيمان والتضحية والكفاح، فإن البقاء دائمًا للأصلح. {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} .
{وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ} إن الله تبارك وتعالى لم يخلق الخلق عبثًا ولم يتركهم سدى، وإنما خلقهم ليبلوهم أيهم أحسن عملًا، وليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى، وفي الإنسان الاستعداد القابل للخير والشر:{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)} [الشمس: 7 - 10] ، وإنما تجئ الأديان لِتُقَوِّيَ في النفوس البشرية معاني الخير، وتبين لها طرق المقاومة لنوازع الشر، وبذلك تهتدي إلى الصراط المستقيم:{قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المائدة: 15 - 16]، والنفس الإنسانية إنما تقاد إلى الخير وتُوزَعُ عن الشر بأحد عاملين: إما الخوف، وإما الرَّجاء بالرغبة أو بالرهبة، ولا بد من تعادل هذين العاملين في التأثير في النفس وإلا كانت عرضة للانحراف، فإذا غلبها الخوف بغير رجاء أدَّاها ذلك إلى اليأس، وإذا غلبها الرَّجاء بدون خوف أَدَّاها ذلك إلى التحلل والإباحة، ومن هنا كان ناموس المؤاخذة من الله لخلقه دائرًا بين هذين العاملين، فهو سبحانه وتعالى يطمعهم في رحمته ومغفرته وفاقًا لقانون الفضل الرباني ثم يحذرهم سطوته وعقوبته وجبروته إحقاقًا للعدل الإلهي.
(1) كُتب هذا المقال وفرنسا ترزح تحت الاحتلال الألماني بعد هزيمتها عسكريًا واحتلال أراضيها.
قال الحافظ ابن كثير في تفسير هذا الشطر من الآية الكريمة: أي أنه تعالى ذو عفو وصفح وستر للناس مع أنهم يظلمون ويخطئون بالليل والنهار، ثم قرن هذا الحكم بأنه شديد العقاب ليعتدل الرَّجاء والخوف كما قال تعالى:{فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147)} [الأنعام: 147] وقال: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} [الحجر: 49 - 50] إلى أمثال ذلك من الآيات التي تجمع الرَّجاء والخوف.
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن علي بن زيد بن سعيد بن المسيب قال لما نزلت الآية: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لولا عفو الله وتجاوزه ما هنا أحدًا العيش، ولولا وعيده وعقابه لاتَّكَل كلُّ أحد". وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد". (رواه مسلم).
وذهب ابن جرير إلى أن المغفرة المذكورة هنا خاصة بالمؤمنين التائبين والعقوبة للكافرين والعاصين، وأن الكلام إن كان خبرًا في ظاهره فإنه وعيد وتهديد للمشركين من أهل مكة إن لم يتوبوا وينيبوا إلى الله تبارك وتعالى قبل أن يحل عليهم غضبه وعقوبته ونقمته، ولا ينافي هذا ما ذكرناه من تقرير الناموس العام في حكمة ذكر الثواب والعقاب والعدل والرحمة مقترنين دائمًا في كتاب الله.
واستدل الأشاعرة بقوله تعالى: {عَلَى ظُلْمِهِمْ} بعد ذكر المغفرة، على مذهبهم من جواز العفو عن صاحب الكبيرة قبل التوبة، وقد أطال النيسابوري في توجيه هذا الاستدلال وكأنهم يريدون أن يجعلوا الظلم المذكور في الآية إنما يراد به التلبس بالإثم والعصيان
…
والذي تطمئن إليه النفس أن المراد بالظلم هنا ما عرف من قوة ميل النفس الإنسانية إلى الشر أكثر مما تميل إلى الخير حتى صار ذلك وصفًا ملازمًا
لها لاصقًا بها، وقد تردد هذا المعنى في كثير من آيات القرآن الكريم، وجاء ذكر الإنسان والنفس الإنسانية مقرونًا بالظلم تارة، وبالجحود تارة أخرى، وهكذا قال تبارك وتعالى:{إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّار} [إبراهيم: 34]، وقال تعالى:{وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72]، وقال تعالى:{إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} [يوسف: 53]، ويكون المراد على ذلك والله أعلم: أن الله تبارك وتعالى يغفر للناس تفضلا منه وكرما وإن كانت طبائعهم إلى الشر والظلم أقرب.
ومن ذلك تعلم أن الإنسان في أشد الحاجة إلى محاسبة نفسه ومراقبتها أدق المراقبة ومقاومة غرائز السوء فيها، وتقوية عوامل الصلاح والخير التي تحيط بها حتى يسلس له قيادها ويسير في الطريق المستقيم، وذلك بإشعارها الخوف تارة وأخذها بالشدة والقسوة، وإشعارها الرَّجاء تارة أخرى وأخذها باللين والأمل.
قال الإِمام النووي في رياض الصالحين: (اعلم أن المختار للعبد في حال صحته أن يكون خائفًا راجيًا ويكون خوفه ورجاؤه سواء، وفي حال المرض بمحض الرَّجاء، وقواعد الشرع من نصوص الكتاب والسنة متظاهرةٌ على ذلك
…
فيجتمع الخوف والرجاء في آيتين مقترنتين أو آيات أو آية واحدة). أهـ.
وكأن رحمه الله أشار بتغليب الرَّجاء في حال المرض إلى قوله صلى الله عليه وسلم في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قبل موته بثلاثة أيام يقول: "لا يموتَنَّ أحدكُم إلا وهو يُحسنُ الظن بالله عز وجل". (رواه مسلم).
والقاعدة التي يجب أن يسير عليها الإنسان دائمًا الفرار إلى الخوف إذا استنام إلى الرَّجاء، والفرار إلى الرَّجاء إذا استبد به الخوف، وهكذا لا يزال يكسر حدَّةَ أحدهما بالآخر بحسب حاله في مجاهدة نفسه.
وفي التعبير بالربوبية في قوله تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ} إشارة إلى عظيم لطف الله تبارك وتعالى بعباده ووعده إياهم بفضله وبره، وأن المراد بالثواب والعقاب إنما هو كمال تربية النوع الإنساني حتى يصل إلى كماله المنشود.